البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2015-08-29
انصهار آفـاق غادامار

yyy

دوغلاس جونز ترجمة: خالدة حامد ترتكز الحكاية ما بعد الحداثية على الزعم القائل بأن التفكير كله لسانيّ في جوهره، أو بحسب تعبير غادامير"الاتحاد الحميم بين اللغة والفكر هو البديهة التي تنطلق منها فلسفة اللغة". ونجد في أي تعاقب لما بعد الحداثة (النيتشوي، الهيدغري، الغاداميري، الرورتي، الدريدي،..الخ) أن الغاية الرئيسة هي تقويض أساس مشاريع التنوير الغربية (الإغريقية ـ المسيحية) التي تنادي بالحقيقة الموضوعية والعقلانية. وقد هدفت إلى ذلك من خلال تأكيدها أن الحقيقة الموضوعية من أي نوع كانت هي محض استحالة أمام الإنسان لأننا كلنا ومزاعمنا بالموضوعية لا نشكل سوى جزءا من سيرورة تاريخية عارضة، متأرجحة. ويؤكد ما بعد الحداثيين، وجه التخصيص، أن الادعاءات الحديثة كلها بالحقيقة الموضوعية مستمدة من الفكر الإنساني والفكر الإنساني لسانيّ في جوهره. لكن اللغة، مثلما لاحظوا، متغيرة وقائمة على التواضع وبذا يكون الفكر الإنساني ومزاعمه بمعرفة الحقيقة الموضوعية محض خيالات واهية. لاحظ هنا مركزية الربط الجوهري بين الفكر واللغة. ومن دون هذا الزعم المحوري ينهار هيكل ما بعد الحداثي من أساسه. وسأتناول هنا بعض أسباب الشك الذي يثار بصدد هذا الزعم المركزي لما بعد الحداثة معتمداً في ذلك على الملاحظات الخاصة بحجج كتاب غادامير الألمعي"الحقيقة والمنهج". لماذا غادامير؟ تحظى حجج غادامير بأهمية في جوانب عــدة. قد كان الغاداميريون مرة الفريق الأكثر إثارة لكنهم اليوم يدافعون عن أنفسهم بوصفهم النقاد المسؤولين عن الحداثة، لا على غرار أولئك الفتية الأشرار من التفكيكيين"الذين أوصلنا نقدهم للميتافيزيقا إلى النسبية الواهنة ؛ ذلك النوع من العدمية الفلسفية غادامير يقودنا إلى ما وراء الموضوعية (الميتافيزيقا والابستمولوجيا) والنسبية". وعلى الرغم من المسافة البلاغية المرغوبة، يشاطر الغاداميريون غيرهم من التفكيكيين معارضتهم الموضوعية وإن كانوا يعترفون أحياناً بأن التفكيكية هي"آخر مرحلة في تطور الهرمنيوطيقا (الغاداميرية)". وتبرز أهمية دراسة غادامير هنا إذا انتبهنا إلى حرارة التلقي الذي أبداه الإنجليون لكتابه ؛ فهو يكتب مبدياً تعاطفاً ما للمسيحية الحلولية ولا ينتقص منها مثلما يفعل بقية الما بعد حداثيين. ولعل كتاب انتوني تيزلتون،"الأفقان"مثال على عمل إنجيلي مهم يتبنى نزعة اللغة ـ الفكر الغاداميرية. بل نجد في كتاب هارفي كون،"الباطنية والهرمنيوطيقا: تراثاً، تحدياً، مناظرة"، نجد تمجيداً كبيراً للوصف الغاداميري للفهم بوصفه"انصهاراً للآفاق": علينا أن ننظر إلى المكان الذي يتقاطع عنده أفق النص بأفق المؤول، أو يتشابكان. ومن خلال السعي وراء هذا الانصهار أمكن الوصول إلى إحساس جديد بالثقافات الإنسانية ودورها في سيرورة الفهم. وينغمر الأفقان في ثقافات مختلفة ؛ أحياناً متشابهة وأحياناً ليستا كذلك كان الإنجيليون في الماضي يشاطرون الليبراليين مزايا التفسير الديني التاريخي ـ النحوي للكتاب المقدس ومع ذلك كانت هناك نداءات تحذير ضد السهولة التي يمكن بها الوصول إلى هدف الموضوعية. مشروع غادامير الهرمنيوطيقي لا يبرز غادامير بصفة شخصية تأسيسيّة في المشروع الراديكالي ما بعد الحداثي، بل لأن الإنجيليين اعتنقوا الكثير من مشروعه الهرمنيوطيقي. فما هذا المشروع؟ يمكن وصفه بأبسط شكل بأنه مهرجان ثقافي. ففي مهرجان يحتفي بماضٍ ما، بحدث تاريخي، لا نعمد إلى استنساخ الحدث الأصل فحسب بل نحاول إعادة إنتاجه آلياً على النحو الذي حدث فيه. ولا نعمد إلى الاحتفاء به ذاتيّاً كلاً بحسب درجة وعيه. بل يشتمل على هذين الجانبين معاً وعلى شيء أكثر إبداعاً يدفع المشاركين كلهم إلى التغيير. المهرجان يدمج الماضي والحاضر في لحظة إبداعية جديدة ؛ في معنى وأثر الماضي والحاضر معاً. يقول غادامير: إن تأويل النص شبيه بهذه العملية ؛ فالماضي ـ قصد المؤلف، ثقافته، تاريخه ـ يكون له دور واحد وليس الدور بأكمله مثلما تصور"الحداثيين"أمثال المصلحين البروتستانت. ولا يستطيع الحاضر إلا أن يجلب قضاياه وافتراضاته وموروثاته الجديدة التي تولدت من تراث المؤلف. فحينما نؤول نصاً ما أو نحتفي به علينا أن ندمج (أو نصهر) التراث / الأفق الماضي مع تراث / أفق الحاضر. لا نستطيع القفز إلى معاني الماضي ولا نستطيع أيضاً فرض معانينا على النص بل نجلب الاثنين معاً ونخلق معاً طازج الصهر ؛ خبرة طازجة واحتفاء بالنص. وبفعلنا هذا نتعالى على تلك الموضوعية القديمة السيئة التي يتم تأكيدها عند ربط معاني الماضي نفسها، كما نتعالى على العدمية ما بعد الحداثية من خلال تجاوز تأويلاتنا الخاصة وصولاً إلى تأويلات جديدة. إن هذا العرض البسيط لا الساذج، كما آمل، يلخص الأجزاء الثلاثة من كتاب غادامير"الحقيقة والمنهج". ففي القسم الأول من الكتاب يقدم غادامير تجربة الماضي ـ الحاضر في الفن والألعاب والمهرجانات. ويطور في القسم الثاني مفهوم تراث المؤول التاريخي وأفقه المتناهي وما يحمله من أحكام مسبقة وتحيزات، ويختتم بالتشديد على أهمية التساؤل من داخل أفقنا الذي يجبرنا، بطريقة سقراطية، على الانصهار مع أفق المؤلف بطريقة إبداعية جديدة. ويتعمق غادامير في القسم الثالث بالذاتية التاريخية للقسم الثاني من خلال ربط الفهم باللغة وبذا تكون"اللغة"الوسط الكليّ الذي يتحقق فيه الفهم". وبذا يكون فهم كل مؤول مرتبطاً، بعمق، بالتواضع المتغير مثلما يحدث مع النحو اللساني تماماً. ويؤكد غادامير أن الذي يتمخض عن ذلك هو هرمنيوطيقا كليّة ؛ انعطافة أونطولوجية، تتواجه فيها الموروثات اللسانية مع بعضها وتصير أحداث منصهرة جديدة. ويلخص واتشرهاوزر هدف غادامير البراغماتي من أجل التغيير الثقافي على النحو الآتي: لابد من، بل ينبغي تسوية احتمالات الفهم المتصادمة في العلوم الإنسانية تسوية تامة على الصعيدين اللاعلمي والأخلاقي. ولن نتمكن من ذلك إلا عبر الفهم التطبيقي ؛ أي الحُكم العليم المعصوم من الخطأ تاريخياً بصدد ما هو"الأفضل"الآن. وإذا كان الفهم لا يحدث إلا بربط اهتمامات النص أو النزاعات بشأن قضية ما باهتماماتنا الإنسانية، وإذا كان بالإمكان تقصي هذه الاهتمامات عن طريق حُكم عليم تاريخياً يحدد ما هو مهم وضروري وعاجل وإشكالي و..الخ، لمجتمع ما فعندئذ لابد من اتخاذ القرار بشأن أي من النزاعات بين المجتمعات هو الأهم والضروري والعاجل والإشكالي في الوقت الحاضر. ولا تتاح مطلقاً أية معايير تاريخية ستؤدي إلى تسوية جدالاتنا بل علينا أن نعتمد معاييرنا البراغماتية في اللحظة الراهنة.




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2184106 :: Aujourd'hui : 70 :: En ligne : 10