البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2015-11-27
«الملذات والأيام» لبروست: النصوص المؤسسة لأدب كبير

yyy

لئن كان الباحثون في حياة مارسيل بروست وعمله الكتابي قد أنفقوا سنوات وسنوات وملأوا الصفحات كي يعثروا على الجذور العميقة، في الأدب الفرنسي وغيره، التي استمدّ منها هذا الكاتب الفرنسي الخاص جداً، رؤاه ومصادر إلهامه الأدبية والفكرية في شكل عام، فإن من بينهم من لم يذهب بعيداً في بحثه أو تخمينه بل توقف عند واحد من أول الكتب التي صدرت حاملة توقيع صاحب «البحث عن الزمن الضائع» أي كتابه «الملذات والأيام» الذي صدر في العام 1896 حين كان الكاتب لا يزال شاباً في الخامسة والعشرين من عمره، وبالكاد سمع به أحد. ومع هذا، على رغم صغر سن بروست، سيفاجأ المرء بأن يجد اناتول فرانس - الذي كان أحد أساطين الأدب الفرنسي في ذلك الحين وسيكون في مجاله الأدبي والفكري لاحقاً على تناقض ما مع بروست نفسه - يضع للكتاب مقدمة يقول فيها إن نصوص هذا الكتاب تنضح بـ «جمال غريب ومَرَضي» لن يلبث القارئ طويلاً قبل أن يستكشفه «بل حتى قبل أن يتعايش معه». ومع هذا، لم يكن الكتاب رواية أدبية إبداعية خالصة، بل كان يضم مجموعة من النصوص التي تتراوح بين ما يشبه القصص القصيرة، المستقاة من دون مواربة من عوالم اجتماعية كان مارسيل بروست الشاب قد بدأ يختلط بها منذ أبكر من ذلك، وما يشبه القصائد، التي كان قد كتبها في الأصل كي تتحول إلى أناشيد وضع الموسيقى لها، مؤلف شاب كان معروفاً في ذلك الحين هو رينولدو هان، ناهيك بنصوص تعمّد أن تكون نوعاً من المحاكاة لكتابات عدد من كبار الأدباء الفرنسيين السابقين والمعاصرين. > في هذه النصوص التي كان بروست قد نشرها، أصلاً خلال العامين 1892 و1893، أولاً في مجلة «لي بانكيه» (المأدبة)، التي لم تصدر إلا عاماً واحداً، كما في «لاريفو بلانش» (المجلة البيضاء) ذات الشهرة الواسعة في ذلك الحين والتي كانت تعبّر عن أرستقراطية أدبية لا لبس فيها، كان من الواضح، ووفق تعليق لليون دوديه، أن «ثمة هنا كاتباً شاباً يشق طريقه وقد عبره ألف حزن وحزن نابع من حياته المبكرة كما من أسلافه». ولكن كان من الواضح أيضاً أن هناك في الوقت نفسه كاتباً يبني أسلوبه أو بالأحرى أساليبه، وقد قرر أن تكون الكتابة مسار حياته المقبلة. ومن هنا لن يكون غريباً أن يرى كثر من النقاد، أن مارسيل بروست في السنوات والعقود التالية يمكننا أن نعثر عليه هنا. بحيث يبدو الأمر وكأن بعض صفحات هذه المجموعة، شكل مسوّدة للأعمال العظيمة المقبلة التي ستلي خلال العقدين والنيّف التاليين. > تتنوع القطع والنصوص في هذه المجموعة، ويبدو جلياً أنها كتبت في أوقات مختلفة، وتحت وقع ظروف شديدة التنوع، حتى وإن كان يجمعها حزن مشترك. ومع هذا ثمة بين السطور وفي ثنايا الصفحات موضوعة عامة تبدو مشتركة بين القطع جميعاً – أو بين معظمها على أية حال -، حيث «عبر الملذات التي تجعل الحياة الاجتماعية جافة» ينعي الكاتب «فقدان أفراح الطفولة» و «وهن الصبا» كما ينعي بساطة الحياة في الأرياف وجمال أشياء الطبيعة. إضافة إلى ما ينتج من هذا من فقدان للحساسية الحقيقية المرتبطة بالتمازج مع الجمال الطبيعي. وفوق هذا كله: انسداد أي أفق أمام الضمير والوعي... وإزاء هذا كله هل سيدهش أحد حين يرى ذلك الحزن العميق يرشح من بين ثنايا الكلمات محولاً الأفكار إلى شجن لا يهدأ؟ وهل سيجد أحد نفسه حقاً متسائلاً عما دفع اناتول فرانس إلى ذلك الحديث المحزن عن كتاب يحمل نصوصاً لشاب كان في زهو الصبا، لكنه يبدو في كتابته كعجوز فقد كل توق إلى الحياة؟ > فمثلاً في ذلك النص المعنون «موت بالداسار سيلفاتدور فيكونت سيلفانيا»، نجد بروست، وكأنه يسير، مثلاً، على خطى الايطالي لامبودزا، يصف التدهور الحتمي لحياة ارستقراطية، بل نبالة ضربها شلل تام، وها هي في تدهور متواصل كما الحال في رواية «الفهد» لهذا الأخير – التي حولها فيسكونتي إلى ذلك الفيلم الكبير الذي نعرق -، والتي تصور انتهاء عالم وبداية عالم جديد، غير أنيق وغير مضمون، هو عالم البورجوازية الذي فكك أول ما فكك زهو الارستقراطية وكلاسيكية علاقتها بالفنون. أما في القطعة المعنونة «فيولانت أو الحياة الاجتماعية» فيصف لنا بروست، بشيء من الاقتصاد واللغوي المتناقض مع استخدامه المقبل والمسهب للغة في أزهى تضاريسها، الحياة الكئيبة لصبية نجدها تتحول أمام أعيننا إلى عدم، بفعل انخراطها في خواء الحياة الاجتماعية لصاحبته. غير أن ليس كل ما في هذا الكتاب هو حزن وتدهور، بل ثمة فيه صفحات ساخرة لا يفوتها في بعض الفقرات أن تصل إلى حد الإضحاك، ولا سيما منها تلك المجموعة التي تحمل عنواناً عاماً هو «مقاطع من كوميديا ايطالية» وهذه المقاطع هي هنا، متتاليات من أفكار وفقرات وهوامش يرى النقاد أنها تبدو وكأنها تحاكي في قدر كبير من الحس الساخر، كتابات لأسلاف لبروست كبار مثل لابرويار، ولاروشفوكو وسان سيمون وستندال في آن معاً، مع قدر كبير إلى حد ما من نزعة شديدة الخصوصية، هي تلك التي ستولد لاحقاً تعبير «الأسلوب البروستي»، ذلك الأسلوب الذي نجده ماثلاً في النص المعنون «صخب اجتماعي وعشق للموسيقى»، على شكل سخرية تقترب حثيثاً من أسلوب «بوفار وبيكوشيه» الذي لم يكن على الموضة في ذلك الحين، بل كان يعتبر غير قابل للتقليد ولا يمكن أحداً تجاوزه. ومع هذا، في هذه القطعة بالذات يبدو أسلوب بروست شديد الحداثة يرتبط ارتباطاً عميقاً بما يسميه الباحثون «أدب نهاية القرن». وفي نص عنوان «عشاء في المدينة» يجد القارئ نفسه وكأنه يقرأ صفحات منتزعة من بعض أجمل فصول «البحث عن الزمن الضائع»، بحيث إن كثراً من النقاد رأوا أن «عشاء في المدينة» ربما تشكل الأساس الذي شيّد عليه بروست معظم وصفه لحفلات العشاء الأرستقراطية الصاخبة في عمله الكبير التالي. > ومع هذا لا بد من القول هنا، مع عدد كبير من النقاد، إن أقوى ما في الكتاب يبقى مجموع نصوص تالية حملت عناوين «صيفية كئيبة للسيدة بريف» و «اعترافات صبية» و «نهاية الغيرة»، وهي عبارة عن ثلاث قصص قصيرة بالمعنى الدقيق للكلمة عبّر فيها بروست وبنضج مدهش، عن «القوة الاستثنائية للخيال العاشق ومساوئه» تماماً مثلما سوف يفعل بعد سنوات قليلة بالنسبة إلى نساء «البحث عن الزمن الضائع». فالسيدة بريف، على سبيل المثال، تنهكها عشرات العراقيل التي تقف في وجه رفضها لشاب أعطاها موعداً عابراً لا تريد هي موافاته إليه. وثمة في القصة الثانية صبية تنتحر بسبب التناحر بين غرام تعيشه أمها، وضميرها الديني الخاص. أما في القصة الثالثة فلدينا، شاب هذه المرة، أقعده حادث ألمّ به في سرير الموت، ولكن بدلاً من أن يستبد به الألم وشبح الموت الهاجم عليه، تستبد به غيرة تدمره قبل أن يدمره الموت... في هذه القصص الثلاث عرف بروست، أول ما عرف، كيف يصف جوانية «أبطاله» الذين جعلهم جميعاً آتين من ذلك الوسط الاجتماعي الرفيع الذي لن يتوقف طيلة حياته عن وصفه... > غير أن اللافت هنا هو أن مارسيل بروست (1871-1922)، الذي كان قد انطلق بهذه القوة أوائل العقد الأخير من القرن التاسع عشر، سرعان ما نجده يبتعد عن الكتابة الإبداعية طوال نحو عقدين انصرف خلالهما إلى ترجمة نصوص للناقد الانكليزي جون راسكين إلى الفرنسية، قبل أن يعود عودته القوية في العام 1913 ليبدأ في نشر الحلقات المتتالية من سلسلته الروائية الوحيدة «البحث عن الزمن الضائع» التي سيتواصل نشرها حتى العام 1927، ولا يقطعها سوى الكتاب الأخير الذي نشر في حياته أيضاً «محاكاة وأمشاج» (1919)، علماً أن الكتب الباقية من إنتاجه ومنها «مدونات» وأخيراً «ضد سانت ووف»، لم تنشر إلا بعد رحيله، كما حال القسم الأكبر من أجزاء «البحث من الزمن الضائع». http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/12391946/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%A7%D9%85%C2%BB-%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%88%D8%B3%D8%AA--%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9-%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D9%83%D8%A8%D9%8A%D8%B1#.VlgFfLWire8.facebook




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2020324 :: Aujourd'hui : 711 :: En ligne : 9