البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2014-09-18
الحوار الأخير للفقيد السيد هاني فحص

yyy

"المواطنة أن تتحول الأرض التي نقيم عليها الى وطن"

 

خص المفكر ورجل الدين الراحل سماحة السيد هاني صباح اليوم (الخميس 18 سبتمبر (أيلول)) الجاري، صحيفة "ذوات" الثقافية والفكرية بحوار أثناء المؤتمر الثاني لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، في شهر مايو (أيار) الماضي. وبهذه المناسبة الأليمة تتقدم إدارة المؤسسة، وصحيفتها الثقافية والفكرية "ذوات" بأحر التعازي لأسرة الفقيد.

وعرفاناً بالمجهودات التي قدمها هذا المفكر التنويري في ترسيخ الأسس الحقيقية للحوار الثقافي والديني، تعيد صحيفة "ذوات" نشر حواره، تعميماً للفائدة.

أكد سماحة السيد هاني فحص أن ظاهرة "الإسلام السياسي" مرض يصيب السنة والشيعة على حدٍّ سواء، داعياً إلى ضرورة إعادة تجديد الخطاب الفقهي السائد في الأوساط الدينية الحالية، والاتجاه نحو رفع السلطوية التي قد يمارسها الفقيه بفقهه، وكذا ضرورة لمس الفقه للواقع وضروراته، بالاستعانة بمجموعة من الحقول المعرفية التي ستضفي على هذا الخطاب صبغة حديثة، تجعله مقبولاً ومساغاً لدى الجميع.

ودعا هاني فحص في الحوار الذي أجرته معه "ذوات" على هامش مشاركته ضمن فعاليات المؤتمر السنوي الثاني لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود" بمراكش يومي 17 و18 مايو (أيار) 2014، الفقيهَ إلى ضرورة الابتعاد عن اختزال الدين في الفقه فقط، حيث تصبح للفقه روح حقيقية يعيش بها وسط المجتمع، ليخرج نفسه والناس من نمطية التكرار، متخلياً عن طريقة إنتاج المنتج في الخطاب الفقهي.

ويعتبر سماحة السيد هاني فحص، أحد أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، وأحد الشخصيات المعروفة على مستوى العالم العربي في قضايا الانفتاح والحوار والتقارب، ولد في قرية "جبشيت" جنوب العاصمة اللبنانية في بيروت عام 1946، يشتغل كأديب وكاتب ومؤلف وناشط في المجتمع المدني، درس الابتدائي في قريته، والمتوسطة في مدينة النبطية، ثم تابع دراسته الثانوية، ونال شهادة الثانوية بالموحدة السورية، ليهاجر بعدها إلى النجف العراقي عام 1963 ويدرس في حوزتها الدينية.

تنوعت نشاطاته طيلة مسيرته بين المجتمع المدني وتأسيس بعض المنابر الحوارية، كالفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، بالإضافة لتوليه العضوية في الكثير من الهيئات، ربما كان من أبرزها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي استقال منه بعد أول جلسة فيه، وأيضاً مجلس أمناء مؤسسة ياسر عرفات الخيرية الثقافية، ولم يتوقف السيد هاني فحص عند هذا فقط، بل إن مشاركاته السياسية كان لها الأثر البليغ في تغيير نظرته للواقع حسب قوله.

وفيما يلي نص الحوار:

* إلى أي مدى وصلت درجة وعي العقل العربي وما مدى تقبله للنقد؟

- كل شيء بحاجة إلى النقد، الخير بحاجة إلى النقد لتجديده، الماضي بحاجة إلى النقد، لأن المستقبل بحاجة إلى النقد، والذي لا ينقد الماضي لا ينقد المستقبل، والذي يستقبل الماضي يستدبر المستقبل. اليقين جميل، ولكن الشك هو نسغه، اليقين بلا شك يصبح "جفافاً يَتيبَّس"، والنقد ليس نقداً في حد ذاته، النقد إعادة لتشكيل الواقع والفكرة، للإضافة إليها. الوفاء للمنجز، هو جعله في حالة إنجاز دائم. هذه مشكلة العرب، أنجزوا العمارة القديمة وتركوها للبِلَى، ولم يتدبروا عملية البناء، عناء البناء، الشراكة في البناء، وعندما أرادوا أن يحدثوها، بنوا حضارة حديثة، ولكنهم لم يدرسوا نمط العلاقات الملائمة بين طوابقها وفضاءاتها وذاكراتها، ولم يؤثثوها، وانقسموا بين العالم إلى أتباع وأعداء، لأنهم لم يطمحوا لأن يكونوا أصدقاء، لأن الصداقة تعني الشراكة في إنتاج رؤية ثقافية إنسانية تسع الجميع من موقف التكافؤ.

هاني: ليس الطريق المستقيم دائماً هو الأقصر، ما يوجد بالواقع يتلخص في كونه براغماتية حضارية، براغماتية تاريخية وبراغماتية روحية.
الآن، ما أصبح سائداً هو مجموعة تهديدات، هناك تهديدات كثيرة، وهذا الواقع السلبي انفجر الآن بسبب أو بآخر، وأنا خائف كثيراً من هذا، لكنه يبقى خوف العقلاء وليس خوف الرعب، تقديري هنا أن الشفاء قادم، ولكننا سنحتاج إلى وقت طويل، لأن المرض طال عمره طويلاً، ولأن الأسباب تتعدد ما بين مظاهر العولمة والنواظم التقليدية التي تهشمت وتكسرت أو اتسعت في كثير من المواضع، يجب علينا أن نعيد أنفسنا للشراكة المجتمعية، وإلا فإنه حتماً ما سيتم إعادة الاستحواذ علينا من طرف الآخر، علاقتنا بالغرب يجب أن تتجدد وتتغير؛ فنحن بحاجة إلى أن نعرف الغرب لا لنعيد إنتاج كرهه، ونريد أيضاً لذلك الغرب أن يعرفنا كما نحن، لا ليعيد استعمارنا من جديد.

* أيسير العقل العربي في طريقه المستقيم نحو الانفتاح؟

- الحقيقة تقول بأن هناك دائماً طريقاً مستقيماً وطريقاً متعرجاً، ولكن ليس الطريق المستقيم دائماً هو الأقصر، ما يوجد بالواقع يتلخص في كونه براغماتية حضارية، براغماتية تاريخية وبراغماتية روحية، نعم، ليس هناك مانع أن أسأل على شرط أن تكون هناك ضوابط منهجية وأخلاقية. الفترة التي مرت علينا، كانت تتسم بمنع السؤال. أما الآن، فنحن في مواجهة مباشرة لسلة الأسئلة التي انفجرت من كل الجوانب، لأن السؤال هو سلة المعرفة، أضف أننا اليوم - وهنا أتحدث بصفتي منتمياً لجيل الماضي- أصبحنا أمام جيل المستقبل، فقد كنا في الماضي نتحدث عن مستقبل وليس في أيدينا سوى الماضي. أما الآن، فقد تغير الأمر، لأننا أصبحنا نتحدث عن المستقبل الذي أضحى بيننا وأمامنا، لأن هذا الجيل الشاب أصبح يواجه الماضي بعلمه، بفكره، بطريقة قراءته، بأسئلته وأدلته وبثقافته التي يجب أن يعترف بها رجال الماضي، ولو على الأقل، ليحافظوا بها على مكانتهم التي هم فيها دون أن يفقدوها.

* واقع الخطاب الفقهي الآن، ومستقبل مسايرته لواقع الأمة، أنحن بحاجة لنقده أم تجديده فقط؟

- أنا لا أريد أن أنقض الخطاب الفقهي، وإلا فإلى أية وجهة آخذ الناس؟ فلو كسرت النظم الفقهية، فلنكن متأكدين ألاّ شيء سيجمع الناس، لأن آخر القلاع التي تجمعهم ليست مؤهلة لذلك، منها مثلا نظم الدولة، فهي في وضعية آنية لا تسمح بذلك، بل وحتى الثقافة المجتمعية فككتها نظم الدولة الحالية، وهي التي كانت كفيلة بجمع الناس، بالتالي فإن الفقه هو حقيقة جامعة للناس، لكنه مازال يحتاج لكثير من التوضيب، حتى يساير حضارة المجتمعات. المطلوب من الفقه والفقيه ذاته حالياً، هو شيء من المرونة، والابتعاد عن اختزال الدين بالفقه فقط، حيث تصبح للفقه روح حقيقية يعيش بها وسط المجتمع؛ فالروح هي من تصنع الفقه الحقيقي وليس العكس.

هاني: أريد للسياسة أن تنتصر، لأنه إذا ما انتصرت السياسة، بمعنى البرنامج وبناء الدولة والحوار بين المجتمع والدولة، فسيكون النصر للدين في الأخير.
على الفقيه أن يضاعف مجهوداته في مجاله، حيث يخرج نفسه والناس من نمطية التكرار، والتخلي عن طريقة إنتاج المنتج في الخطاب الفقهي، أو ما يمكن تسميته بـ"تسليع الفكرة"، بالتوجه نحو البحث عن قلق معرفي وإنتاج شراكة معرفية، استعانةً بالحقول المعرفية المستجدة في مجال اللغويات والأنثروبولوجيا، السوسيولوجيا، الفلسفة وكذا العلوم التطبيقية، لأنها مجالات تمتلك قدرة مدخلية مهمة في فضاء الاستنباط الفقهي، ومن دونها يصبح العلم "متصحراً" ولا يكون علماً بمعناه الحقيقي.

* ما الذي يحدد شكل ومضمون الخطاب الفقهي الحالي؟

- ما يجعل الخطاب الفقهي في شكله الموجود الآن هو ضعف مقوماته وتناقضه وعدم انسجامه مع الحياة، وذلك بسبب بحثه في المستحيل وغير الممكن، وهو ما يقع فيه الفقيه عن طريق التكرار أو الاطمئنان لما هو عليه، دون أدنى توقع أو استشراف. هذا الخطاب الفقهي الذي اعتاد أن يُكيِّف ويَتَكَيَّف، حيث يبتدئ صراطياً، لا يقبل شيئاً، ليبحث عن صيغة جديدة بعدما تستقر وتنتشر ظاهرته التي أنتج من أجلها، وحين يحتاج إليها، ويكتشف منافعها أيضاً، ليسقط في النهاية بفخ ونتاج ضياع الثقة فيه، وفي الفقيه المصدر له أصلاً، وهذا أمر يجب التنبه له.

يجب أن يعلم الفقيه اليوم بأنه أصبح أمام ضرورة ملحة تدعوه إلى تخليه عن طريقة اشتغاله من منطلق يمنحه سلطة علوية مفروضة على الشعب أو كخادم لمصلحة "سلطة الدولة"، لأن الأمر لم يعد مقبولاً، لكنه قد يكون مقبولاً من الجميع كسلطة طوعية في ذاته بحكم موقعه وعلمه. على الفقيه بمعنى آخر، أن يخدم الدولة وليس السلطة.

* هذا الصراع الدائر بين السياسة والدين في العالم العربي، من سيكون المنتصر فيه حسب توقعكم؟

- عن نفسي أريد للسياسة أن تنتصر، لأنه إذا ما انتصرت السياسة، بمعنى البرنامج وبناء الدولة والحوار بين المجتمع والدولة، فسيكون النصر للدين في الأخير، حيث يعود الدين إلى مكانته، ولا يكون مضطراً لإنتاج الدولة، فلو أنتج الدين الدولة، فَسَيُفسِدُهَا ويَفسُد بها، وإذا أنتجَته فسَتُفسِدُه وتَفسُد به، حقلان معرفيان وعمليان مختلفان يجب أن يتكاملا، ولا يجب أن يبني أحدهما الآخر، الحل هنا لن يكون سوى التنوير وإنشاء الدولة؛ فالدين ليس حلاً، بل الدولة هي الحل، لأن الدين تكوين، الدين أكثر من أن يفرض كحل لحياة المجتمعات، الدين ضرورة، الدين تماماً كالدم، فالدين يجري في الإنسان مجرى الدم، وأما الدولة فهي ناظم الحياة، هي التي تنظم الدورة الدموية وتوزعها بالعدل على القلب والعقل والروح، نحن في حاجة الآن إلى دولة حقيقية، وإذا ما تم تحقيق تنوير حقيقي، فإن الدين والإسلام سيصله حقه حتماً.

* إلى أين تتجه ظاهرة الإسلام السياسي وما تأثيرها على الشعوب؟

هاني: الكيانات لها شروط نشأة وتطور، ولكنها لا تقدم تفسيراً لكل شيء، بل تفسر نشأتها فقط، لأنه لا يجوز أن يفسر التطور مادام أنه سيبقى مفتوحاً.
- الإسلام السياسي أو الدين السياسي، هو مجرد جمع بين مفهومين متناقضين، السياسة تدبير والدين تنوير فيجب أن يتكاملا إذن، التعدد والثنائية في الحياة هو مصدر الإبداع، لنتصور معا جمعاً من الملائكة المعصومين، ماذا يمكن أن نصنع بهم ما داموا معصومين من الخطأ ومسيرين في عبادتهم للخالق. لكن، لنتصور كوماً من البشر المختلفين، وماذا يمكن أن ينتجوا لنا من نتائج مبهرة من هذا الاختلاف، وهو نفس المعنى الذي نجده جلياً في آيات الاستخلاف في القرآن الكريم، من كون الخطأ ضرورة ملحة لعيش الإنسان، لأنه يكرس قيمة الاختيار.

* هل من رابط للاستفادة من التجربة الغربية وخروجها من صراع الدين والسياسة؟

- ليس الأمر وليد الحاضر واللحظة، فمثل هذه القضايا بالمجال الديني كانت منذ الماضي في الديانات القديمة نفسها ولم تتبدل، لكن الاختلاف فقط يكون حول الخصوصيات المكانية والزمانية والشروط الاجتماعية، فنفس الأسئلة تتكرر، لكن الحلول هي من تخضع للاختلاف، لكنها تبقى محكومة بهاجس واحد يتمثل في إيجاد الحل الوسط.

مقارنة تجربة الغرب بواقعنا تختلف بسبب الفوارق التي بيننا وبينه؛ فالكيانات لها شروط نشأة وتطور، ولكنها لا تقدم تفسيراً لكل شيء، بل تفسر نشأتها فقط، لأنه لا يجوز أن يفسر التطور مادام أنه سيبقى مفتوحاً، ما نريده من الغرب الآن بالنظر لتجربته في مجال بناء الدولة، هو العمران وثقافة القانون المنتشرة هناك، يجب علينا أن نقوم بترشيد طريقة أخذنا ونوعية أخذنا من هذا الغرب، إذ لا يعقل أن نستورد منه كل شيء بصالحه وطالحه، بل الأجدر بنا أن نحمي منتجنا الأول، فلا يعقل أن نكون من منتجي الزيتون، وفي نفس الوقت نسعى لاستيراد الزيتون الإيطالي بدعوى أننا متفتحون ومحبون لهذا الغرب، هذا الفعل، وإن كان سيؤثر فينا وفي شخصياتنا، فهو أيضاً سيولد عنا انطباع الضعف في نظر الآخر، الأصلح في هذا الشأن والمطلوب من هذا كله في علاقتنا بالغرب، أن ننتج قيماً مشتركة ومصالح مشتركة بيننا، وليس العكس.

* بحكم انتمائكم للفضاء الشيعي، هل هناك صراع بين الدين والسياسة في هذا الوسط؟

- أنا أتكلم كشيعي لأن لي مزيد اختصاص بالتشيع، ولا أتكلم كشيعي من موقع فرقي، وهذه جماعة أعرفها وأحبها وهي تحبني، لكن هناك من لا يحبها ولا يحبني، منها ومن داخلها، والداخل الشيعي في مسألة صراع الدين والسياسة لا يختلف تماماً عن الواقع الآخر، إذ هم في هذا يسيرون على منوال البقية، بالتالي فإن مرضنا هنا واحد.

* ماذا عن تجربة الخوض في المجال السياسي التي عشتموها سابقاً، كيف ترونها وبم تقيمونها؟

هاني: التحقت بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، واستقلت بعد الجلسة الاولى، لأني وجدت نوعاً من المجاملة غير الفاقعة لإيران على حساب النجف، ووجدت بأن المشروع في شكله موحى به من أحد.
- لست نادماً في مساري عن اختياري السياسة؛ فقد تعلمت مما سبق من تجربة، أن السياسة هي فكري وليست شغلي، وموقعي فيها الآن موقع إنتاج الفكر السياسي والوعي السياسي. أما الشغل السياسي، فقد تركته، لأن له شروطاً أخرى ليست متعلقة بالثقافة والعلم، بل بالذكاء الشخصي، باللمعة وبالتكتيك اليومي، وهو الأمر الذي يتجاوزه العالم والمثقف في مجاله، فهو ليس يومياً في عمله وتفكيره، العالم والمثقف يعمل بشكل عام في تفكيره وإنتاجه، وهو ما يفرض عليه أن يكون جد دقيق، وهو يحسب مكانه بدقة.

علاقتي أيضاً بالسياسة، أفرزت لي ردود فعل لدى من يعرفونني، فقد اعتادوني وتجاوبوا معي وأحبوني في المجال الفكري الثقافي، لذا كان دخولي للسياسة مرحلة لم يحبوني فيها، فكان أن فضلوا رؤيتي هنا بجانبهم، ومن ثم أنظر إلى هناك، في مجال السياسة، لأراقب وأحكم فقط. لكني أعترف صراحة، أني لو لم أعش تلك التجربة السياسية لكان وعيي قليلاً بالواقع، وبالمقابل لو انغمست فيها كثيراً لكان وعيي سيتبخر لا محالة، لذا، فأنا أومن بأن يكون للباحث و المثقف نوع من الحركية في هذين الحقلين، لأني لست مع السكون في مكان واحد.

* كنتم عضواً في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لم اعتزلتم هذه التجربة؟

- التحقت بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، واستقلت بعد الجلسة الاولى، لأني وجدت نوعاً من المجاملة غير الفاقعة لإيران على حساب النجف، ووجدت بأن المشروع في شكله موحى به من أحد، قد لا أكون معارضاً لهذا النوع من الوحي والاحتضان، لكني عن نفسي لم أكن أعرف عند من أشتغل، أضف لذلك أني رجل معترض على مرجعيتي الشيعية التي ربتني، والتي أحبها كما باقي المرجعيات الأخرى، لذا، لم يكن بإمكاني أن أدخل في اتحاد يريد أن ينتج مرجعيات على قياسات سياسية، كلامي هذا قد يزعج الكثيرين، لكنها قناعتي، التي تبقى قرينة احترامي لعلم العالِم ومناقشته. الأمر الثاني وراء استقالتي كان بسبب أطروحة الاتحاد نفسه، فحينها لم يستطع أعضاؤه أن يتفقوا على أطروحة موحدة، لأنها كانت مجموعة أطروحات مركبة وغير مبسطة المضامين.

منذ مدة كبيرة، وأنا أشتغل في حقل التقريب والحوار، وهذا أعطاني خلاصة استنتاجية ليست في صالحنا نحن المسلمين، فكلما تقدمنا في الحوار كلما ازدادت الفتنة أواراً، لذا وجب علينا التفكير في شيء آخر، ووجب علينا التساؤل، هل نحن الآن نجتمع من أجل وحدة إسلامية؟ إذا كان الأمر هكذا، فهذا غير مجد في نظري، إذ الحقيقة أننا بحاجة لصناعة مجتمع معرفي إسلامي، يصبح مصدراً معرفياً، نصنع به سلامنا.

* ما آخر مؤلفاتكم في مواضيع الحوار والتقريب؟

- كتاب "دروس من الحوار"، كنت سأصدره لكني وجدت نفسي الآن أمام ضرورة إعادة توضيبه من جديد لإرساله للطبع. أما كتاب "المسلمون بين الوحدة والتقريب والفتنة"، فقد أصبح جاهزاً وسيتم إرساله للطبع.

* تنوعت انتماءاتكم بين الديني والسياسي والمذهبي، كيف توفقون بين كل هذا؟

هاني: قبول الآخر والمحافظة على الخصوصية، جدل وليست له وصفة نهائية أو شافية، نعم، يمكن أن تكون هناك وصفة تساعد الجسم والروح على العافية منه، لكن لو أنك أردت أن تبقى مريضاً بالآخر، فلك أن تفعل، لكن لا تمت فيه بشكل نهائي.
- أستطيع الجمع بين كل هذه الاطياف، بـ"الوسطية النسبية"، لكن ليس على حساب الحق ولكن لحساب الحق ولحساب الشعب، لأنه إذا ما وقع هناك تعارض بين الشعب والحاكم، فيجب على المرء العاقل أن يقف مع الشعب، وإذا أردت أن تنصف الحاكم، فأنصفه من هناك وسط الشعب ومن أجل الشعب، الانحياز ضروري في مثل هذه المواقف، لذا يجب أن تنحاز وتعدل، وإلا فإن منظومتك الأخلاقية ستسقط، أضف أنه ليس من الضروري أن تكون جزءاً من الشعب، إذ يكفي أن تكون فيه عوض أن تكون منه؛ بمعنى آخر يجب ألاّ تكون غوغائياً وصاحب جماهير، لأن الجمهرة أحياناً تصبح خيانة، لذا، يجب أن تحمل نبض وهم الشعب وجرحه ودمه، وتفكر للشعب، وأن يكون مصدرك المعرفي هو الشعب.

العدل في الشعب هو المطلوب، وليس تكثير الأتباع هو الهدف، ولنذكر هنا قصة علي بن أبي طالب، عندما خرج من مسجد الكوفة يوماً فتبعه المصلون، فالتفت إليهم في بعض الطريق وقال: أبكم حاجة؟ قالوا لا، قال: من لم تكن به حاجة، فلينصرف، فإن خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة للقلوب، تفسد قلوب الأتباع بالمذلة والهوان، وتفسد قلوب المتبوعين بالأنانية والكبرياء، وهذا تأسيس على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، عندما ارتجف البدوي تهيباً منه، فقال له: هوّن عليك ما أنا إلا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة.

* هل يمكن للإنسان أن يحافظ على خصوصيته في ظل التأثيرات الخارجية وتجاذبات الالتقاء والتبعية؟

- قبول الآخر والمحافظة على الخصوصية، جدل وليست له وصفة نهائية أو شافية، نعم، يمكن أن تكون هناك وصفة تساعد الجسم والروح على العافية منه، لكن لو أنك أردت أن تبقى مريضاً بالآخر، فلك أن تفعل، لكن لا تمت فيه بشكل نهائي، لأنك لو مت فيه، لن تفيده بشيء، وحتى لو كان أنانياً، فتيقن أنه لن يحترمك وأنت تموت فيه بذلك الشكل.
- حاوره: المهدي حميش


أنا على رجاء، مصداقاً لقول الله تعالى:

"حَتَّى? إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا".






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809472 :: Aujourd'hui : 1076 :: En ligne : 5