البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2014-04-17
ماكسيميليان فولوشين يُستعد لنبذ الكراهية

yyy

.بكل ما أوتيت من قوّة، أصلي للناس من الطرفين". هذا الشطر من شعر ماكسيميليان فولوشين (1877-1932) تبادر إلى أذهان كثير من الناس خلال الأسابيع الماضية، لأن أوكرانيا تمر بفترة من الاضطرابات والمواجهات. فخلال السنوات الأكثر رعباً من الحرب الأهلية، قدّم منزله في شبه جزيرة القرم كملجأ لـ"الحمر" و"البيض"، للبلاشفة ولأفراد الحرس الأبيض. وكان واحداً من القلائل، إن لم يكن الوحيد، الذي وحّد الشعب ووقف بوجه موجات الكراهية من طرفي الصراع.
في شبابه رفض الخدمة في الجيش. حتى إنه قام بإرسال رسالة شخصية لوزير الدفاع في ذلك الوقت، شارحاً أن الخدمة العسكرية لا تتفق مع قناعاته. فقد كان فولوشين من دعاة السلام. وكانت ميوله السلمية مرتبطة بشكل وثيق باهتماماته بعلم طبائع البشر. وقد شارك فولوشين، وبنشاط، في مختلف النشاطات شبه الدينية. كما شارك في بناء مركز متخصص بعلم الإنسان في سويسرا، رمز للعلاقات الأخوية بين مختلف الأمم والديانات.
تماماً، بعد ثورة العام 1917، استقر فولوشين في كوكتيبيل، مكان صغير في القرم، ليس ببعيد عن فيودوسيا. وهي منطقة آسرة بجمالها وتقع على ساحل البحر. وقال: " لا أحاول الهرب من أي أحد، ولا أحاول الهجرة إلى أي مكان. لا أنتمي إلى أي طرف من طرفي النزاع، حياتي تدور حول روسيا فقط وما يحدث هنا... أحتاج البقاء في روسيا إلى النهاية".
وتحوّل بيت فولوشين في كوكتيبيل إلى ما يشبه البلدية الأدبية. وزار بيته كتّاب يمتلكون وجهات نظر سياسية وفنية متباينة: أندريه بيلي، ومكسيم غوركي، وأليكسي تولستوي، وألكسندر غرين، ومارينا تسفيتييفا، وأوسيب ماندلستام، وميخائيل بولغاكوف، وكورني تشوكوفسكي.
وكان يخرج دائماً بأفكار ومشاريع مختلفة، ونظّم أحداثاً مختلفة، والتي كانت متماشية مع المثل العليا للأدب: على الشاعر أن لا يكتب الأبيات فحسب، بل عليه أن يمتلك شخصية ملفتة للنظر، وأن يكون أسطورة في قراراته.
"كل ذلك يوحي بخلوّ البال من الهم: الآن سيكتب الشعر، ويرسم، ثم سيخرج بأنواع مختلفة من المقالب... لقد كان مثل كتلة من الثقافة، وكان ينشر ذلك حوله" يقول يفغيني بونيموفيتش.
استعرت الحرب الأهلية. وكانت السلطة في القرم تتبدل بين الحمر والبيض. فولوشين قَبِل الجميع. وكان منزله ملجأ، كما وضعه بنفسه تحت تصرف "القائد الأحمر" و"القائد الأبيض". وكان "القائد الأحمر" هو بيلا كون، الشيوعي المجري البارز، والذي ارتكب فظائع عديدة في القرم، حيث قتل الناس بالآلاف. لكن بيلا كون هو من أمّن فولوشين بأمر حماية، ولفترة من الزمن تركت السلطات الشاعر بحاله.

أبنية القرم المجيدة: جواهر معمارية في شبه الجزيرة
"تبدو حياة فولوشين في كوكتيبيل مثل الهروب من الواقع، لكنها لم تكن كذلك- يقول الشاعر والمترجم للشعر الانكليزي، غريغوري كروجكوف- لقد امتلك موقفاً مدنياً واضحاً. في عشرينيات القرن الماضي، جاء إلى موسكو، وقرأ قصائده عن الإرهاب وألقى محاضرة تنبؤية تحت عنوان "روسيا صُلبت". كان يتحدث عن أشياء لم يستطع الناس فهمها بشكل كلي إلا بعد سبعين عام. كان يشرح للناس من هم الذين وصلوا للسلطة في بلادهم. كان من الممكن أن يُعتقل، لكنه استمر بالتجول متحدثاً للناس عمّا يجري".
في إحدى المرات كان البلاشفة يجتمعون تحت الأرض في داتشا من القرم. وتم ضبط الاجتماع من قبل قوات مكافحة التجسس، وفرّ البلاشفة إلى الجبال. أحدهم ظهر في مكان فولوشين طالباً المأوى. فقام فولوشين بتخبئته في العلية. وعندما جاءت قوات مكافحة التجسس بحثاً عنه في منزله، قدّم لهم فولوشين النبيذ وقصّ لهم حكايات فرسان القرون الوسطى. وحوّل انتباههم عن الصعود إلى العلية. وبعد أن غادروا، أخرج البلشفي. وعند كان يودّعان بعضهما، أخبر فولوشين الرجل:" لا تكترث، عندما تصل إلى السلطة سأقوم بالفعل نفسه لإخفاء أعدائك".
وكان يمقت شعار "من ليس معنا فهو ضدنا". وحول هذا الموضوع كانت أشعاره تدور في العام 1919: "البعض سيتحررون/ موسكو ومرة أخرى ستقيّد روسيا/ آخرون، وبعد أن أطلقوا عنان العناصر/ يريدون خلق عالم جديد.../بينما أنا أقف بينهما، وحيدا/ بين النار والدخان/ وبكل ما أوتيت من قوة/ أصلي للناس من الطرفين".
ولا داعي للقول إن شعراً كهذا لم تكن طباعته ممكنة في المنشورات السوفييتية. فبعد الثورة، لم يتم نشر أي شيء لفولوشين: فقد كان غريبا إلى حدّ كبير عن الواقع السوفييتي. وصرح بكل فخر أنه لم يقرأ يوماً أعمال كارل ماركس ولا ينوي القيام بذلك. وقال إن الطريقة الوحيدة لإنقاذ روسيا، التي كانت تحتضر، هي الاتحاد تحت راية البطريرك تيخون.
إقرأ أيضا:
ما ثمن القرم؟
روسيا تمد جسراً نحو القرم
في مطلع هذا القرن، تم إطلاق مهرجان شعري في كوكتيبيل تحت عنوان فولوشين في الذاكرة. وفي بداية الخريف من كل عام، يأتي إلى هنا عشرات الشعراء من أنحاء مختلفة من العالم: من نيويورك، واسطنبول، وموسكو وسان بطرسبورغ وقازان وريغا وكييف... في حديقة منزل فولوشين، والتي تحوّلت إلى متحف، يجلس الناس تحت أشعة الشمس، يقرأون الشعر ويشربون كونياك القرم. بينما يقف نصب برونزي للرجل مولياً ظهره للبحر، ويراقبهم من الضفة.





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807599 :: Aujourd'hui : 2005 :: En ligne : 9