البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2014-03-09
آلان تورين.. ثقافة السلام وفكر اللاعنف

yyy

 


لا شك أن عالم الاجتماع الفرنسي، آلان تورين، أحد "الكبار" القلائل الذين بقوا، من جيل المفكرين والأدباء والباحثين الفرنسيين في مختلف الميادين، الذين تألّقوا عالمياً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وكانوا علامات فارقة في المشهد الثقافي العالمي. وينظر إليه، من قبل متخصصين ومثقفين كثر في العالم، على أنه عنوان لثقافة السلام وفكر اللاعنف في العصر الحالي.

لم يتحمّل آلان تورين، الشاب المتحمّس والتوّاق للحريّة، الحياة "المغلقة" في مدرسة المعلمين العليا، التي "هرب" منها بعد دراسة عامين. وقرر متابعة الدراسة في هنغاريا.. وبعدها في يوغسلافيا ـ السابقة ـ، حيث لم يمكث فيهما سوى فترة قصيرة من الزمن، ليعود من جديد إلى مدينة فالنسيين الفرنسية. فيعيش تجربة "عامل منجم"، لعامين.

وكانت تلك التجربة التي استمرّت قرابة عام كامل ذات قيمة مفصلية في توجهه نحو البحث والتأمّل في المسائل المتعلّقة بالصناعة وعالم العمل، وبكل ما يمسّ حياة العاملين. هذه المسائل وجدت صداها، بل حضورها الكامل، في مسيرته كباحث وكمؤلّف.

مسيرة زاخرة

قدّم تورين مساهمات تركت بصماتها على مجال البحث في ميدان علم الاجتماع؛ ذلك ليس في فرنسا وحدها. ولكن أيضاً على الصعيد الأوروبي، ولأبعد منه، العالمي. وصدر أوّل أعماله عام 1955، بعنوان "تطوّر العمل في مصانع رونو للسيارات"؛ وكان ذلك بالتحديد، موضوع أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن آلان تورين عاد للدراسة بعد أن قرأ عام 1946 كتاب "المشكلات الإنسانية لعالم الآلة الصناعي" لمؤلفه جورج فريدمان، المعروف بالأب المعلن لدراسات علم الاجتماع في فرنسا، الذي قابله وأقنعه باستئناف دراسته، بل وكان المشرف على أطروحته لنيل الدكتوراه. هكذا عاد إلى مدرسة المعلمين العليا ونال منها عام 1950، شهادة التأهيل العليا ـ أغريغاسيون ـ في مجال التاريخ.

أصبح آلان تورين، في العام 1950، باحثاً في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في القسم المتخصص في الدراسات الاجتماعية ـ السوسيولوجية. وضمن إطار بحثه، حصل من مؤسسة "روكفلر" على منحة لعام واحد في جامعة هارفارد الأميركية. فسافر بعدها إلى تشيلي، حيث التقى ادريانا اريناس، وتزوّجها.

وهي التي كرّس لها كتابه: "الكلمة والدم". ومنذ زواجه بها أصبحت منطقة أميركا الجنوبية، خاصّة تشيلي، موضوع أبحاثه. وكانت الدراسات الميدانية الأولى التي أنجزها، من موقع الباحث في علم الاجتماع، هي على "ورشات عمال المناجم" في تشيلي.

«نقطة انطلاق»

منذ خمسينات القرن الماضي، لم يتوقف آلان تورين عن العمل والكتابة، من دون كلل ولا ملل. وكان قد صرّح في شهر يوليو الماضي، وهو في الثامنة والثمانين من عمره، ما مفاده: "اعتقدت أنه عند شيخوختي ستكون لدي رغبة، أقلّ فأقل، للتفكير الجدي، لكن من دون أن أنام، مع ذلك، أمام التلفزيون".

وساهم آلان تورين في عام 1959 في تأسيس مجلة "سوسيولوجيا العمل". ودافع بعد خمس سنوات عن أطروحة لنيل دكتوراه أخرى تحت عنوان "سوسيولوجية الفعل الاجتماعي". وصدر له عام 1973 أحد أهم كتبه تحت عنوان: "إنتاج المجتمع".

ودفعه اهتمامه بعالم العمل والعاملين، للذهاب إلى بولندا في مطلع سنوات الثمانينات من القرن الـ20، للتعرّف عن قرب، على تجربة نقابة "تضامن" التي أسسها عامل الميكانيك ليش فاليسا، في مدينة غدانسك، الذي أصبح فيما بعد، رئيساً لجمهورية بولندا، بعد زوال نظامها الشيوعي.

المثقّف الملتزم

ما يميّز مسيرة آلان تورين، أنه أظهر باستمرار "التزامه الكامل" بمختلف القضايا التي يراها عادلة. واللافت أنه كان في عام 1989 أحد المعارضين الأشدّاء لطرد فتيات مسلمات من مدرسة بلدة "كراي"، قرب العاصمة الفرنسية باريس، بسبب ارتداء الحجاب، ووقع أكثر من عريضة احتجاج في هذا الخصوص.

وهو أحد أعضاء لجنة الإشراف على الهيئة الفرنسية لتكريس عقد من الزمن لثقافة السلام وعدم العنف. كما رفض باستمرار، وبقوّة، مقولة "صدام الحضارات" الشهيرة لصاحبها صموئيل هنتنغتون.

الأزمة المالية «قطيعة عميقة» تنذر بتلاشي المجتمعات الصناعية

شاعت، بعد سقوط جدار برلين في خريف عام 1989، ثم انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي، مقولة شهيرة طرحها المفكر الأميركي ذو الأصل الياباني فرنسيس فوكوياما، مفادها أن "التاريخ انتهى"، بعد الانتصار الكامل والنهائي للمعسكر الرأسمالي ولنظرياته الليبرالية.

واليوم يطرح عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين، مقولة أخرى تتعلّق بـ "نهاية المجتمعات"، كما جاء في عنوان كتابه الأخير.

يجد آلان تورين الأساس الذي ينطلق منه للقول بـ "نهاية المجتمعات"، في الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدّة الأميركية في خريف عام 2008 لتشمل آثارها، القائمة حتى الآن، العالم كلّه.

تساؤل جوهري

جوهر أطروحة تورين، مفاده أن الأزمة المالية العالمية الأخيرة، التي لم يشهد العالم مثلها منذ أزمة عام 1929، مثّلت في واقع الأمر "قطيعة عميقة" بين الرأسمالية المالية التي تجد تعبيراتها البليغة في الأسواق المالية، وبين الاقتصاد بالمعنى الرأسمالي الإنتاجي. تلك "القطيعة" تمثل دلالة واضحة، برأيه، على نهاية المجتمعات الصناعية التي قامت قبل حوالي قرنين من الزمن.

إن آلان تورين، المؤلف ـ عالم الاجتماع الذي يقول بـ "نهاية المجتمعات" يطرح السؤال التالي: هل لا يزال مفهوم المجتمعات هو المنظار المناسب، الذي ينبغي علينا معه، رؤية ملامح الواقع الذي نعيشه اليوم أو سنعيشه في المستقبل؟ وفي مواجهة الأطروحة الشائعة التي ترى أن العولمة السائدة وضعت حدّاً نهائياً لـ"حقبة الدول"، يتساءل تورين عما إذا لم يكن علينا الاعتقاد بالأحرى، أننا نعيش نهاية "حقبة المجتمعات"؟

وقائع وأحداث

من الواضح أن أطروحة "نهاية المجتمعات" التي يقدّمها المؤلف، ويشرحها في هذا العمل، لا تقوم على مجموعة من الآراء النظرية والاجتماعية، السوسيولوجية، ولكن تعتمد أيضاً على مجموعة من الوقائع والأحداث والحالات التي يعرفها العالم، حالياً.

هكذا يستحضر لدعم أطروحته، الحركة الأميركية المعروفة بشعارها حول "احتلال وول ستريت"؛ والمظاهرات التي شهدتها موسكو في نهاية السنة الماضية ضد فلاديمير بوتين؛ والأزمة المالية الكبرى التي دفعت، وتدفع، اليونان إلى حافة الإفلاس.. والتهديد بالخروج من منطقة اليورو؛ وأحداث "الربيع العربي"؛ وسياسة باراك أوباما الخارجية.

هذه الأحداث الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو العسكرية كلّها، وغيرها، "يستخدمها" المؤلف من أجل شرح أطروحته حول "نهاية المجتمعات"، بما تعنيه من "قطيعة". هذا مع تحديده القول إن هذه "النهاية" لا تعني كل مجتمع، ولكن بالتحديد تعني المجتمعات الصناعية التي تعاني من "القطيعة " بين الرأسمالية المالية والاقتصاد بالمعنى الرأسمالي المعروف.

قاموس

يشرح المؤلف أن هناك "قطيعة" أخرى في السياق الرأسمالي الذي خلقته الثورة الصناعية الكبرى. ذلك أن تلك "الثورة" أعطت للمجتمعات الصناعية المتولّدة عنها، منظومة ذات طابع اقتصادي واجتماعي عبّر عنه قاموس بعيد إلى حد كبير عن السياسة. قاموس تتصدّر فيه توصيفات "البرجوازية" و"الطبقة العاملة" و"الفقر" و"الإضراب عن العمل" و"الاستثمار" و"إعادة التوزيع" و"الثروة".

والغالبية العظمى من هذه التوصيفات، غدت "فارغة من المضمون"، أو على الأقل "غير عملياتية"، حسب تعبير المؤلف. هذا في الوقت الذي "قطعت" فيه الرأسمالية المالية مع الاقتصاد الحقيقي. ما سبب ذلك من انفجار أزمة عام 2008 على خلفية "الهجوم الشرس" الذي شنّته الأسواق المالية العالمية على السياسات الاجتماعية والاقتصاد.

بوادر

يؤكّد المؤلف أن هذا "الإضعاف للمؤسسات الاجتماعية" هو الذي يشكّل البوادر الأولى لـ "نهاية المجتمعات"، وهو الذي يفتح السبيل أمام "حقبة تاريخية جديدة". ذلك أن المجتمعات المعنيّة تفقد القدرة على القيام بعمليات الضبط الذاتي لمسارها أو القيام بعملية تحوّل ذاتية.

والإشارة في هذا الصدد إلى مقولة رددتها الأسواق المالية عن قدرتها على "الضبط الذاتي" لآليات عملها وبالتالي، طالبت بهامش حريّة أكبر في ممارسة نشاطاتها، من دون تدخل الدول". وهذا ما أثبت الواقع، كما يقول المؤلف، عدم صحّته، بدليل انطلاق أزمة عام 2008 العالمية.

في المحصلة يربط "آلان تورين" بين أطروحة "نهاية المجتمعات الصناعية"، وبين عدم إمكانية السيطرة، أو بالأصح استعادة السيطرة، على الأسواق المالية وضبط آليات عملها. هذا ما يصوغه بالتساؤل التالي: "هل يمكن من جديد السيطرة على الاقتصاد المالي الذي غدا متوحشاً وإعادته لصالح العمل الاجتماعي". ولكن: كيف يمكن في ظل غياب البعد الاجتماعي "محاربة المال القوي ودفعه للتراجع؟".

الإجابة التي يخرج بها المؤلف عن الأسئلة السابقة، تأتي بنوع من توقع "نهاية المجتمعات" بصيغتها الصناعية التقليدية.

بطاقة

آلان تورين. مفكر وباحث فرنسي. من مواليد عام 1925 في إحدى بلدات منطقة النورماندي على شاطئ بحر المانش. ينتمي إلى أسرة ميسورة. كان والده طبيباً مثقفاً وقد دفعه نحو عالم العلم والمعرفة.

انتسب عام 1945، بعد إكمال دراسته الثانوية بتفوّق، إلى مدرسة المعلمين العليا في باريس، التي تخرّج منها كبار أعلام فرنسا، من أمثال جان بول سارتر وريمون آرون وسواهما. قدّم عشرات الكتب، عرف الكثير منها الترجمة إلى غالبية اللغات الحيّة الرئيسية في العالم. وترجم كتابان، من بين أعماله، إلى اللغة العربية، هما: نقد الحداثة، ما هي الديمقراطية؟

 

http://www.albayan.ae/books/author-book/2013-11-01-1.1990160






الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807477 :: Aujourd'hui : 1882 :: En ligne : 13