البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-01-26
الغرب والفلسفة العربية

yyy

رغم أن العرب قد اكتشفوا علوم الفلك والرياضيات والهندسة، إلا أن الفلسفة والمنطق من العلوم العقلية الدخيلة على الذهن العربي. ومع ذلك فقد تفالوا معها تفاعلاً بارعاً، إذ من خلال دراستهم للفلسفة اليونانية والإفلاطونية المحدثة قد شيدوا صرحاً فلسفياً متميزاً بهويتهم العربية الإسلامية. حيث بتفاعلهم مع مناهج العقل النظري، أظهروا قدراتهم التأملية وإبداعاتهم الفكرية والفلسفية في البحث والاستقصاء عن الحقائق: الإلهية وما يتعلق بها من قضايا الماورائيات، والعقلية وما يتوجب لها من ترتيب النظريات، والواقعية وما تحمله من نظر في الأشياء والظواهر الطبيعية والكونية. وهكذا كان المعتزلة في نزعتهم العقلانية، والفارابي في تشعباته، وأبن سينا في طبه وفكره، والمعري في أسبقية تشاؤمه، والغزالي في شكه المنهجي، وأبن خلدون في اكتشافه الاجتماعي، وأبن رشد في نجاحه بين المادية والمثالية، وغيرهم من أفراد ومذاهب.

إلا أن الباحثين والمفكرين الغربيين يختلفون في تقييمهم للفلسفة العربية الإسلامية. حيث فيهم مَنْ يتنكر لها بدعوى إنها لم تكن فلسفة عربية بحتة. سواء بالرجوع إلى أصلها اليوناني، أو أن بعض الفلاسفة المسلمين من أصول غير عربية. وقلة قليلة من المثقفين الغربيين الذين يعترفون بدور وأهمية الفلسفة العربية التي حافظت على فلسفة أفلاطون وأرسطو وغيرهم، في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة في العصور الوسطى تُحرم أفكار ونظريات الفلاسفة اليونان.

ويعتبر المؤرخ والمستشرق الفرنسي أرنست رينان (1823-1892) أحد الرافضين بالقول على وجود فلسفة عربية. وذكر في كتابه "تاريخ اللغات السامية" تعبيرات صريحة حول هذا الخصوص، منها قوله: "من الخطأ وسء الدلالة بالألفاظ على المعاني أن يُطلق على لسفة اليونان المنقولة إلى العربية لفظ (فلسفة عربية)، من أنه لم يظهر لهذه الفلسفة في شبه جزيرة العرب مبادئ ولا ومقدمات. فكل ما في الأمر إنها مكتوبة بلغة عربية. ثم هي لم تزدهر إلا في النواحي النائية عن بلاد العرب مثل أسبانيا ومراكش وسمرقند، وكان معظم أهلها من غير الساميين".1

كما ويؤكد رينان هذا الحكم العنصري في كتابه "أبن رشد والرشدية" وفي أكثر من موضع. حيث ينص صراحة على أن: العرب لم تكن لهم فلسفة تخصهم، ولم يقدموا لها ذلك الشأن الكبير. وإنهم قد تلقوا الفلسفة اليونانية على ما فيها من مبادئ وأفكار معرفية وسلموا بها كما هي دون عناء جهدي. وسبب ذلك يعود حسب تصوره إلى أن "الجنس السامي" يمتاز بطابع الأديان السماوية التي طبعت فيه بشكل قوي مترسخ. مما لم يجعل له إبداع فلسفي خاص به. ومن هنا كانت الفلسفة اليونانية عند المسلمين مجرد اقتباس خارجي وحسب.2

رغم أن نظرة رينان السلبية والعنصرية تجاه الأعراق والقوميات الأخرى تنبع من مبدأ فكري، إلا أنها قد ساعدت أو شجعت فيما بعد بشكل مباشر أو غير مباشر على ظهور أفكار سياسية عنصرية ترتبط بالعرق الآري لاسيما في نازية هتلر. وكذلك إلى وجود بعض المجاميع الصغيرة داخل بلدان العالم الغربي التي تنتهج المبدأ العنصري تجاه الآخرين حتى يومنا هذا. ناهيك بالذكر على أن موقف رينان فيه إجحاف للعقل الإنساني عموماً، وتقصير غير مقبول تجاه العقل العربي خصوصاً.

أما الفيلسوف والمنطقي والرياضي الإنكليزي برتراند راسل (1872-1970)، فرغم إقراره بأن حضارة الإسلام قد اهتمت "بشتى الطُرق في الفنون وفي العلوم"، بيد أنه يحذو على منوال رينان في تقليل شأن الفلسفة العربية في التاريخ. حيث يقول:

"إن الفلسفة العربية ليست مهمة كفكرة أصلية. مفكرين أمثال أبن سينا وأبن رشد كانوا أساساً شُراح يتكلمون على وجه التعميم وحسب. وأن رؤيتهم كفلاسفة علميين جاءت من أرسطوطاليس والافلاطونية المحدثة في المنطق والماورائيات، ومن جالينوس في الطب، ومن اليونان والهند في أصول الرياضيات والفلك. أما فلسفة التصوف الدينية فهي أيضاً ممزوجة بالعقيدة الفارسية القديمة".3

وعندما يذكر راسل الفيلسوفين أبن سينا وأبن رشد، نجده يشير إلى أن "الأول من فارس والثاني من أسبانيا". وكأن عقل وتفكير وثقافة وكتابة أبن سينا لم تكن بالعربية لغةً ومنهجاً! وأيضاً كأن الأندلس التي حكمها وتواجد فيها العرب قرابة الثمانية قرون، يتعمد هنا راسل إلى تجاهلها عبر تبديله لمفردات الكلمات. علاوة على أن أبن سينا من بخارى، حيث ولد في قرية أفْشَنَه، وكان أبوه فارسي من بلدة بلخ. وإن أبن رشد عربي أندلسي بحكم المد الإسلامي الذي قاده العرب وقتذاك، ولم يكن من إسبانيا كإسباني.

أما الفيلسوف الإسباني جوليان مارياس (1914-2005) الذي أصدر كتابه "تاريخ الفلسفة" عام 1941، فقد أشار فيه عن الفلسفة العربية قائلاً: إن الفلاسفة "العرب، وخصوصاً أبن رشد، كانوا شُراح لأرسطوطاليس في العصور الوسطى. إن الفلسفة العربية هي أيضاً فلسفة دينية، وإن موضوعها الرئيسي هو التأويل العقلي إلى القرآن. وكذلك العلاقة ما بين الدين والفلسفة كما كان الأمر في العالم الغربي".4

صحيح إن أبن رشد بالقدر الذي أعتبر نفسه أكبر تلامذة أرسطو، وكتب شروحاً وملخصات كثيرة عن مؤلفات أرسطو في: ما بعد الطبيعة، النفس، المقولات وغيرها، إلا أنه قد وضع أيضاً مؤلفاته الفلسفية التي يطرح فيها رؤيته التي تخصه وتميزه عن أرسطو أو غيره. ومن أهم تلك المؤلفات: تهافت التهافت، فصل المقال، مناهج الأدلة. وكذلك بالنسبة إلى أبن سينا و الغزالي وغيرهم من الذين جاءوا بنظريات وآراء فلسفية من لبنة أفكارهم. وبالتالي من غير المنصف أن ننظر إلى شطر واحد من نتاجاتهم ونغفل عنهم الشطر الآخر!

الواقع إن الانتقاص من قيمة العقل العربي ناتج عن امرين، أما بسبب التعصب الأعمى الذي يؤدي بالباحث إلى نظرة مغلقة غير موضوعية، أو عدم وجود التراجم الصحيحة والدقيقة عن التراث الثقافي العربي الإسلامي. وبالتالي فإن أي معالجة أو تناول لهذا الأمر يكون غير كامل. خصوصاً وإن "بعض مؤرخي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عرضوا للحياة العقلية عند المسلمين دون أن يكون لهم إلمام بلغتهم أو دون أن تتوفر لديهم المصادر العربية الكافية"5. مما أدت بهم إلى أحكام ناقصة أعتمد عليها خلق كثير.

ولا نود في هذا الجانب أن نحصر القضية ضمن سلسلة الهجمات الموجه ضد العرب والتي تعود إلى ما قبل الإسلام. لكننا نؤكد بأن عصر النهضة العربية (1898-1939) قد ساعد إلى حد ما في نضوج العقل العربي الحديث في سعيه نحو التقدم من جهة، وإلى ظهور بعض الغربيين ذوي الاتجاه العلمي والموضوعي من جهة أخرى. حيث أدى هذا الوضع الجديد إلى تصحيح بعض الآراء والنظريات الخاطئة بحق العرب والتاريخ الحضاري البشري. وبذلك بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين ترتفع أكثر روح التجريد في البحوث والدراسات الغربية بعقلية علمية متفتحة تهدف بالدرجة الأساس إلى الكشف عن الحقائق والتسليم بمدى قيمتها واهميتها في عملية تكوين الفكر الإنساني بشكل عام.

وهكذا نقرأ على سبيل الذكر لا الحصر في العمل المسهب والمتشعب الذي استغرق القس اليسوعي ومؤرخ الفلسفة الإنكليزي فرديريك كوبلستون (1904-1994) نحو ثلاثين سنة عن "تاريخ الفلسفة" ما بين (1946-1975) في تسعة مجلدات، ولقد جاء في الجزء الثاني الذي ضم الفلسفة العربية الإسلامية هذا الاعتراف الواضح والصريح: "كانت الفلسفة العربية أحدى القنوات الرئيسة التي بواسطتها كان أرسطوطاليس كامل التقديم إلى الغرب".6

أما الماركسي والفيلسوف البريطاني جون لويس (1889-1976) فقد استهل مقدمته الخاصة للطبعة العربية بهذا النص: "إن الفلسفة الغربية مدينة بدين لا يمكن أن يقدر للفلاسفة العرب الكبار، وخاصة أبن سينا وأبن رشد. ولعل في نقل كتابي "مدخل إلى الفلسفة" إلى العربية ما يشير إلى ذلك التقدير الكبير الذي نكنه، نحن معشر الغرب، لهؤلاء الاعلام، ولعل فيه قسطاً يسيراً من الوفاء بديننا لاولئك القوم الذين دفعوا بالفكر الغربي إلى الأمام".7

إن إزدياد توسع النظرة الموضوعية الغربية حيال الشعوب والحضارات الأخرى، بالقدر الذي تنم فيه عن رؤية حقيقية شاملة، فإنها تعني أيضاً التسليم بقدرة العقل الإنساني تجاه المسائل والمشاكل التي تخص الواقع البشري أجتماعياً وسياسياً وعقلياً الخ. ولذلك كتب الاساتذة في جامعة كاليفورنيا الأميركية ريتشارد بوبكين وأفروم سترول في مقدمة كتابهما "الفلسفة" بما يلي:

"أن الأسئلة حول الطبيعة، وهدف الحياة الإنسانية، وإمكانية تحقيق نظام سياسي مثالي، أو تحقيق المعرفة المطلقة تجاه العالم؛ فهذه المسائل هي في طوية العمل الفلسفي، وسوف تدوم طالما البشرية تستطيع أن تستعمل قدرتها العقلية في النظر لِما يحيط في حياتها البيئية والمكانية".8

هذا وإذا اقتبس العرب الفلسفة من اليونان، فالفكر ليس له حدود ولا يقف عند طرف معين من المعمورة. ولا يمكن لأية أمة من الأمم أن تبني وتكوَّن فكرها وتصله إلى مستوى حضاري إنساني إن لم تتطلع وتحتك بباقي الأمم وأفكارها الحضارية. وهكذا نجد اليونان التي أنفردت بالفلسفة، فإنها جاءت بعد تأثرها الملحوظ بحكمة وأفكار الشرق القديم في مصر والعراق والصين. ألم يشير راسل نفسه قائلاً: أن "التاريخ بالجملة، ليست فيه دهشة أو صعوبة تقدير نهضة الحضارة الفجائية في اليونان. أن الكثير من مسببات الحضارة كانت موجودة للآلاف السنين في مصر وسومر، ومن هناك انتشرت في البلدان المجاورة. لكن نقص عناصر اليقين استمرت لغاية قدوم اليونانيين"9.

ثمة أمر آخر نود أن نذكره هنا، إن السريان الذين درسوا الفلسفة اليونانية لفترة طويلة، وأسسوا لها المدارس وقاموا بالتراجم، فإنهم رغم ذلك لم يبرز فيهم فلاسفة أفذاد كالفارابي وأبن سينا وأبن رشد وغيرهم. ولا نعني بهذا انتقاص أو تقصير بحق جهودهم الفكرية ودروهم في تغذية العقل العربي بالفلسفة اليونانية، بقدر ما نعني مدى خصوصية كل أمة وثقل دورها الفكري حضارياً وإنسانياً.

وإذا كانت المحطات الفضائية قد جعلت العالم "قرية صغيرة"، فإن انتشار شبكة المعلومات العنكبوتية شرقاً وغرباً قد حصرت العالم في "غرفة صغيرة". والمطلوب اليوم من الباحثين العرب أن يرفدوا الباحثين الغربيين الموضوعيين بالمزيد عن الجوانب التي تخص الفلسفة العربية الإسلامية. واكتفي أن أورد في هذا الصدد ما كتبه ريك لويس رئيس تحرير مجلة "الفلسفة الآن" الإنكليزية، عن كتابي "تاريخ الفلسفة الإسلامية" حيث قال: "يؤسفني القول إنه حتى الآن فلاسفة مثل الكندي والغزالي هم أسماء فقط بالنسبة لي. وحان الوقت لقراءة شيئاً ما عن أفكارهم".10



د.عماد الدين الجبوري، كاتب وأكاديمي عراقي



المصادر



1- نقلاً عن: د. محمد عبد الرحمن مرحبا: من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامي، بيروت، 1970، ص 338.

2- أنظر: رينان "أبن رشد والرشدية"، ترجمة عادل زعيتر، القاهرة، 1957، ص 16-20.

B. Russell: ‘A History of Western Philosophy’، London، 1979، p. 420. -3

J. Marias: ‘History of Philosophy’، trans. S. Appelbaum & C. Strowbridge، New York، p.p. 153-54. -4

5- د. إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيق، القاهرة، 1947، ص 4.

F. Copleston: ‘A History of Philosophy’، London، 1976، Vol.، II، pt، IV، p. 186. -6

7- جون لويس: مدخل إلى الفلسفة، ترجمة أنور عبد الملك، دار الحقيقة، بيروت، 1978، ص 9.

R. H. Popkin & A. Stroll: ‘Philosophy’، Oxford، London، Boston، 1993، p. x.8 -

A History of Western Philosophy، p. 25. -9

I. M. N. Al-Jubouri: ‘History of Islamic Philosophy’، Bright Pen، England، cover page. -10

 




تعليقات
Visiteurs : 106300 :: Aujourd'hui : 46 :: En ligne : 3