البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2015-07-01
المحو الثقافي

yyy

يعيش الوطن العربي ـ الإسلامي حاليا، نوعا من المحو الثقافي. يتمثل هذا المحو في محاولة إنعاش ذاكرات عتيقة لتحل محل الذاكرة العربية التي بدأت في التشكل منذ العصر الحديث. ولا داعي للإشارة إلى أن هذه الذاكرة العربية الحديثة لها امتدادات في عصور موغلة في القدم، لكن ترهين أنواع من تلك الذاكرة التاريخية، على نقيض أخريات، وعلى حسابها أيضا، هو الذي يجعل بعض الأقطار العربية مرشحة أكثر من غيرها للقلاقل والمشاكل التي تتخبط فيها منذ أحداث الربيع العربي، ولا بأس من تسمية سوريا والعراق واليمن وليبيا في هذا السياق. إن إنعاش الذاكرة التاريخية التي تمتد إلى ما قبل الإسلام أو إلى صدره، يجعل الصراع يتخذ أبعادا «عرقية»، من جهة، و»طائفية» ودينية، من جهة أخرى. وهكذا نجد الصراع الشيعي ـ السني داخل بعض الأقطار العربية يحتل المرتبة الأولى. فيبدو لنا الصراع، ونحن في الألفية الثالثة، وكأنه صراع بين «الإمام» و»الخليفة»، ولكل منهما «حضور» افتراضي، ولا علاقة له بالواقع. فلا البغدادي يمثل «الخليفة»، ولا الملا يحل محل «الإمام». لكن تحويل المفترض إلى واقع، نكوص إلى تلك الذاكرة التي عرفت تطورات كبرى في الزمان. ومن هنا يبرز لنا ما سميناه «المحو الثقافي»، إنه إلغاء للتطور التاريخي. يتمثل ذلك المحو أيضا في الرجوع إلى الذاكرة الجماعية لما قبل الإسلام، فيتخذ «الصراع الطائفي» بعدا «عرقيا»، فيصبح العربي سنيا، والفارسي شيعيا، والأمازيغي والكردي مقابلا كل ما هو عربي سني بالدرجة الأولى والأخيرة، على اعتبار أن الفارسي والأمازيغي والكردي ليسوا عربا، ويمكنهم التحالف مع «الشيعة» على أنهم نقيض كل ما هو «عربي». تشكلت هذه الاصطفافات الجديدة، بما فيها من إنعاش للذاكرات والهويات العتيقة، ومحاولة ممارسة «المحو الثقافي»، بدل التطور نحو العصر الحديث، مباشرة بعد الربيع العربي. وبكيفية غير مباشرة، منذ أن بدأ الرأي العام بقيادة أمريكا، بعد سقوط جدار برلين، يلوح بالديمقراطية والحقوق والهويات في وجه الوطن العربي. منذ عصر النهضة دخل العرب حقبة جديدة في تطورهم التاريخي. وظل التجاذب بين الهوية العربية الإسلامية بكل مكوناتها التاريخية، وبين «الهوية» الغربية الحديثة. وشاركت في هذا التجاذب كل الأعراق والطوائف جنبا إلى جنبا، وكان الحلم الأكبر بناء مجتمع جديد يحافظ على هويته التاريخية، وينخرط في العصر بمحافظته على خصوصيته. وبعد الاستقلالات السياسية نهج كل قطر عربي نهجا مختلفا. فظهرت الديكتاتوريات بمسميات مختلفة مستندة إلى الوحدة القطرية، باعتبارها رافعة التقدم والنمو. وكان مطمح بعضها الآخر السعي إلى الوحدة الشاملة. وظل التنازع بين الأقطار العربية، والاختلاف هو السائد في كيفية ممارسة الوحدة وتحرير فلسطين. وكان للعوامل الخارجية دورها في تغذية هذا التنازع. هذا في الوقت الذي كانت فيه الشعوب العربية ومعها كل المكونات غير العربية منخرطة في هذا الصراع، من خلال الأحزاب الثورية والديمقراطية والوطنية، تناضل من أجل وطن كبير يتسع لكل الأعراق والطوائف، ويعمل من أجل تحقيق الرفاهية والتقدم للإنسان في «الوطن» أو «العالم» العربي. فكانت التضحيات كبيرة ومشتركة من لدن كل المكونات. فتشكلت بذلك «ذاكرة حديثة» شارك فيها العربي المسلم والليبرالي والقومي والشيعي والقبطي والكردي والأمازيغي والدرزي، وكان الإبداع الأدبي العربي، والدراسات الفكرية على اختلاف تصوراتها تجسيدا لهذه «الذاكرة الحديثة» وتمثيلا لها. حققت إيران بثورتها «الإسلامية» حدثا تاريخيا. وتعاطف معها بعض العرب على أنها تمثل جزءا من الثورة ضد الديكتاتورية وأمريكا وإسرائيل والغرب. وفي هذا السياق بدأ العرب «السنة» يمهدون لـ»ثورة إسلامية» أخرى مقابل الإيرانية، مستغلين الدعم الذي حظوا به في مواجهة السوفييت في أفغانستان والشيشان، فكانت بداية التطرف الديني. جاءت الحرب الإيرانية ـ العراقية فلم تبق حربا بين نظامين «إسلامي» و»علماني»، ولكنها باتت بين العرب والفرس، قبل أن تتحول إلى حرب بين «السنة» و»الشيعة» مع سقوط نظام صدام، وهي تجري على أرض العراق، ويمتد بعدها العرقي ليصبح بين العرب والكرد مع ظهور «الدولة الإسلامية» حتى في سوريا. منذ سقوط جدار برلين، وما تلاه من أحداث نجم عنها «الربيع العربي»، بدأ التطرف الإسلامي في مواجهة أمريكا التي ما أن انتهت من صراعها مع الدب الاشتراكي، حتى اتخذت من الإسلام عدوها الرئيسي، فكان الإرهاب عنوان حقبة جديدة من التنازع امتد إلى داخل الأقطار العربية. كان الاصطفاف ضد الإرهاب، وأوصلت صناديق الاقتراع الإسلاميين إلى الحكم في بعض الأقطار العربية. وكانت الأخطاء المؤسسة على المحو الثقافي كارثية من لدن الجميع، فصار كل طرف من أطراف التجاذب يغذي الذاكرة العتيقة، فبتنا أمام «الخليفة»، و»الإمام»، وأمام الإسلامي تارة، والعلماني طورا، وبين العرقي والعرقي الآخر. فكان الاقتتال الذي يشارك فيه الجميع. وصار الجميع يحارب الإرهاب بالإرهاب. فكان المحو الثقافي أساس هذا الصراع الدموي «اليقظ» في بعض الأقطار العربية، والـ»نائم» في أقطار أخرى. ألا يمكن لكل الذاكرات التي يزخر بها التاريخ العربي أن تتعايش ضد المحو، من أجل ذاكرة للمستقبل؟ هذا هو السؤال الثقافي الحقيقي. http://www.alquds.co.uk/?p=365549




الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2670565 :: Aujourd'hui : 2158 :: En ligne : 14