البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2015-07-08
الغربة الثقافية

yyy

ما هي علاقتنا، نحن العرب، بالعصر الذي نعيش فيه؟ سؤال قلما نطرحه لأننا نفترض أننا نعيش عصرنا وسط إكراهات ومراغمات تفرض علينا ألا نعيش فيه إلا بالأسئلة «المفروضة» علينا منذ عصر النهضة. ولذلك فإننا لا نطرح من الأسئلة إلا ما تسوغه «الأجندات» الخارجية. ومعنى ذلك بتعبير آخر، أننا نعيش عصرنا بدون «أجندتنا» الخاصة. لا أحب كلمة «الأجندة»، ليس لأنها أجنبية، ولكن لأن استعمالنا العربي لها يوظفها فقط بديلا لكلمة «المؤامرة» بدون أي حمولة تتصل بالتخطيط الزماني والمكاني. وهذا يؤكد أننا نعيش بدون تخطيط ولا تدبير. معنى ذلك بتعبير أوضح وأجلى أننا نعيش غرباء عن عصرنا، لأننا لا نطرح أسئلة تتصل بعلاقتنا بالعصر، وكيف يمكننا أن نكون متلائمين معه، ونفكر في قضاياه ومشاكله باعتبارنا جزءا من البشرية، لا على هامشها؟ لكننا إذا استعرنا مفهوم «الحداثة» سنجد أن بعض أقطارنا العربية تعيش «حداثة» أكثر من نظيراتها الغربية، ولو على مستوى «المعمار» الذي اتصلت الحداثة به في الغرب في بداية ظهورها. لكن الحداثة العمرانية لا تعكس التلاؤم مع العصر، وهذا هو المعنى الدقيق لمصطلح «الحداثة»، في كل منجزاته وقضاياه ومشاكله. تتجلى لنا هذه الغربة على المستوى الثقافي من خلال ثلاثة أنواع من الغربة يمكننا تقديمها على النحو التالي: غربة عن العصر، وأخرى عن التراث، وثالثة عن الذات. تبدو الغربة الأولى في كوننا بعيدين عن الانخراط في العصر المعرفي، وفي مجمل إنتاجاته التي لا نسهم فيها، لا بالسؤال ولا بالبحث، بل أننا لا نعرف، ولا نواكب هذه المستجدات والقضايا التي ينخرط فيه العقل المتطور في العالم من حولنا. صحيح عندنا جامعات ومعاهد ومراكز للبحث، وتعقد هنا وهناك ندوات ومؤتمرات، ولكن ما هي القضايا التي ننشغل بها، ونأتمر حولها؟ إنها القضايا التي لا يمكن أن تسهم في تنوير علاقتنا بالعالم لأنها غير متصلة به. إن مقررات جامعاتنا وكلياتنا ما تزال تقوم على ما كان سائدا في جامعاتنا منذ تأسيسها على مستوى المضامين والمحتويات. لا شك في أن البنيات التحتية «استحدثت»، ولا مراء في أن القوانين تطورت، ولا غرو في كون التجهيزات في بعض الجامعات «فوق حداثية»، لكن الذهنيات التي تشتغل، إداريا وتربويا، ما تزال عتيقة بل ومتأخرة عما كانت عليه الجامعة العربية عندما تأسست. عندما نقارن المواد التي تدرس والمناهج التي تقدم بها في العالم، نجد أننا نرفض أي تجديد أو تطوير. وعندما نسأل أكاديميينا عن مشاريعهم البحثية، وآفاقها، وصلاتها بتطوير المعرفة الإنسانية، لا نجد أنفسنا سوى أمام الفراغ. وعندما نسأل أيا منهم عن قراءاته ومتابعاته لما ينجز في الغرب والشرق، ما نزال نواجه بمن يتحدث عن التغريب و»استيراد» الأفكار، و»التبعية»؟ فكيف يمكننا أن نساهم في العصر المعرفي ونحن لا نعرف ما ينجز فيه من أجل الانخراط الإيجابي في فهمه وتطويره؟ أما الغربة الثانية فهي تتصل بتاريخنا وتراثنا في مختلف تجلياته وصوره، فالذين يرفضون هذا التراث لأنهم «دعاة حداثة» فهم غرباء عنه بالسليقة. أما الذين يدافعون عنه، بزعم «الهوية الثقافية»، فهم يختزلونه في ما يعتبرونه تجسيدا لـ»هوية» معينة. ويرفضون ما خلاه على اعتبار أنه ليس جزءا من التراث، فهو إما دخيل، أو أساطير وخرافات. وفي عملية الانتقاء هذه، تمارس غربة تجاه هذا التراث، بنفيه وتهميشه. في التصور الغربي لا نجد ثنائية: تراث ومعاصرة. فهم يتعاملون مع أرسطو والقديس أوغسطين تعاملهم مع هيغل وكانط، وفوكو ولاكان، بلا تفريق. يجددون النظر في أعمالهم دائما، ويعيدون نشر نصوصهم، ويناقشونها ويطورونها باستمرار، ولذلك تجد هؤلاء المفكرين وكل المبدعين من كل الحقب التاريخية ماثلا دائما في مراجعهم. ويؤدي هذا إلى التواصل الدائم مع الفكر الخلاق، وحتى القراء تجدهم أبدا على صلة بتراثهم القديم والحديث لأن الجسور الفكرية قائمة باطراد. سألت مرة طالبا في مناقشة بحثه للإجازة عن «المغرب الأقصى» عندما سمعته في عرضه يكرر هذه الكلمة، فقلت له، وهو مغربي، أين يوجد المغرب الأقصى؟ فلم يكن جوابه غير أن لا علاقة له بالجغرافيا؟ أما الغربة الثالثة فتتصل بالذات، إننا لا نقيم علاقة مع مفكرينا المعاصرين. فمن يتحدث الآن عن مهدي عامل وحسين مروة والطيب تيزيني؟ من يذكر الجابري والخطيبي والعروي وأركون؟ من يفكر في هشام جعيط والمسعدي ومالك بن نبي وعلال الفاسي، متى يمكننا تطوير مشاريع أمثال هؤلاء ومناقشتها وتشكيل فرق للبحث في تراثهم؟ عندما نصل إلى طرح أسئلة تتصل بواقعنا المتشظي، وذهننا المشتت، بامتلاك علوم العصر ومعارفه، وفي علاقة مع ما يتحقق في العالم من حولنا، سننخرط في العصر وفي مجمل قضاياه على أنها جزء من قضايانا، وبذلك يمكن أن نسهم في تطوير علاقتنا بالعصر. أما عندما نظل غرباء عن العصر والتاريخ والذات، سنظل محكومين بأجندة غيرنا الذي يخطط لمستقبلنا الذي لا يمكن إلا أن يصب في مصلحته وضد إرادتنا أو رغبتنا، وتلك هي الغربة الدائمة. http://www.alquds.co.uk/?p=368991




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2670566 :: Aujourd'hui : 2159 :: En ligne : 17