البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-01-10
ابن خلدون .. إسلام «الأنوار

yyy

مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور «كلود هورو» الأستاذ المحاضر في العلم السياسي والباحث في مركز التحليل المقارن في جامعة «مونتسكيو» بوردو. يطرح الكاتب السؤال التالي: هل يمكن أن نتعلّم اليوم شيئا مما قدمه ابن خلدون في القرن الرابع عشر؟ ويجيب على ذلك: «نعم بالنسبة لمفكر» يكثف في أعماله فلسفة أرسطو والثقافة العربية ـ الإسلامية، ومجمل التجربة السياسية التي عاشها في الأندلس وتونس والمغرب؛ وذلك بروح نقدية إبداعية عبر ما قدمه من مفهوم جديد التاريخ ومن خلال التحليل الواقعي الذي طرح فيه نشوء وسقوط الحضارات.
لقد تمت «التغطية على ابن خلدون وعلى ابن رشد» بوجه خاص بسبب الخوف من الفكر النقدي والتحديث في مناهج المعرفة والبحث عن الحقيقة أنّى كانت. وبهذا فالمعرفة البشرية ليست حكرا على أحد ولا تتضاد مع الدين بقدر ما تستجيب لما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يستشهد به الكاتب: «اطلبوا العلم ولو في الصين».
والحقيقة أن رؤية ابن خلدون للحضارة أو للتاريخ العمراني البشري لا تقتصر على مرحلة معينة في حياة البشرية. فهذا التاريخ وجد قبل الإسلام ومع الإسلام لينتقل بعده إلى «الأعاجم». إلا أنه يخصص قسما واسعا من أعماله هنا حول العرب.
وهذا ليس بسبب نزعة تعصبية لأبناء قومه وإنما «بسبب أعدادهم» و«امتداد أجيالهم» و«سلطانهم» عبر التاريخ.

ن ابن خلدون في العلم الجديد الذي طرحه «علم التاريخ» إنما ينظر إليه صعودا أم نكوصا من داخله، أي بما يعطيه معنى جديدا مطبقا في ذلك منهجية عقلانية ملموسة تبحث عن الأسباب التي يتحرك فيها التاريخ والكيفية التي حصلت فيها وقائعه طبقاً «لطبائع العمران البشري» نفسه، لماذا؟
لأن ظواهر عالم الكائنات ترتبط بأسباب سابقة عليها ولّدتها، لتصبح بدورها أسبابا لظواهر ووقائع جديدة. بهذا فإن ابن خلدون وهو يميّز بين العلوم النقلية (الدين) وبين العلوم البشرية (العقل) إنما يتفعّل في نظره بين كونه مؤرّخا للتاريخ وباحثا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وعالما دينيا، كي يأخذ بالواقعة العمرانية من جميع جوانبها بما يجعله «مفكر الكلية» التاريخية حسب تعبير الكاتب.
هكذا يصبح الرهان المعرفي للعقل الإنساني الإحاطة بأسباب هذه الكلية وتحولاتها الدينامية من مرحلة إلى مرحلة وكأننا «عالم جديد».إلا أن هذا الرهان ظل محدودا لدى ابن خلدون، لماذا؟ ان العقل البشري غير قادر بالنسبة له على الإحاطة بكل الأشياء. فلو استطاع ذلك، أي معرفة الأشياء بعللها معرفة كلية لاستطعنا الحيطة منها وعدم الوقوع في أفخاخها بحيث أن ابن خلدون (المؤرخ لا يقوم هو بالتأريخ للمعرفة الإنسانية وأنها ليست مطلقة بالرغم من أنه يُعيد كل الوقائع التاريخية إلى ظروفها التاريخية بالذات.
ويعيد الكاتب «هورو» عدم استمرار ابن خلدون في فتوحاته التاريخية العقلانية والوضعية للعمران البشري إلى أنه ظل متأثرا بالإيديولوجيا الدينية الأشعرية التي كانت سائدة في عصره. فلقد استمر في «موقف وسط» بين العلامة الغزالي وبين العلامة ابن رشد؛ دون أن يحوّله ذلك عن إلقاء أضواء جديدة لم يسبقه غيره إليها على حركة الحياة الاجتماعية وتحولاتها.
والواقع أن مقاربة ابن خلدون للعمران البشري متعددة الجوانب. فالمقاربة الثقافية تجعله يفرق بين ثلاثة أمور أساسية ألا وهي: الطبيعة والثقافة والحضارة. بعبارة أخرى فإنه يميّز بين حالة التوحش وحالة التنافس وحالة التحضر العليا. إنه يشارك أرسطو في أن الإنسان حيوان سياسي مدفوع نحو ترك حالة التوحش باتجاه التمدن لتأمين ضرورات معاشة والدفاع عن وجوده.
وبهذا فهو بحاجة إلى تنظيم اجتماعي سياسي يسمح له بتفتح قدراته الإنسانية وتوفير حاجاته حيث تنشأ الثقافة التي تبلغ بتقدمها مرحلة الحضارة. باختصار تشكل الحضارة المرحلة العليا لتقدم العلوم والصناعات والفنون. فالثقافة ليست كما يقال «هي ما يبقى عندما يذهب كل شيء»؛ وإنما «هي ما يبقى عندما تزول الحضارة».
والتاريخ بانتقاله من العمران البدوي إلى العمران الحضري، فالعمران الحضاري إنما يترافق بولادة تبدلات ثقافية. فمن ثقافة البداوة إلى ثقافة التمدين إلى ثقافة الاستهلاك إن صح التعبير. لكن هذه التبدلات تترافق لدى ابن خلدون بالسلوك السياسي كما يرى الكاتب، لماذا؟ «لأن السلطة السياسية هي المعنية بوجه أساسي ببناء المدينة أو الاستيلاء عليها والدفاع عنها»، وهي أخيرا المسؤولة «عن انحطاطها وانهيارها وتدميرها» في مرحلة لم تعد تهتم فيه إلا بالبذخ الاستهلاكي المترافق مع الظلم الاجتماعي.
إلا أن هذا التفسير الذي يقدمه الكاتب لمقاربة ابن خلدون السياسية للحياة الاجتماعية، سرعان ما يستدركه عبر ما يقول: «إن الانقسام إلى طبقات اجتماعية مختلفة عن بعضها بعضا مؤكد في بلاد الإسلام»، ومن يعتقد غير ذلك إنما «يضع حجابا على عينيه». صحيح أن المُلك دولة وسلطانا، عامل في التمايز داخل المجتمع ولكن المعاش (إنتاج البشر لحياتهم المادية والبحث عن الثروة) عامل آخر بحيث لا يمكن وكما يشير «هورو»، الجمع بين «من يملك قطعانا كبيرة من المواشي وبين الفلاح الريفي الفقير».

وأخيراً فإن ابن خلدون يضيف إلى مقارباته للكلية العمرانية، المقاربة الاجتماعية، لأنه يعتبر أن الجاه يُبين العلاقات داخل هذه الكلية. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أن الجاه علاقة تسيّد «تجعل أفرادا ينحنون أمام غيرهم» خالقا بذلك تراتبية في الحياة الاجتماعية.

فالجاه حَسَبا ومنزلة اجتماعية واقعة قائمة، إلا أنها واقعة لا تتعلق بوضعية تاريخية محددة بقدر ما أنها تتعداها إلى غيرها.
فلقد وجدت في العمران البدوي كما وجدت في العمران الحضاري (ومازلنا نراها في عديد من المجتمعات العربية الإسلامية اليوم). إنه يخلق بنية اجتماعية على رأسها المجموعات السياسية العليا وفي أسفلها من لا يملكون سوى الكدّ أو الفقر أو السخرة؛ وبين هذين القطبين هناك المجموعات الاجتماعية التي تتدرّج في منزلتها الاجتماعية،
بعبارة أخرى فإن الجاه رأسمال اجتماعي إذا استعرنا تعبير العالم الفرنسي الشهير «بيير بورديو»، لكنه ليس مجرد رأسمال رمزي بقدر ما يمكن صرفه ماديا أي تحويله إلى قوة اقتصادية، كيف؟ إنه يتم كما يشير ابن خلدون عبر العمل الذي يقدمه الآخرون لصاحب الجاه دونما أجر بما يراكم ثرواته ويحوّله إلى «مالك» أو «متمول». مقاربات ابن خلدون للظاهرة العمرانية العربية ـ الإسلامية من داخلها، تطرح التوقف عند الإشكاليات التي أدت إلى انحطاطها وجمودها وتفككها.
فإذا كانت السيطرة الاستعمارية الغربية قد عمقت حالة التأخر التاريخي لدى العرب، فإن هذه الإشكاليات الداخلية تحتاج إلى مزيد من الكشف عنها لتخطيها في وقت تزحف فيه العولمة الليبرالية المتشددة على العالم كله. أليس هذا هو الرهان المعرفي العقلاني اليوم.

* الكتاب: ابن خلدون، إسلام «الأنوار»

الناشر: مطبوعات كوميليكس بروكسل 2006

*الصفحات : 223 صفحة من القطع المتوسط

نقلا عن جريدة (البيان)






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807491 :: Aujourd'hui : 1896 :: En ligne : 14