البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-01-12
إبن خلدون والإجتماع العربي - فائز البرازي

yyy

لايزال العبقري / عبد الرحمن بن محمد بن خلدون / المعروف بإسم " إبن خلدون " ، يثير الجدل والعظمة بما تركه من آثار وبصمات في علم الإجتماع ، وفي عقول العلماء حتى الآن ، بعد مضي أكثر من 600 عام على وفاته . وتشكل ( المقدمة ) المعروفة " بمقدمة إبن خلدون " والتي نستطيع القول : أنه أنشأ بها علمآ جديدآ إجتماعيآ إنسانيآ نعرفه الآن " بالسوسيولوجيا " . حيث لاتزال " المقدمة " تعتبر من أمهات الكتب العالمية ، ولها مكانتها العلمية فتدرس في معظم الجامعات الأوروبية ، محافظين لها على إسمها باللفظ العربي – المقدمة – والتي تكتب بأحرف أجنبية.
ومن أوضح المختصرات عنها ، هو ما قدمه الدكتور / نواف الجراح / لها – للمقدمة – في عرضها إذ قال :
[ المقدمة .. هي بنية تتواكب فيها ثلاثة نظم متباينة : الطبيعة – المنطق – الزمان ، بصورة يوازي فيها واحدها الآخر ..
وتتوضح نقاط المقدمة الأساسية في عنوانها . فكلمة " المقدمة " : هي عبارة متعددة المعاني كثيرآ ، وميدان دلالاتها يمتد على نطاق واسع ليشمل ضمنه عددآ مختلفآ من النظم المفاهيمية ، مثلما يتبين ذلك بشكل واضح المعالجات الواسعة المدى في الأعمال الموسوعية التي كتبت عن العلوم العربية والإسلامية ، بهذا الجزء من تاريخ إبن خلدون ، وهي مقدمة بأوسع وأشمل معاني هذه الكلمة ..
وقد إستهل كتابه بموضوع ( علم العمران ) ، وفي الوقت ذاته يستمد من هذا العرض الذاتي ، الموضوع الذي تتوجه المقدمة بأسرها تجاهه ، وهو " المُلك " . فعلى البشر الإجتماع كي يكون بإستطاعتهم تأمين ضرورياتهم من طعامهم وشرابهم والدفاع عن أنفسهم ضد : وحوش الفلاة ، ثم إن تشكل التجمعات البشرية يفسح المجال لإمكانية زراعة المحاصيل وصناعة الأسلحة . لذا فإن الحياة البشرية نوعآ من " المحال " دون إجتماع البشر ...
وإنطلاقآ من أن الشيئ يتوقف عليه شيئ آخر بذاته ، سواء أكان التوقف عقليآ أو عاديآ أو جُعليآ ، يمكن أن تعني المقدمة ما تعنيه في القياس المنطقي نظرآ لأن المقدمة تتضمن النتيجة التي ستنجم عن عملية القياس المنطقي. وبالطريقة ذاتها يتكلم إبن خلدون ، أن " التاريخ " يتضمن تسلسلآ نصيآ يُبنى اللاحق على السابق . إنه يبدأ بالحديث عن الشروط التي تصنع أحداث التاريخ ، ومن ثم يقوم بسرد أحداثه . وهذا ما دفعه لطرح ( مشكلة التاريخ ) – التاريخ هو خبر عن الإجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم - . إنه بالدرجة الأولى يقوم بدور المعيار الذي تُقوّم وفقه الأخبار التاريخية المتوارثة من الماضي ، مع الإتجاه لتأكيد معقوليتها أو عدم معقوليتها ] .
وبداية .. ننطلق من تساؤلات هامة تتردد كثيرآ في دراسات الباحثين والدارسين " لفكر إبن خلدون " ومقدمته : هل تمكن / إبن خلدون / من إنتاج مشروع ثقافي سوسيولوجي وسياسي ، لخص فيه ما أنتجه طوال حياته ؟ كيف نفهم " الخاص " في القوانين الإجتماعية ، إلى جانب " العام " ؟ بإعتبار أهمية إبن خلدون الكبرى تعتمد أساسآ وأولآ على " الخاص " من خلال ( تشخيص حالة العرب ) ،بكونه دائم الحديث عما هو " خاص " في مجتمعات العرب وتاريخهم ، وتفاعلهم في النطاق الإسلامي مع من جاورهم من ( ذوي السلطان الأكبر ) ، ثم .. ماهو " العام " المؤثر في رؤيته التحليلية ؟ .
ومن هنا .. لابد أن ننطلق من " العام " وصولآ إلى " الخاص " المميز ضمن العام . فإبن خلدون يعتبر عالمآ مجددآ ومصنفآ لعلوم عصره ، ومؤرخآ ، وفيلسوفآ (للعلم ) . وبالتالي لابد أن نتلمس معالم نظريته عن ( العلم ) لبيان مفهومه وحدوده المشروعة ، وإفتراضاته المسبقة ، وبنيته العامة ، وعلاقته بغيره من " الأنساق المعرفية " ، وكل هذا ضمن إطار عصره هو بمكوناته الثقافية – الموروثة والوافدة - ، وحضارتنا الإسلامية .
لقد طرح إبن خلدون " مسلمات " لازمة لإقامة العلم ، وهي :
1- إعتبار العقل : الذي هو جوهر الطبيعة الإنسانية ، مجعولآ للإدراك .
2- السببية : كمبدأ للوجود وللفكر .
3- ثبات الطبائع : في الكون ، وإطراد حوادثه وفق سنن لاتختلف .
أولآ : العقل :
------------
إن العقل مفطور على إدراك العالم الطبيعي ، مهيأ للإستدلال على ما فوقه بآثاره . وهذا العقل تتجلى فاعليته في مستويات ثلاثة ، متدرجة في كمالها ، هي : العقل التمييزي - العقل التجريبي - العقل النظري .
وليست مدارك العقل هي غاية مايدرك ، بل تأسيسآ على أن "الوجود " هو الأصل في المعرفة ، وليس العكس .
يقول إبن خلدون : ( إنا نشهد بالوجدان الصحيح وجود ثلاثة عوالم : أولها ، عالم الحس ونعتبره بمدارك الحس الذي شاركنا فيه الحيوانات بالإدراك ، ثم نعتبر الفكر الذي إختص به به البشر فنعلم عنه وجود النفس الإنسانية علمآ ضروريآ بما بين جنبينا من مداركنا العلمية التي هي فوق مدارك الحس ، فنراه عالمآ آخر فوق عالم الحس ، ثم نستدل على عالم ثالث فوقنا بما نجده فينا من آثاره التي تُلقَى في أفئدتنا ، فنعلم أن هناك فاعلآ يبعثنا عليها من عالم فوق عالمنا ، وهو عالم الأرواح والملائكة وفيه ذوات مدركة لوجود آثارها فينا ، مع مابيننا وبينها من المغايرة ) .
إذن العقل يظهر بما هو مرآة عاكسة للوجود ، إلا أن مايميز العلم الإنساني أنه علم مكتسب نتيجة صرف همة العقل إلى تحصيل المدركات . فعلم البشر هو (حصول صورة المعلوم في ذواتهم بعد ألا تكون حاصلة ، فهو كله مكتسب . والذات التي تحصل فيها صورة المعلومات وهي النفس ، مادة هيولانية تَلبس صورة الوجود بصورة المعلومات الحاصلة فيها شيئآ فشيئآ .. فالبشر جاهل بالطبع ، وعالم بالكسب والصناعة ، لتحصيله المطلوب بفكره بالشروط الصناعية ) .
إن هذا الجهد العقلي الموصول لإكتساب المعرفة على إتساعها هو جوهر الروح العلمية . فالعقل هو الأساس ( في إنتظام الأفعال الإنسانية ) وفي إقتناص ( العلم بالآراء والمصالح والمفاسد ) وبه يحصل تصور الموجودات غائبآ وشاهدآ على ماهي عليه . والإنسان في الحالة الأولى قبل التمييز ، هو هيولى فقط لجهله بجميع المعارف ، ثم تُستكمل صورته بالعلم الذي يكتسب بآلاته ، فتكمل ذاته الإنسانية في وجودها .
ويضيف إبن خلدون إلى " ملكة الفهم والوعي " ، ملكة أخرى يسميها " ملكة الإحاطة " وذلك في قوله :
( إن الحذق في العلم والتفنن فيه والإستيلاء عليه ، إنما هو بحصول ملكة في " الإحاطة " بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله وإستنباط فروعه من أصوله . ومالم تحصل هذه الملكة ، لم يكن الحذق في ذلك المتناول حاصلآ . وهذه الملكة هي غير الفهم والوعي ، لأننا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها ، مشتركآ بين من شدا في ذلك الفن ، وبين من هو مبتدئ فيه . وبين العامي الذي لم يحصل علمآ ، وبين العالم النحير . والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون سواهما ، فدل ذلك على أن هذه الملكة هي غير الفهم والوعي ) .

ثانيآ : السببية .
---------------
السببية مبدأ للوجود والفكر : ولا تستقيم دلالة الحوادث الفعلية إلا بالفكر الذي وهبه الله للإنسان . والسببية التي هي مبدأ عقلي ، والذي يتضافر معها "النظام " و " الترتيب " ، هي مبدأ للفعل، كذلك فأول العمل هو آخر الفكرة ، وأول الفكر آخر العمل . وعلى أساس الإلتزام بهذا المبدأ ، تتحدد مكانة الفرد من أفراد النوع الإنساني . أي : كما يقول إبن خلدون : ( على قدر حصول السباب والمسببات في الفكر مرتًبة تكون إنسانيته . فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتين أو ثلاث ، ومنهم من لايتجاوزها ، ومنهم من ينتهي إلى خمس أو ست ، فتكون إنسانيته أعلى ) . فالفكر هنا يُدرك الترتيب بين الحوادث بالطبع ، أو بالوضع . فإذا قصد إيجاد شيئ من الأشياء فلأجل الترتيب بين الحوادث ، لابد من التفطن بسببه أو علته أو شرطه ، وهي على العموم ، مبادئه . ومن هنا تتفاوت همم الأفراد في فهم حقائق الأشياء كما تتفاوت قدراتهم في النفاذ إلى عمق الوقائع وبواطن الأمور .
والسببية عند / إبن خلدون / هي خاصية ذاتية لوجود الموجود : ( والحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات ، أو من الأفعال البشرية ، أو الحيوانية ، فلا بد لها من من أسباب متقدمة عليها ، بها تقع في مستقر العادة ، وعنها يتم كونها . وكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضآ ، فلا بد له من أسباب أخُر ، ولا تزال تلك الأسباب مترقية حتى تنتهي إلى " مسبب الأسباب " وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو ) .
ولأن الوجود أرحب من الإدراك ، كما أن الوجود هو الأصل في الإدراك ، يؤكد / إبن خلدون / هذا الطابع النسبي للعلم الإنساني المحدود بطبعه بحدود الزمان والمكان . فيقول : ( ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على " الإحاطة " بالكائنات وأسبابها ، والوقوف على تفصيل الوجود كله . وإعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لايعدوها ، والأمر في نفسه بخلاف ذلك ، والحق من ورائه ) .
ولا ريب في أن رأي إبن خلدون هنا مؤسس على " نقد " قدرات العقل النظري وبيان حدوده . وهو أبعد مايكون عن " نزعات الشك " والإرتياب في قدرة العقل على الإدراك . وبالتالي فإنه يبادر لتوضيح ذلك فيقول : ( وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه ، بل العقل " ميزان صحيح " . فأحكامه يقينية لاكذب فيها . غير أنك لاتطمع أن تزن به أمور " التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقيقة الصفات الإلهية " وكل ماوراء طوره ، فإن ذلك طمع في محال .. لكن للعقل حدآ يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته ، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه ... وإذا تبين ذلك فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الإرتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت عن أن تكون مدركة ، فيضل العقل في بيداء الأوهام ويحار وينقطع ) .
فالسببية إذآ : مسلمة من مسلمات " المنهج " لإمكان قيام المعرفة العلمية على تنوع مجالاتها الرياضية والطبيعية والإنسانية .
ثالثآ : ثبات الطبائع وإطراد الحوادث :
-----------------------------------
يؤكد إبن خلدون أن كل حادث من الحوادث ذاتآ كان أو فعلآ ، لابد له من طبيعة تخصه في ذاته ، وفيما يتعرض له من أحواله . والوقوف على طبائع الكائنات ( أصل لتحكيم النظر والبصيرة ، وتجنب الغلط والوهم . وأي تجاهل لطبائع العمران وأحواله بمقتضى طبعه ولما يعرض له من العوارض الذاتية – المؤدية إلى معرفة علل الكائنات وأسبابها – لايؤمن معه العثور ومزلة القدم والحيدة عن جادة الصدق ) .
إذآ لاسبيل لتحصيل العلم الصحيح ، إلا إذا كانت طبائع الموجودات ثابتة لاتحكمها المصادفة ، والوقوف على هذه الطبائع أساس تقديرنا للمعارف المكتسبة من بعد ، والتي يكون قبول ما يقبله المتعلم منها رهنآ بعرضها على القواعد والأصول . فإن وافقها وجرى على مقتضاها ، كان . وإلا زيَفه وإستغنى عنه . ومتى كان السامع عارفآ بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها ، أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب ، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض .
ويتضح تمييز إبن خلدون بين : ماهو ثابت وضروري " ذاتي " بمقتضى الطبع في الموجودات ، وبين : الأحوال العارضة تلك التي قد تلحق بها أحيانآ ، وبين : أحوال تقع في الوهم وليست مما يمكن أن تعرض في الواقع للموجودات بحال ما .
ومع تسليم / إبن خلدون / بثبات الطبائع لأحوال الموجودات ، إلا انه يقيم توازنآ يفرضه الواقع بين قانون " التشابه " أو التماثل ، وقانون " التباين " الذي يتضايف معه . وفي ذلك يقول :
( ومن الغلط الخفي في التاريخ، الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأغصار ومرور الأيام . وهو داء دوي شديد الخفاء ، إذ لايقع إلا بعد أحقاب متطاولة ، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة ، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم ، لاتدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، إنما هو إختلاف على الأيام والأزمنة وإنتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، فكذلك يقع في الآفاق والأفكار والأزمنة والدول . سنة الله التي قد خلت في عباده . وهذا التباين أوضح ما يكون في العمران البشري . .. وإذا تبدلت الأحوال جملة ، فكأنما تبدّل الخلق كله من أصله ، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدَث ) .
وهذا ما جعله ينظر في كثير من الأحوال ، إلى النصوص الشرعية – التي تنظم الأحوال المعاشية – في ضوء ما يزخر به الواقع من متغيرات ، وما قد يطرأ عليه من مستجدات .

العلم : ظاهرة حضارية :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العلم والتعليم في نظر / إبن خلدون / : ( طبيعي في العمران البشري ) . ( فإن الفكر الذي إختصت به الطبيعة الإنسانية ، تنشأ العلوم والصنائع . فالإنسان يتوجه بفكره ونظره إلى واحدة واحدة من الحقائق ، وينظر ما يعرض له لذاته واحدآ بعد آخر ، ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكه له فيكون حينئذ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علمآ مخصوصآ ، وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ذلك فيفزعون إلى أهل معرفته ويجيئ التعليم من هذا ) .
العلم إذآ نشاط مكتسب ، ومظهر للإرتقاء الإنساني . و ( الحذق في العلم والتفنن فيه والإستيلاء عليه ، إنما هو بحصول ملكة في "الإحاطة" بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله وإستنباط فروعه من أصوله ، ومالم تحصل هذه الملكة ، لم يكن الحذق في المتناول حاصلآ ) .
وتتحدد أقدار الجماعات الإنسانية نتيجة لعلاقتها بالعلم ، الذي هو سبب للتحضر ونتيجة له . حتى أن رسوخ الصنائع في الأمصار إنما هو برسوخ الحضارة وطول أمدها و( قيمة كل إمرئ ما يحسن ) . بمعنى أن صناعته هي قيمته ، أي قيمة عمله الذي هو معاشه .
وبما ان النشاط العمراني مرآة تعكس طبيعة التحضر ، فإننا نجد العلوم تكثر حيث يكون العمران ، وتعظم الحضارة . و ( الصنائع تكثر في الأمصار ، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لأنه أمر زائد على المعاش ) . ولزم عن ذلك أن اصبحت " الثقافة العلمية " عند/ إبن خلدون / قاعدة لعمل المؤرخ طالما أن العلم ذاته يصنع التاريخ ، ولا يمكن فهم حقيقته دون أن نأخذ في إعتبارنا الإطار الذي يحيط به ويوجهه . .
ومما يتصل بنظرية العلم عند / إبن خلدون / ، تحليله " للأسس المنطقية للمعرفة " وبيانه لكيفية التدليل على صحة القضايا والتحقق منها . وهو في ذلك يتابع جهود من سبقه من مفكري الإسلام الذين حاولوا دمج المنطق في بنية الثقافة العلمية . فالوعي بأسس العلم المنطقية وأحكامه ومعرفة أصول الجدل ، أمور واجبة على المشتغلين بالعلم على إختلاف ضروبه ، ليُعرف بها ( الصحيح من الفاسد في الحدود المعرِفة للماهيات ، والحجج المفيدة للتصديقات ) .
فالمنطق إذآ أمر صناعي مساوق للطبيعة الفكرية ومنطبق على صورة فعلها . على أنه مما يُحمد / لإبن خلدون / الذي لم يكن تجريدي النزعة ، تحرره من التقاليد الصورية للمنطق الأرسطي وترسيخه للأسس الإستقرائية للمعرفة العلمية ، وحملته على المقلدين الذين يتجاهلون الوقائع الجزئية فلا يرونها مؤدية إلى علم صحيح ، ويتعاملون مع أحوال الواقع بإعتبارها ( صورآ قد تجردت من موادها ) .
وتتوزع العلوم أصنافآ على أساس التباين في الموضوعات ، والمناهج ، والغايات . فيستقل كل علم منها بموضوعه وبمنهجه وبغايته . ولأن " الوجود هو الأصل " في المعرفة ، وليس العكس ، تنوعت العلوم يتنوع موضوعاتها . وكل ماهو طبيعي معايَن يمكن تناوله بالدراسة العلمية . وعلى أساس " نجاح العقل " في حصر موضوع معين ، هو شرط ضروري لقيام العلم ، عرض إبن خلدون " لعلم العمران " الذي إبتدعه ، مبادرآ إلى القول :
( وكأن هذا العلم علم مستقل بنفسه ، فإنه ذو موضوع ، وهو العمران البشري والإجتماع الإنساني ، وذو مسائل وهي بيان مايلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى . وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيآ كان أو عقليآ ) .
على أن هذا " الشرط " الضروري ليس كافيآ وحده في قيام العلم ، بل لابد أن ينضاف إليه " شرطان " آخران هما :
المنهج الملائم لبحث موضوعاته – والثمرة المرجوة من قيامه . وهذا مايفصله / إبن خلدون / في بيانه لخصائص الخبرة العلمية الفارقة لها عن غيرها من الخبرات المعرفية الأخرى المغايرة لها أو المضادة لطبيعتها .
طبيعة الخبرة العلمية :
---------------------
الخبرة العلمية محصورة – بطبيعتها – في حدود الوقائع الفعلية ، لافي حدود الخبرات الذاتية ، كما هو شأن الخبرة الدينية ، أو الخبرة الفنية . وتستهدف الخبرة العلمية ضمن ما تستهدفه ، وصف الواقع وصفآ يأتي معه دليل صدقه ، وأن يكون هذا الدليل عامآ مشتركآ .
وينهج / إبن خلدون / - في تأسيسه لعلمه الجديد علم العمران البشري – النهج الواجب ، فلا يستهدف شأن من سبقه ممن كانت لهم عناية ببعض موضوعاته المتفرقة ، الإقناع . بل يستهدف معرفة الوقائع طالما أن موضوعه " ليس من علم الخطابة " ، وإنما هو الأقوال المقنعة النافعة في إستمالة الجمهور إلى رأي ، أو صدهم عنه .
و " علم العمران " عند / إبن خلدون / إذآ ، ليس علمآ معياريآ يسعى إلى ( مايجب بمقتضى الأخلاق والحكمة ليُحمَل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه ) . فتتحدد أهداف المعرفة العلمية عنده في الوصف وفي التفسير ( أي بيان العلل والأسباب ) وفي تسخير وتحقيق السيطرة على الواقع لإستكمال العمران وترسيخ الحضارة ، وبذلك تتميز المعرفة العلمية عن غيرها من المعارف التي تستهدف الإقناع بمنهج خطابي ، أو الإمتاع وإشاعة الإحساس بالجمال ، أو تحقيق الخلاص والهداية العامة للشخصية الإنسانية في الدنيا والآخرة .
وعلى هذا الساس تحدد هدف / إبن خلدون / في مقدمته وهو ( بيان مايعرض للبشر في إجتماعهم من أحوال العمران في الملُلك والكسب والعلوم والصنائع ، بوجوه برهانية يتضح بها التحقيق في معارف الخاصة والعامة ، وتدفع بها الأوهام ، وتُرفع الشكوك ) .
ولأن الحقيقة العلمية " موضوعية " وليست ذاتية ، عامة وليست شخصية ، تستوجب نبذ كل صور ( التشيعات للآراء والمذاهب ) . فإن ( النفس إذا كانت على حال الإعتدال في قبول الخبر ، أعطته حقه في التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه . وغذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة ، قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة وكان ذلك الميل والتشيع غطاءآ على عين بصيرتها عن الإنتقاد والتمحيص ) .
وإنطلاقآ من تصور الوجود بما هو حركة مستمرة مبدعة تنتقل من حال إلى حال في حلقات متصلة ، يأتي تصور " المعرفة " بما هي " جدل بين الثابت والمتحول " وإرتقاءآ مستمرآ لايعرف له نهاية ، وهو مايقترن حتمآ بالحاجة المتجددة إلى تطويع مناهج تلائم موضوعاتها المستحدثة .
ولقد كان لمفهوم " التقدم " الموصول أبدآ ، أساس راسخ في النسق الخلدوني ، وهو ما يعني أن صرح العلم لايكتمل إلا بتضافر جهود العلماء . وبرغم وعي إبن خلدون بقيمة ما أنجزه ، إلا أنه يؤكد على نسبية المعرفة الإنسانية . ويعرض رأيه في جدّة موضوع " علم العمران " بحيطة العلماء وأناتهم وتقديرهم لتواصل المعرفة البشرية ، ولا يغيب عنه إدراك الطابع النسبي لمحاولته التأسيسية لهذا العلم . ولا يستنكف من مطالبة غيره بإستكمال ماقصر عن بلوغه . ففي ختام " مقدمته " يقول :
( فلعل من يأتي من بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا .. والمتأخرون يُلحقون المسائل ، شيئآ فشيئآ إلى أن تكتمل ) . وهو مايستوجب المراجعة الدائمة للأفكار ، وعدم الركون إلى صوابها المطلق . ولن يقدح ذلك في الفضيلة العقلية للإنسان .
ويقترن بهذا الإيمان الراسخ بمفهوم " التقدم " ، ضرورة " التحرر " في مواجهة أي سلطة فكرية ضاغطة ، وعدم ربط صواب الفكرة بمصدرها أو بالسلطة التي صدرت عنها ، ووجوب التخلص من كل صور التبعية لأي سلطة خارج نطاق العقل ذاته . كما نبه / إبن خلدون / وهو الخبير بطبائع البشر وأحوال العمران ، إلى مخاطر " التملق والنفاق " الذي يسود الأوساط العلمية عندما يتقرب الأدعياء لأصحاب "التَجِلة والمراتب " بالثناء والمديح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك ، فتستفيض الأخبار بها على غير حقيقة . وينصح / إبن خلدون / العالم والمتعلم أن يكون : ( مستوعبآ لأسباب كل حادث ، واقفآ على أصول كل خبر . وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول ، فإن وافقها وجرى مقتضاها كان ، وإلا زَيّفه وإستغنى عنه ) .
ومن هذا .. يظهر ( الشك ) كخطوة منهجية أولى عنده ، ووصيته للباحث عن الحقيقة قوله : ( فلا تثقن بما يلقى إليك من ذلك ، وتأمل الأخبار وغعرضها على القوانين الصحيحة ، يقع لك تمحيصها بأحسن وجه ) .
وإذا كانت الثقة بالناقلين من الأسباب المفضية إلى الكذب – أحيانآ – وكان سبيل التمحيص يرجع إلى التعديل والتجريح ، فموقف / إبن خلدون / الصريح هو : أنه لايرجع إلى تعديل الرواة حتى يُعلَم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع . وأما إذا كان مستحيلآ فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح . ولقد عَد أهل النظر من المطاعن في الخبر، إستحالة مدلول اللفظ وتأويله بما لايقبله " العقل " فيكون العقل هنا مقدمآ على " النقل " . ويقول / إبن خلدون / عن الباحث في " علم التاريخ " : ( يحتاج إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات وإختلاف الأمم والبقاع والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال ، والإحاطة بالحاضر من ذلك ، ومماثله مابينه وبين الغائب من الوفاق أو بون مابينهما من الخلاف ، وتعليل المتفق منها ، والمختلف ، والقيام على أصول الدول والملل ، ومبادئ ظهورها ، وأسباب حدوثها ، ودواعي كونها ، وأحوال القائمين بها وأخبارهم ، حتى يكون مستوعبآ لأسباب كل حادث واقفآ على أصول كل خبر . وحينئذ يعرض الخبر المنقول ، على ماعنده من القواعد والأصول . فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان ، وإلا زَيًفه وإستغنى عنه ) .
الخبرة الفلسفية :
ــــــــــــــــــــــــــــ
قد ينجم شيئ من الإلتباس عن إستخدام / إبن خلدون / لمصطلح " علوم الفلسفة " أو لمصطلح " علم الإلهيات " الذي يطلق على " الميتافيزيقا " – مابعد الطبيعة - . وواضح أنه يعرض لهذين المصطلحين بدلالتهما التقليدية عند الفلاسفة القدماء ، وعند الإسلاميين ممن كانوا ينشدون معرفة الوجود على ماهو عليه ، أو الوجود في ذاته . ولا يقنعون بدراسة الموجود بحال ما ، فيظهران بإعتبارهما من الأسماء المشتركة التي قد تُوقع في الخطأ .
وإبن خلدون وهو يكشف عن تصوره لحدود " الميتافيزيقا " التقليدية ، يبادر إلى إخراجها من دائرة ( العلم اليقيني ) لمجاوزتها حدود " الإدراك الإنساني " الممكن ، لأن : ( ذواتها مجهولة رأسآ ، ولا يمكن التوصل إليها ولا البرهان عليها . لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية ، إنما هو ممكن فيما هو مدرك لنا . ونحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى نُجرّد منها ماهيات أخرى ، بحجاب الحس بيننا وبينها ، فلا تأتي لنا برهان عليها ، ولا مُدرَك لنا في إثباتها على الجملة ) .
ويظهر تحديد / إبن خلدون / للخبرة العلمية بموضوعها الجزئي ، خلافآ للخبرة الفلسفية بموضوعها الكلي ، عندما يميز بين : " علم التاريخ " و " فلسفة التاريخ " فإن ( التاريخ هو ذكر الأخبار الخاصة بعصر أو جيل . وأما ذكر الأحوال العامة للآفاق والأجيال والأعصر ، فهو أسّ للمؤرخ تنبنى عليه أكثر مقاصده وتتبين به أخباره ) .
ولأن التجربة الفلسفية – عند أصحابها – تجربة عقلية خالصة ، ينبه / إبن خلدون / إلى وجوه الخلط المنهجي الحاصل في الثقافة الإسلامية ، بينها وبين التجربة الأصولية عند علماء الكلام . ويميز إبن خلدون بين : الخبرة الفلسفية العقلية التي لاتنطلق من إفتراضات مسبقة نسلم بيقينها ، وبين مسلك المتكلمين الذين ينطلقون إبتداءآ من الإيمان بصحة العقائد الموحاة ، ويستهدفون إقامة الحجج العقلية عليها إلزامآ للخصوم .
ويتصل بمحاولات / إبن خلدون / الناجحة في ترسيم الحدود الصحيحة بين الأنساق المعرفية ، موقفه الرشيد من ضرورة "التمييز " بين ما هو ( دين ) وما هو ( علم ) . وحملته الشديدة على من يخلطون بين " المطلق " و " النسبي " . وبين " الإلهي " و " البشري " ، وبين " الكامل " و " الناقص " ، فتغيب عنهم " الحكمة " في أصل الدعوات الدينية ومقاصدها . ولا يتردد إبن خلدون ، وهو يتحدث عما عُرف ( بالطب النبوي ) في القول : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بُعث ليُعلم الشرائع ، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات ، وقد وقع له في شأن تأبير النخل ما وقع ، فقال " أنتم أعلم بأمور دنياكم " ، فلا ينبغي أن يُحمل شيئ من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة ، على أنه مشروع ) .
وفي نهاية الوقفة مع ( نظرية العلم ) عند / إبن خلدون / ، يجب الإشارة إلى أمر هام يضعنا في مواجهة أزمة تحيق بالكتاب والمفكرين . فقد دفع حرص / إبن خلدون / على صيانة مستقبل " العلم " في امته ، إلى أن يوصي المشتغلين بالكتابة العلمية ، ألا تغيب عنهم " مقاصدها السبعة " ، وهي :
• إستنباط العلم بموضوعه وتقويم أبوابه وفصوله وتتبع مسائله أو إستنباط مسائل ومباحث تعرض للعالم المحقق يحرص على إيصالها لغيره لتعم المنفعة .
• أو : بيان المستغلق على الأفهام فيما عند السابقين من علماء المعقول والمنقول .
• أو : العثور على خطأ في كلام مشاهير المتقدمين بعد الاستوثاق من ذلك ، بالبرهان الواضح الذي لامدخل للشك فيه ، وإيصال ذلك للغير .
• أو : إتمام نقص حاصل .
• أو : ترتيب وتنظيم معارف جاءت بغير تهذيب .
• أو : جمع مسائل متفرقة تبرز وحدة في موضوعها ، لتصبح أصولآ للعلم من بعد .
• أو : إختصار المسهب ، وإيجاز المطول ، وحذف المكرر غير الضروري .
وما سوى ذلك ، مما يقوم به الكاتب ، هو في نظر / إبن خلدون / ، " فعل " غير محتاج إليه وخطأ عن الجادة التي يتعين سلوكها في نظر العقلاء .

وإذا كانت عظمة المفكر تقاس بمدى نجاحه في التمييز بين الموضوعات العلمية المشتركة ، وفي قسمة الموضوع الواحد إلى عناصره تحقيقآ لمزيد من التخصص ، فإن / إبن خلدون / قد نجح في إبتداع معارف جديدة مستقلة بموضوعها وبمنهجها وبغايتها ، نخص بالذكر منها :
علم العمران البشري – علم الإقتصاد – تبشيره بمنهج " النقد التاريخي " – ترسيخ المنهج الإستقرائي في العلوم الإنسانية – تضييق الهوة بين مناهج البحث في كل من : " العلوم الإنسانية " و " العلوم الطبيعية " .






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809516 :: Aujourd'hui : 1120 :: En ligne : 12