البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2015-10-10
الفن الجديد

yyy

كان الكاتب المسرحي الإسباني الكبير فليكس لوبي دي فيغا معاصراً لمواطنه ثربانتس، صاحب «دون كيشوت». وفي بداية الأمر كان هذان الكاتبان الاسبانيان الكبيران، صديقين حميمين، لا تشوب علاقتهما شائبة. والزمن الذي عاشا خلاله (بدايات القرن السابع عشر) كان زمن خصوبة في الانتاج الفكري والأدبي، وأشبه ما يكون بعصر ذهبي تتوالد فيه الافكار وتتصادم في شكل ايجابي خلاق، بل حتى في شكل لا يترك مجالاً لصراعات حقيقية. ومع هذا ما إن اصدر ثربانتس روايته الكبرى «دون كيشوت»، حتى انقلبت الصداقة عداءً لا يمكن لأمر أن يبرره، وإن كان في خلفيته نصّ كتبه دي فيغا ينتقد فيه رواية صديقه معتبراً اياها عملاً تافهاً أشبه ما يكون بتجارة زعفران جوالة من مكان الى آخر. ويقال حتى ان دي فيغا كان وراء إصدار نص مزيف تافه نسب الى ثربانتس للانتقاص من قيمته الفكرية. > والحال ان مكانة لوبي دي فيغا في الحياة الثقافية الإسبانية في ذلك الحين، كان في امكانها ان تشرح لنا موقفه السلبي من إنجاز صديقه القديم، ذلك ان رواية ثربانتس وضعت هذا الأخير على الفور في موقع متقدم جداً في الخريطة الابداعية الاسبانية التي كانت ذات مكانة أوروبية كبيرة في الوقت نفسه. ولقد كان من شأن هذا الأمر في الواقع ان يخيف وينبه دي فيغا الذي كان يشغل موقع الصدارة، ولا يريد لأحد ان يشاطره ذلك الموقع. ومهما يكن من الأمر، فإن العداء مع ثربانتس لم يكن كل شيء في حياة دي فيغا. بل يدهشنا اليوم ان يكون هذا الأخير وجد لديه من الوقت ما يكفي لإدارة صراع من ذلك النوع مع صديقه. فهو كان معروفاً بغزارة انتاجه الى درجة مذهلة. اذ، حتى وإن كان ما يحصى اليوم من المسرحيات التي كتبها يصل الى نحو 400 مسرحية، فإن ثمة من المصادر المؤكدة ما يفيد بأن لوبي دي فيغا كتب خلال مساره المهني أكثر من 1800 مسرحية كوميدية، اضافة الى نحو 400 مشهد مفرد. بل إن في إمكاننا أيضاً ان نضيف الى هذا الكمّ الهائل والفريد من نوعه ومن حجمه أيضاً عشرين مجلداً تضم كتابات دي فيغا النثرية ورسائله إضافة الى عدد لا يستهان به من النصوص النظرية. ولعل الأشهر بين هذه النصوص الأخيرة، الكتاب الصغير الذي أصدره لوبي دي فيغا في العام 1609، أي في زمن كان فيه ملء السمع والبصر، وكانت مسرحياته الكثيرة المقدّمة على الخشبات من دون هوادة وفي شكل متواصل، غذاء روحياً يومياً لأهل المدن الإسبانية، وهذا الكتاب الذي يعنينا هنا هو «الفن الجديد في كتابة الكوميديا». > في هذا الكتاب، - الذي يعتبر من الأعمال القليلة التي وضعها كتّاب مسرحيون في زمن دي فيغا شارحين فيها أسلوب كتابتهم، واضعين فيها أسس وقواعد الكتابة المسرحية -، ينطلق هذا الكاتب من التأكيد، منذ البداية، على تمسكه بالقواعد الأرسطية، التي كانت سائدة في ذلك الحين. بالنسبة اليه هذه القواعد شديدة الأهمية، لأن من الضرورة بمكان ان يكون للفن الشاعري (وفن كتابة المسرح جزء منه) قواعد وقوانين متبعة تضبط الكتابة وتكون في نهاية الأمر، سائرة على نمط الكوميديا الايطالية. غير ان دي فيغا يستطرد هنا قائلاً إن «علينا ان نلاحظ ان الكوميديا في زمننا انما تكتب لجمهور يريد ان يتسلى ويرفه عن نفسه، جمهور يزعجه وينفره الإفراط في التنظير وسلوك درب الصعوبة». وهنا يقول دي فيغا عن هذا الجمهور: «طالما ان الجمهور يدفع يكون من الصواب والعدل ان نتكلم لغته لكي تعجبه». غير ان دي فيغا سرعان ما ينبهنا الى انه، في الواقع، لا يتبع هذا المبدأ «بحرفيته المبتذلة»: كل ما في الأمر انه يريد هنا ان يقول ان الكوميديا، بما انها «كتبت لكي تمثل، يتعين عليها ان تتبع ما تتطلبه المشاهد نفسها، تبعاً لذوق الجمهور، لا تبعاً لأفكار ومبادئ يمكن المرء ان يعثر عليها في بطون الكتب وثناياها». ثم ان دي فيغا يذكر لنا هنا أنه «في الأحوال كلها لا يضفي على الكوميديا نفسها اي أهمية زائدة على حدها». فهو، الكاتب الذي عكف طوال حياته على كتابة الأعمال الكوميدية مستفيداً منها أقصى إفادة ومحققاً عبرها أقصى درجات النجاح لا ينتظر من الكوميديا ان توفّر له الشهرة، ولا حتى إعجاب الجمهور المثقف: الشهرة لا يمكن ان تأتيه الا بفعل كتب يضعها وتكون «ذات مستوى أرفع وتقدم تقني مميز». ومع هذا نعرف ان لوبي دي فيغا كان هو - أصلاً - الذي اخترع الكوميديا الاسبانية... وهو حين اخترعها وراح يكتب ما معدله من ثلاث الى أربع مسرحيات في الشهر، لم يأخذ في الاعتبار ايّ مواثيق متعارف عليها، ولم يتبع اي قواعد وضعها مؤلفو الدراسات المسرحية. ومن هنا نراه، تحت ذريعة الاعتذار إزاء هذا الافتقار الى اتباع القواعد، يهجو «الكبرياء العقيم لعدد كبير من الكتاب» في أسلوب متكبر متعجرف يبدو انه راقٍ لأهل زمانه. لكن هذا لم يكن كل ما في الكتاب. اذ إن دي فيغا حرص في بعض فصوله على التوغل في الكثير من القواعد التقنية للكتابة المسرحية، حيث نرى في عدد كبير من الصفحات يعطينا شروحاً تفصيلية عن مختلف الأنماط المسرحية ودورها في تطوّر الفعل الدرامي. كما نجد الكثير من الصفحات التي يشرح لنا دي فيغا فيها، أساليب الاستخدام المثلى للعروض والقوافي ولبحور الشعر وما شابه. اذ نجده، مثلاً، يفيدنا ان استخدام بحر معين، يتألف من عشر موازير، ينفع لمشاهد الشكوى والنجوى، كما ان السوناتا نفسها تشكل أفضل أسلوب للتعبير عن النجوى. بينما ينفع للسرد بحر يتألف من سلسلة من ثمانية مقاطع. أما المقاطع الثلاثية فإنها تكون شديدة التأثير في المواضيع الخطرة... وما إلى ذلك. > حتى ولو كان هذا الكتاب الذي وضعه فليكس لوبي دي فيغا في مرحلة زاهرة من مساره الفني، يعتبر عادة دليلاً متميزاً للكتابة المسرحية، وبدا مملوءاً بالقواعد وبالاستطرادات التي تأتي هنا لتطور أفكار ارسطو، فإن العديد من الباحثين يرى ان دي فيغا اذ ركز في بعض جوانب كتابه الأساسية على ضرورة ربط الفن بالطبيعة، بدا وكأنه يهتم بوضع تبرير لأعماله السابقة، أكثر من اهتمامه بوضع قواعد يتعين على الكتاب اتباعها في المستقبل... إذ ان الكاتب، وفي الكثير من صفحات كتابه يمجد أعماله التي كانت حاضرة في اذهان الناس معتبراً كلاً منها نموذجاً يحتذى، بخاصة أنه في كل مرة يضع فيها قاعدة جديدة او يطور فيها قاعدة معروفة من قواعد الكتابة المسرحية، يجعل من مسرحيات وشخصيات هذه المسرحيات، النموذج الذي يجب ان يحتذى، والمثال الأفضل تعبيراً. وهو، على ضوء هذا، ومن دون ان يدعو الى الخروج كلياً على القواعد الأرسطية، ينصح الكتاب بأن يتبعوا مثاله، متخلين عن وحدة الزمان ووحدة المكان الأرسطيتين، قائلاً ان وحدة الحدث هي المهمة هنا، ولكن شرط ان يكون ثمة حدث مركزي تتحلق احداث ثانوية من حوله... > حينما أصدر فليكس لوبي دي فيغا كتابه هذا كان في السابعة والأربعين من عمره. وهو المولود في مدريد في العام 1562، وكان قد بات يعتبر أكبر الكتاب المسرحيين الاسبان في زمنه وأشهرهم. وهو خاض الكتابة بعدما درس الأدب لدى الآباء اليسوعيين، ثم التحق في خدمة واحد منهم. وبعد فترة قضاها في الخدمة العسكرية، وحارب خلالها ضد البرتغاليين، عاد الى مدريد حيث انصرف كلياً الى الكتابة، وفي المجالات كافة: شعراً، وقصة ومسرحاً... وعلى رغم مآسٍ عدة عرفتها حياته، لم ينقطع لوبي دي فيغا عن الكتابة يوماً في حياته، اذ ظل يكتب حتى وفاته عام 1635، ما جعله واحداً من أكثر الكتاب غزارة في تاريح البشرية. كما كان واحداً من أهم المجددين في فن المسرح. http://www.alhayat.com/Opinion/Ibrahim-Al-Arees/11512911/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF---%C2%BB-%D9%84%D9%84%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D8%AF%D9%8A-%D9%81%D9%8A%D8%BA%D8%A7--%D9%84%D9%86%D8%AA%D9%83%D9%84%D9%91%D9%85-%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%8A%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%A3%D8%AC%D8%B1%D9%86%D8%A7!#.VhkVBRgAYf0.facebook




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2020324 :: Aujourd'hui : 711 :: En ligne : 7