البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-01-08
الهروب من الحرية لإيريك فروم في ترجمة جديدة

yyy








بدأ المترجم محمود منقذ الهاشمي ترجمته لكتاب المحلل النفسي الشهير إيريك فروم "الهروب من الحرية"، بمقدمة طويلة شرح فيها فكرة الكتاب الأساسية، ودواعي ترجمته. حيث يرى أن هذه الترجمة تأتي "في زمن فاقت فيه أعداد المتحدثين عن الديمقراطية والحرية أعدادهم في كل الأزمان الماضية. تأتي في هذا الزمن الذي يشتد في الـتأثير السايكولوجي الهائل لوسائل الإعلام... ليخلق الانطباعات المحددة بالمعاني الثابتة لمشكلة الحرية، وحلولها الليبرالية والأصولية والدعائية الإمبريالية وغيرها".

الكتاب "جزء من دراسة واسعة، تتعلق ببنية الطبع عند الإنسان الحديث، ومشكلة التفاعل بين العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية"، كما يقول فروم. إلا أن الأخطار الكبيرة التي تعترض أكبر منجزين من منجزات الثقافة الحديثة وهما "الفردية وفرادة الشخصية" هي التي جعلته يقتطع جانباً واحداً من جوانب تلك الدراسة الواسعة، ويركز عليه، هو "معنى الحرية عند الإنسان الحديث".

ينطلق فروم من فرضية أن الإنسان الحديث، المتحرر من روابط المجتمع ما قبل الفرداني الذي كان يعطيه الأمن ويقيده في آن معاً، لم يظفر بالحرية بالمعنى الإيجابي لتحقيق ذاته الفردية. فالحرية، وإن أتته بالاستقلال والاستفادة من العقل، قد جعلته معزولاً وقلِقاً وعاجزاً... إلخ. وهذا أمر لا يُطاق.

لذلك يبقى أمام الإنسان خياران: إما الهروب من هذه الحرية إلى التبعيّات الجديدة والخضوع، وإما التقدم إلى تحقيق الحرية بالمعنى الإيجابي التي تقوم على فرادة الإنسان وفرديته.

ويرى المترجم ضرورة الانطلاق من التمييز المهمّ الذي عقده فروم بين جانبي الحرية: السلبي والإيجابي، على أن الحرية السلبية هي التحرر. ويتساءل فيما إذا كان التحرر كافياً ليكون المرء حرّا؟ فاللغات والثقافات تستخدم الحرية بهذا المعني السلبي، فيما يتم تجاهل المعنى الإيجابي للحرية. فالحرية السلبية تعني الانعتاق من العوائق الخارجية، فيما يتم تجاهل الكثير من الزواجر الداخلية التي تعتبر أقوى من العوامل الخارجية، وأشد تأثيراً.

فيما يُعرّف الجانب الإيجابي للحرية بأنه تحقيق المرء فرديته. فالبشرية، كما يرى، قطعت أشواطاً طويلة في التحرر، أي في تحقيق الجانب السلبي للحرية. لكنها لم تقطع إلا القليل على طريق الحرية الإيجابية. فالمرء تحرر من الكثير من العوائق الخارجية، لكنه لم يمتلئ بما يحقق فرديته. ونتيجة انعدام التوازن بين هذين الجانبين، يشعر المرء بعدم الانتماء، وبالعزلة، والعجز، وعدم الأمن... فكان، بناء عليه، ثمة هروب من الحرية السلبية، أي من التحرر.

يضع إيرك فروم آليات عديدة لهذا الهروب، ويدرسها من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي. لكنه يخصص للدراسة الآليات السيكولوجية المرتبطة بظاهرتين اجتماعيتين، هما النازية والديمقراطية الحديثة.

أولى هذه الآليات هي السادية– المازوخية، التي يعبر عنها بـ "التسلطية" فالمازوخي والسادي كلاهما "تسلطي"، إنما بوجهات وغايات مختلفة.

الآلية الثانية هي تخلي الفرد عن فرديته، والتي يعبر عنها بـ "التدميرية" وتحوله إلى إنسان آلي، متماثلاً مع الجماعة التي ينتمي إليها. ويطلق عليها فروم: آلية "تماثُل الإنسان الآلي". فالشخص، هنا، يفقد ذاته، وتحل "ذات زائفة محلها" الأمر الذي يجعله فاقدًا هويته وشكاكًا.

وعبر تحليل هذه الآليات يتوصل إلى أن التسلطية، كانت السمة التي تسم الطبقة الوسطى الدنيا الألمانية التي شكلت الأرضية المناسبة التي نشأت عليها الأيديولوجيا النازية. ويتوصل إلى أن آلية التماثل الطبيعي في الديمقراطية الحديثة تلعب دوراً كبيراً في جعل الفرد عاجزاً وقابلاً للتلاعب به وبعواطفه، الأمر الذي يجعله منجذباً إلى أي زعيم أو أيديولوجيا كما يرى الهاشمي.

فالحرية ليست بتلك المسألة التي يمكن حلها فقط سياسياً واقتصادياً. فثمة معيار وحيد لتحقيق الحرية، يضعه فروم منطلق من سؤال هو: "هل يشارك الفرد بفعالية في نشاطه اليومي، وفي عمله، وفي علاقته بالآخرين؟".

ظهر كتاب إيرك فروم "الهروب من الحرية" في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1941، أي خلال الحرب العالمية الثانية. والعالم كله يعرف أثر تلك الحرب على البنية السيكولوجية للإنسان، وعلى فرديته وفردانيته. من هنا نفهم معنى أن فروم اقتطع هذا الجانب من دراسته الموسعة حول بنية الطبع عن الإنسان، ليركز عليه، وهو جانب الحرية.

الكتاب مترجم منذ عقود عدة بعنوان "الخوف من الحرية". وهذه ترجمة جديدة له بالعنوان الأصلي الذي وضعه فروم، كما يقول المترجم.





الكاتب: إيرك فروم.

الكتاب: الهروب من الحرية.

ترجمة: محمود منقذ الهاشمي.

الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2009.






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807307 :: Aujourd'hui : 1710 :: En ligne : 11