ترتفع من حين لآخر أصوات الفكر العربي لتنادي بضرورة التنوير كمرحلة ضرورية للنهوض الحضاري والإثبات الثقافي. لكن يعيب البعض، ومعظمهم من الإسلاميين، على المنادين بالتنوير أنّ هذا الأخير من مقومات تاريخ الفكر الغربي دون سواه ولذا لا يجب تقليد الغرب في اتخاذ التنوير شرطا للرقي والتقدم. بينما يؤكد المنادون به، ومعظمهم من العلمانيين، أنّ المهم في التنوير هو المضمون وليس المأتى أو المولد.فهل التنوير ضروري لنا وهل أن في ثقافتنا ما يمكن تشبيهه بالتنوير من دون أن يقع المسلم في الخلط والغموض؟
في الواقع صحيح أن ليس للعرب والمسلمين ثقافة في منهجية التنوير. ولكن لدينا ثقافة الاجتهاد وما لفّ لفّه. والاجتهاد قد يكون "تنويرا" ولكنه لا ينيرُ إلاّ مساحة جد ضئيلة مقارنة بالمساحة الشاسعة التي يغطيها، وغطاها في القرن 18، التنوير.
الاجتهاد ينير السبل المؤدية إلى التلاقي والانسجام بين الفقه و الواقع من جهة وبين الفقه وأصول التشريع (القرآن والسنة) من الجهة الأخرى. وهو مسند بالعلم الشرعي بالأساس. لكنه لا يُقرب المسافات بين واقع المسلم و العلم الدنيوي. إذْ التنوير هو الحركة الفكرية التي من شأنها أن تؤدي تلك المهمّة لِما تشتمل عليه حركة التنوير هذه من صلاحيات وأدوات تفوق صلاحيات وأدوات الاجتهاد. التنوير عمل فلسفيّ وعلمي وتربويّ وتجريبيّ.
إنّ الخلط بين التنوير والاجتهاد مصيبة يعاني منها المفكر والمُعلّم ( بالمعنى الفلسفي للكلمة). وهي تتلخص في الخلط الرهيب، في عقول العامة والخاصة، بين الاجتهاد وحركة التأصيل مثل التي يتفق كل المفكرين العرب والمسلمين على أنّها التحدّي الأكبر للفكر في المرحلة الحالية. لكن الفكر الذي يُقرّ بتلك الضرورة هو نفسه الذي ينقضها. والفكر العربي يتناقض بذلك مع نفسه لمّا يصبّ جام قراره في ضرورة فتح باب الاجتهاد على أنّه القرار الصائب أي المُكرّس للتأصيل. وهذا عين الخطأ.
لنعود إلى البداية.فكلّما كان الحديث عن النهوض أو التقدم أو الرقي كان لابد من ذكر الاجتهاد والخوض في فتحه وحتى في محاولة الاجتهاد.لا بأس. فالنية طيبة.ولكن هل النية كافية للتطرّق إلى أمر علمي مثل الاجتهاد؟
طبعا لا. فلا الحرص يكفي ولا النية تكفي ولا الإيمان بالفكرة يكفي طالما أن ليس هنالك متابعة حينية ويومية للمسألة. وقد صادف أنّي من هؤلاء الذين تابعوا مسألة النهوض والرقي بإزاء مسألة الاجتهاد و تسنّى لي أن لاحظتُ ما يلي:
هنالك، في خلد المؤمنين والمسلمين وفي مخيالهم خلط بين اجتهاد حقيقي واجتهاد افتراضي. فالاجتهاد الذي أقصده إلى حد الآن هو الاجتهاد المتعارف، الحقيقي، و الذي اصطلح أن يسمى اجتهادا أي "القيام بمجهود من أجل استنباط أحكام شرعية فرعية منبثقة عمّا هو شرعي في النص من كتاب وسنة".الاجتهاد الذي لا يمكن أن ينجزه سوى عالم الدين واللغة المتضلع. أين الخلط، ومع ماذا حصل هذا الخلط؟
يأتي الخلط لمّا تلاحظ في ندوة من الندوات أو في بعض البرامج الإذاعية أو في أدبيات الصحافة المكتوبة أن الحديث في جوهره يتناول مسائل النهوض والتقدم والرقي والتحضر، إلاّ أنه سرعان ما يتم الزج بالاجتهاد، لا فقط على أن بقاء بابه مغلقا من المهازل في تاريخنا، بل على أنّ دون اجتهاد ليس هناك تقدم، على أنّ دون اجتهاد ليس هناك نهوض، على أن دون اجتهاد ليس هناك تحضر.
والحال أن الصورة معكوسة. فاجتهاد الفقه والشرع (الاجتهاد الحقيقي) هو الذي بحاجة إلى الدعم من أسفل حتى يرتقي ويبلغ مستوى العصر.وقد انجرّ عن هذا الخطأ في التقويم وفي الحُكم ما يلي: باتت الأمة تخلط بين الاجتهاد في الفقه والعلوم الشرعية (الذي هو مغلق) وبين نوع من الاجتهاد (بالمعنى اللغوي للكلمة) يتمنونه في قرارة أنفسهم ويحلمون به؛ وهو إلى حد الآن افتراضيّ. وعدم اكتسابه الشرعية العلمية هو الذي يجعله افتراضيا. بينما هو موجود بمبدأ الواقع لكن بصفة مبعثرة وغير منظمة وغير مؤصّلة؛ وهو ما نقرأه في كتب وأدبيات مفكرينا الأجلاء ، سواء كانوا علمانيين أو إسلاميين أو مستقلّين فكريا. وهو نوع من الاجتهاد يبحث عن نفسه في واقع الأمر. ولمّا استحال، هكذا، الاتفاق على تسمية الأشياء ("اجتهاد" أم" تنوير" أم "شيء آخر"؟) بأسمائها، كيف نطمح إلى بلورة جهود التأصيل، تأصيل ثقافتنا في العصر و تأصيل الواقع الحداثي في الوعي؟ أليس حريّ بنا أن نؤصّل المنهجية والشكل والاسم قبل الشروع في إنجاز العمل؛ وهو التأصيل كمضمون؟
هكذا تجد نفسك تجادل في مسألة لا تُحل إلاّ باستحضار آلية جديدة؛ الحلقة الناقصة؛ الحلبة التي يجب أن يتم فوقها الصراع الفكري،من أجل بقاء أمة العرب والمسلمين وتنامي حضارة لها منبثقة من أصل حضارتها. والآلية تتمثل في تأصيل مفهوم الاجتهاد الآخر الذي يتوقُ إليه الناس من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، من دون أن يسقطوا في فخ القيام بالاجتهاد الأوّل أي الشرعي والفقهي الذي ليس من مشمولاتهم والذي لم يفتح بابه بعدُ لذوي الاختصاص.
ثمّ لمّا تترك الاجتهادين، الأول/الحقيقي والآخر/الافتراضي والمأمول فيه جانبا إلى حين، لكي تبحث في تاريخا المعاصر للتأكد ممّا جرى في ظروف اتّسمت باجتهادٍ مغلقُ بابُه من جهة وبـ"تنوير" لم يُفتح له بابٌ قطّ، ستستنتج ما يلي:
لقد أُعلن باب الاجتهاد مغلقا منذ قرون لأسباب يطول شرحها. وجاء مُصلحو النهضة وزعماء الإصلاح المكرمون : الأفغاني و والكواكبي ومحمد عبده و رشيد رضا وغيرهم، ثم جاءت فئة من المجتهدين المستنيرين من أمثال علال الفاسي ومحمد الطاهر بن عاشور وغيرهما. ماذا أضافوا هؤلاء للأمّة؟ حَببنا أم كرهنا، لقد تمّ، بإعاز غير مباشر من هؤلاء المصلحين، إنجاز نوع من الاجتهاد في الواقع السياسي والمعيشي (الاجتماعي والاقتصادي)، ليس معلنا هو الآخر، لكنه اجتهاد بالمعنى العام، اللغوي للكلمة، وبمعنى جعَله يكتسب نوعا من الشرعية لدى غالبية فئات المجتمع. وهو اجتهاد سياسي بالخصوص اعتمدته النخب القُطرية في مجتمعاتنا إثر الاستقلال. هو اجتهاد الاستقلال: الاجتهاد الثاني. لا هو الأوّل (الديني الصرف) ولا هو الاندماجي الذي ألوّح إليه في أدبياتي كآلية لتوسيع مفهوم الاجتهاد (واللغة العربية تدعّمني في ذلك) و لتأصيل مفهوم اجتهاد العامة والخاصة، والذي ما لبثتُ أن تناولته أعلاه على أنه افتراضيّ بداعي قلّة التأصيل.
ثم من دواعي الاجتهاد الجديد، وهو التنوير على طريقتنا العربية الإسلامية، أنك صرت شاهدا على التلاعب بآيات الله في الأسواق وفي المحلات وفي الحارات: كلُّ صار يفتي للَيلاه. لقد فعلوا ذلك للكرة لمّا صرنا شاهدين على المتفرج الواحد يحل محلّ المدرّب المستقل بذاته. وهاهُو العقل الشعبي (الانفعالي والتلقائي) فاعِلٌ المثل بأعز ما للأمة؛ الإسلام.
هل الاتفاق على اجتهاد جديد يقوم مقام التنوير (عند الغربيين) يعني أن كل واحد سيطلع علينا بفكرة مدّعيا أنها الاجتهاد سوف نقول له : "مرحبا بك، حللت أهلا وأصبحت شيخا في الأزهر أو في الزيتونة أو في فاس أو في الموصل أو في القيروان" ، أو نقول له :"احذر يا هذا، فأنت في علوم الشرع ضعيف وفي اللغة متربّص.عُد من حيث جئت فأنت علن الاجتهاد غريب والاجتهاد منك براء" ؟
طبعا رؤية مثل تلك لن تكون معقولة و لا هي مقبولة. المعقول هو أن نتعقلن إلى درجة أن نكفّ على التلويح إلى مغبة اندثار الدين، متّكئين عليها كدعوى لرفض كل تجديد. ناهيك أننا نعيش في مجتمعات تعج برجال الدين الأكارم. وما هو دور رجال الدين إذا لم يَمتهنوا رَصد ومراقبة الجديد من الأفكار للتثبّت من مأتاها والتأكد من كونها سائرة باتجاه تعاليم الدين أم لا، وذلك قبل أن يفتح الله عليهم وعلينا بفتح باب اجتهادهم؟
فعوضا عن التكفير وتحليل دم "الزنديق" الفلاني أو المائع العلاني، ليكن دور علماء الدين تهيئة أنفسهم للتفاعل مع فكر الاجتهاد الجديد، الآخر. فهُم العين الساهرة على الدين.والسهر على صحة أعمال مفكري التنوير يُعد سهرا على الدين.
ما هو دور الاجتهاد الآخر؟ ما دام مشكل المسلم اليوم أن له دين عظيم يريد أن يراه مطبقا. وما دام المسلم حاول التطبيق الاعتباطي فاصطدم بحقائق مفادها أن لا يمكن أن يطبق الدين دون تأصيل له في واقع الحياة المعاصرة، فلا بد من اجتهاد يستجيب لهذا النوع من الإشكاليات. وهو اجتهاد لا بد أن يتحلّى بخصوصية : أن يُجيب عن أسئلة ثبت أنه لا يمكن أن يجيب عنها المجتهد الشيخ، أو المفتي أو المرجعية أو المولى.
والاجتهاد التنويري محاولة لإدماج مجهودات وقرارات وسياسات الاجتهاد الثاني (اجتهاد نخب الاستقلال) بمجهودات وروح الاجتهاد الشرعي. لا يمكن أن نرتقي إلى حضارة دون التأليف بين الاجتهادين الاثنين. حينئذ لن يكون هنالك لا إسلامي ولا علماني ولا حداثوي. بل سيكون هنالك عربي مسلم يستنبط فكرة تتحول إلى مدرسة مميزة في الفكر أو في السياسة، لها اسم غير ذي الأسماء التي نقلناها عن الغرب، لم يحلم بها لا ديكارت ولا هيدجر ولا ماكس فيبر ولا كارل بوبر ولا غيرهم.
والغرض الأسمى للاجتهاد التنويري أو الحضاري، التأصيل.فهو ضرب من ضروب فقه الواقع. لكنه أوسع وأشمل حتى من فقه الواقع. إنه محاولة لتحويل الرسالة الإلهية التي يحضنها كتاب الله العزيز وسنة رسوله الأعظم، إلى رسالة تحبكها و تغزلها عقول أمة الإسلام، رسالة مولّدة من الرسالة، رسالة القرن 21 مولدة من رسالة القرن السابع.
وهل الرسالة تبديل لرسالة الله؟ طبعا لا. التغيير والتبديل والتحويل والتوليد لا يستهدف المس من أصول الدين، بل يطال العلاقة بين المسلم والواقع بعيون متأصلة، قد تبعد وقد تقترب من منابع الشرع. ذلك هو التنوير الذي نبغيه.
وفي المقابل ليس للعقل التنويري حدود. فلا يمكن أن يكون مجتهد الحضارة والتنوير الحَكم والخصم في الآن ذاته. يتخاصم مجتهد الحضارة، وهو شيخ علم، مع أمثاله ابتغاء تسريح الأفق أمام الفكر إلى أقصاها دون قيد أو شرط سوى قيود العلم الذي يتخذه المجتهد ينبوعا للاستلهام (ونواة "العلم" الذي يهمني أسميتها "الإسلاميات اللغوية التطبيقية"). لكنه في نفس الوقت محكوم بمبدأ المد والجزر، الجدلية، والأخذ والرد، في مجتمع يمتلك لا فقط علماء في الدين مثلما قلنا، بل كذلك سلطات فكرية أخرى مثل الصحافة. فلا خوف على الإسلام إلاّ من خوفنا مما لا يخيف ومجازفتنا في ما يُخيف حقا.
محمد الحمّار، باعث "الاجتهاد الثالث/ الاندماجي" و"الإسلاميات اللغوية التطبيقية"، تونس