البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2015-07-22
الثقافة الوطنية

yyy

منذ تشكل الدولة القُطْرية على اختلاف أنواعها في الوطن العربي، ساهم المثقفون العرب في تطوير ثقافة وطنية في إطار الثقافة العربية التي ظلت حاضنة لكل الإنتاجات والتصورات. وكانت مختلف التيارات والنزعات، حسب الاتجاهات التي يمثلها هؤلاء المثقفون، حاضرة بصيغة أو بأخرى. كانت تتساجل تارة، وتتفاعل طورا، دافعة بذلك السؤال الثقافي العربي نحو التجذر وتعزيز أواصر المشاركة الجماعية في إغناء الرصيد الثقافي العربي العام. كانت الدولة القطرية، في معظم الدول العربية، تدفع في اتجاه استقطاب مختلف الفعاليات والاتجاهات السياسية صوب التمحور على قضايا عامة تهم التوجه الذي تمثله هذه الدولة أو تلك. ورغم وجود المعارضة في كل الدول العربية، فقد كانت بصورة أو بأخرى تساهم في بلورة تلك الثقافة الوطنية، معبرة عن خصوصيتها التي كانت تراعي الشروط السياسية التي كانت تتحرك في نطاقها. هكذا كنا نجد المثقف الشيوعي والاشتراكي والليبرالي منخرطا في التوجه العام الذي تدعمه السياسة القطرية. كما كنا نجد المثقف المنتمي إلى عرقيات غير عربية ( كرد أمازيغ…) أو دينية (مسيحيين يهود…) جزءا من هذا المسار الذي كانت تحكمه قضايا وإشكالات مشتركة تهم القطر من جهة، وهو جزء من الوطن العربي من جهة ثانية. اهتم المثقف «الوطني» بقضايا التحرير والديمقراطية، وانشغل بواقع الثقافة العربية ومستقبلها، كما بحث في أسئلة الإبداع العربي في صلته بالمجتمع، وكانت الأسئلة مشتركة والهموم واحدة. وساهمت المؤسسات (اتحاد الكتاب والأدباء العرب، ومختلف الاتحادات والروابط والأسر الثقافية) في هذه الصيرورة بجدية وفاعلية. وكانت المؤتمرات العربية التي تعقد في أي قطر عربي ( العراق الكويت مصر لبنان المغرب…) تجمع مختلف المثقفين على اختلاف أطيافهم الفكرية والمذهبية والطائفية والسياسية. ونجم عن كل ذلك الحوار والاختلاف في مختلف القضايا المثارة؛ وحتى الجمهور الثقافي كان يتفاعل ويساهم في ذاك النقاش. ويكفي الآن الرجوع إلى المجلات والكتب التي كانت تنشر في السبعينيات وحتى الثمانينيات لنجد أنفسنا أمام تراث هائل ومهم ما يزال له حضور رغم التبدلات التي طرأت على الواقع الثقافي العربي. لعبت الإكراهات السياسية الداخلية والعوامل الخارجية والصراعات دورا كبيرا في طبع تلك الحقبة بملامح خاصة. وكان الغائب الأكبر فيها الاهتمام الحقيقي بالمشاكل الجوهرية المتعلقة بالواقع الثقافي القطري أو العربي، سواء في الماضي أو الحاضر، أو المستقبل. إن ما كان يهم الدولة القطرية، أيا كان نظامها السياسي والاقتصادي، ليس خدمة الثقافة الوطنية، أو العمل على وحدتها وتطويرها، بل كان يعنيها في المقام الأول والأخير، توحيد المثقفين (بالإغراء المادي أو بالترهيب) حول «برنامجها»، لأنهم بذلك يعطونها شرعية لم تستمدها من وطنيتها، أو خدمتها للثقافة الوطنية. وهي في سعيها ذاك كانت تضمن ولاء المثقفين وعدم خروجهم عليها. كما أن بعض المثقفين، إن لم أقل معظمهم، باستثناء من كانوا في صفها، كانوا يستغلون بدورهم هذا الهامش الذي كانت الدولة تتيحه، للبحث عن موقع اجتماعي، أو تمرير أفكارهم بطرق ملتوية عبر الرهان على المستقبل. أدى هذا التوافق، غير المعلن، بين الإرادتين إلى عدم الخوض في الكثير من القضايا الحساسة والجوهرية التي يمكن أن تخدش ذاك التوافق. فلم يكن الحديث حول المسائل الكبرى يتم إلا بشكل محتشم وخجول: الدين، التنوع الثقافي، الحرية الفردية… صحيح ظهرت محاولات للخروج عن هذا التوافق، لكنها تعرضت للمحاكمة، أو الإقصاء. ظل السؤال الذي يفرض نفسه، ولكن بشكل غير دقيق، هو كيف يمكننا بناء ثقافة وطنية، ذات عمق تاريخي وجغرافي، بدون رؤية ديمقراطية تسندها وتدعمها؟ كان النقاش أحيانا، يغلب جانب «المرحلية» في تناول القضايا وطرحها. ولم يكن هذا سوى مبرر من مثقفي إيديولوجيا الدولة الذين كانوا يطالبون بـ»الوحدة الثقافية» لأن مخاطر شتى تتهدد الوجود الوطني. وكان آخرون باحتشام يطالبون بالديمقراطية بدون حس وطني. يبدو لي أن هذا هو التجاذب الذي ظل يحكم المسار الثقافي العربي منذ أواسط القرن الماضي. وكان التوافق المشار إليه يدفع في اتجاه تأجيل الحسم في القضايا والإشكالات العالقة، أو حتى التفكير فيها. وجاء الربيع العربي، فانفرط العقد، ولم يبق ما يوحد بين المشتغلين بالثقافة: هل البعد الوطني أم الديمقراطي؟ أم أبعاد أخرى لا علاقة لها بالوطن، ولكن بالطائفة والعرق والمذهب؟ أتساءل الآن: لماذا كان بإمكان الليبرالي والاشتراكي والقومي والكردي والأمازيغي والمسيحي والشيعي… يشتغلون في قضايا ثقافية مشتركة وينخرطون في حوار وسجال حولها بدون طرح الخصوصيات الفكرية أو المذهبية أو العرقية، وينخرطون معا في أحزاب توحدهم، وهم يفكرون مجتمعين في نطاق الفكر اليساري الذي كان مهيمنا منذ الخمسينيات؟ ولماذا ينفرط العقد الآن، وقد صار الحديث الآن عن السنة والشيعة والمسيحيين والأكراد والأمازيغ… وكل يبحث له عن موقع خاص، بلا حس وطني ولا ديمقراطي؟ إن ما نعانيه الآن من تشرذم ثقافي يؤول إلى استبعاد «الدين» الذي تركوه خارج دائرة الثقافة الوطنية إلى جانب قضايا ثقافية أخرى تطرح الآن نفسها بديلا وبإلحاح؟ http://www.alquds.co.uk/?p=375679




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2670742 :: Aujourd'hui : 110 :: En ligne : 13