البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2014-07-14
جيل دولوز يتحدث عن آرتو

yyy

ترجمة: حسين عجة

ليس هناك ما هو أكثر غرابة من الرسائل المتبادلة بين “جاك ريفيّر” و”أنطونين آرتو”. يحتفظ ريفيّر بصورة لوظيفة فكرية مستقلة، تتمتع بطبيعة وإرادة بالقوة de droit. مما لا شك فيه بأن هناك مصاعب كبيرة تتعلّق بواقعة التفكير: الحاجة لمنهج ما، غياب التقنية والتطبيق، وحتى غياب الصحة. غير أن تلك المصاعب هي مصاعب سعيدة: لا لأنها تمنع طبيعة التفكير من أفتراس طبيعتنا الخاصة، ولا لأنها تضعُ الفكر في علاقة مع العوائق، التي هي “وقائع” أيضاً يستحيل وصول الفكر من دونها إلى توجيه نفسه وحسب، وإنما أيضاً لأن الجهود التي نبذلها من أجل تخطيها تخولنا الإحتفاظ بأنا مثالية ضمن الفكر المحض، باعتبارها “درجة متفوقة لهويتنا الخاصة” « degré supérieur d’identité à nous-mêmes »، عبر كلّ التنوعات، الإختلافات وعدم المساواة التي لا تكلُ عن مسنا في الواقع. يلاحظ القاريء، مندهشاً، بأنه كلما ظنَ ريفيّر بأنه يقترب من آرتو، وفهمه، كلما صار آرتو بعيداً عنه ويفكر بشيء آخر. من النادر أن نلتقي بسوء فهم كهذا. ذلك لأن آرتو لا يتحدث عن “حالته” فقط، لكنه كان يشعر سلفاً، عبر الرسائل التي كتبها في شبابه، بأن حالته تضعه أمام مسار مُعمٌ عن الفكر، مسار ما عاد بمقدوره الإحتماء بالصورة الدوغمائية والمُطمنةِ، لكنه، على العكس من ذلك، يختلط هو نفسه مع رغبة التدمير الكامل لتلك الفكرة. كذلك لا ينبغي فهم المصاعب التي يقول آرتو بأنه يشعرُ بها كونها وقائع، بل مصاعب ضمنية تمس جوهر ما يطلق عليه فعل التفكير. يقول آرتو بأن المشكلة (عنده) لا تكّمن في مسألة توجيه فكره، ولا بإتقان التعبير عن ما كان يفكر به، ولا بالحصول على منهج ما ثم تطبيقه، أو الوصول بأشعاره إلى الكمال، ولكن بالوصول سريعاً إلى التفكير بشيء ما. هنا يكمن، بالنسبة له، “العمل” المناسب، ذلك لأن العمل يفترضُ وجود دافع ما une impulsion، وإلزام une compulsion فكري يمرُ عبر أنواع مختلفة من التشعبات bifurcations، المنطلقة من الإعصاب والمتواصلة مع الروح بغية الوصول إلى الفكر. والحالة هذه، ما يُرغم الفكر على التفكير هو أيضاً ما يسبب إنهياره المركزيّ، شرخه، sa fêlure، و “عجزه” الخاص son propre impouvoir الطبيعيّ والمختلط بالقوة الكبرى، أيّ بـ les cogitanda (حركات الفكر)، تلك القوى غير المًصاغةِ، وكأنها تهويمات أو حطامات للفكر. يلاحق آرتو، عبر كل ذلك، الكشف المرعب لفكر يخلو من أيّة صورة، وكذلك البحث عن قوة ضمنية جديدة لا تدع نفسها تسقط في التصور. أنه يعرف بأن تلك “الصعوبة” « difficulté » بحد ذاتها، وما يرافقها من مشاكل وأسئلة، ليست بحالة واقعية، لكنها بنية ضمنية للفكر. ثمة من رأس مقطوع acéphale داخل الفكر، نسيان un amnésique في الذاكرة، تلعثم باللغةِ aphasique وعمهٌ (فقدان ملكة الإدراك الحسيّ) agnosique في الحساسية sensibilité. كذلك يعرف بأن التفكير ليس شيئاً فطرياً inné، لكنه ما ينبغي توليده في الفكر. كذلك يعرف بأن المشكلة لا تكمن لا في التمثيل ولا بالتطبيق المنهجي لفكرة قائمة سلفاً. في الطبيعة أو بالقوة، بل بالقيام بتوليد ما لم يكن قائماً من قبل. (ليس هناك من عمل آخر، كلّ الباقي اعتباطيّ وتجميليّ). الفكر هو الخلق، وليس ثمة من خلق آخر سواه، لكن الفكر هو، أولاً وقبل أيّ شيء آخر، توليد “فعل التفكير” « penser » ضمن الفكر « la pensée ». لذلك يطرحُ أرتو، ضمن الفكر، التعارض ما بين التوليدية génitalité والفطرية innéité، والتذكر أيضاً réminiscence، كما يطرح مبدأ “التجريبية الترانسندتالية” transcendantal: “أنا توليديّ فطرياً… ثمة من بلهاء يظنون أنهم موجودون، موجودون بالفطرة. أنا ذلك الذي عليه تسويط فطرته لكي يوجد، أيّ ذلك الذي ينبغي عليه دائماً تسويط ذلك النوع من النفيّ الكلبي « négatif chenil »، آه يا كلاب المستحيل… تحت النحو، ثمة فكرة شنيعة يصعب التغلب عليها، عذراء أكثر عناد في مقاومتها لنا عندما نريد تجاوزها، أيّ عندما نتعامل معها باعتبارها واقعة فطرية. لأن الفكرة امرأة مُسَنةٍ لم تكن موجودة دائماً”. - See more at: http://adabwaodaba.com/index.php/%D8%A3%D9%82%D8%B3%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D8%AE%D8%B1%D9%89/%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D8%AF%D8%A8%D9%8A/item/1126048-%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%88%D8%B2-%D9%8A%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%A2%D8%B1%D8%AA%D9%88.html#sthash.exKufDs6.z708vhwo.dpuf






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809447 :: Aujourd'hui : 1051 :: En ligne : 14