البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2014-02-15
العلم بين الحقيقة والنمذجة

yyy

مدخل اشكالي
استقلال العلوم عن الفلسفة وتفردها بعقلانية مخصوصة ، في العصر الحديث فرض ظهور الابستيمولوجيا وهي خطاب فلسفي يفكر بصورة نقدية في العلم بمعزل عن كل المقدمات الميتافيزيقية والاحكام المسبقة كما كان الشأن في نظرية المعرفة . تجيبنا الابستيمولوجيا من خلال النظر في التمشي الفعلي للفكر العلمي بنيويا وتاريخيا ، مشتغلا على المادة أو الحياة أو المجتمع على الأسئلة التالية :
- كيف ينشأ الفكر العلمي ؟ كيف يتمّ الانتقال من اللاعلم إلى العلم ؟ وطبقا لأي معيار يمكن الحكم على نظريّة ما أنها نظرية علمية ؟

- كيف يشتغل الفكر العلمي ؟ ما هي المبادئ والمناهج والقيم والاجراءات التي يتخذها للسيطرة على موضوعات بحثه ؟

- كيف يتطور العلم ؟ هل على جهة التراكم الخطي أو على وجه القطائع وإعادات الصهر ؟ وما هي انعكاسات تطور العلم على طبيعة وبنية الفكر عموما ؟

الابستيمولوجيا هي إذن الخطاب الفلسفي المعاصر المطبق على الفكر العلمي والهادف إلى رصد نشأته واشتغاله وتطوره ؟
يمكن التمييز بين مقاربتين ابستيمولوجيتين تعكسان حقبتين مختلفتين من تاريخ العلم الحديث
· المقاربة الوضعية : تقوم على اعتبار العلم :

- معرفة - موضوع أي موضوعية تفترض التزام الباحث الحياد والنزاهة والاقتصار على وصف الظواهر المدروسة وتفسيرها بكل تجرّد

- معرفة قادرة على إنتاج حقائق يقينية شرط اتقان التوسل باجراءات الترييض والتجريب

- معرفة تفترض التسليم بالحتمية ( التلازم السببي ) في الواقع الطبيعي والاجتماعي بحيث إذا أمكن معرفة الحالة الراهنة للظواهر أمكن التنبئ الدقيق بمستقبلها والتدخل الناجع في سيرها

- معرفة تتحرك في مناخ فكري يسوده شعار " النظام والتقدم " الذي يكرس الثقة في قدرة العلم والتقنية على حل كل المشكلات التي تعترض الإنسان

غير أن ما شهدته المعرفة العلمية في نهاية القرن 19 بداية القرن العشرين من: * أزمات تجديدية شأن أزمة الأسس / اليقين في الرياضيات التي أعقبها ظهور الهندسة اللااقليدية وأزمة الحتمية في الفيزياء وظهور الميكروفيزيا ونظرية النسبية والخلاف حول المنزلة الابستيمولوجية لعلوم الإنسان ونمط المعقولية الملائم لها
· أزمات تأسيسية : بظهورعلوم جديدة مثل السيبرنيطيقا ( علم الانساق المنتظمة ذاتيا طبقا لبرنامج اصطناعي أو طبيعي ) وعلوم المهندس وعلوم القرار والاتصال والاعلامية
فرضت ظهور المقاربة النمذجية = ابستيمولوجيا النمذجة كبديل عن المقاربة الوضعية . وتتأسس هذه المقاربة على مصادرات مركزية أهمها :
- اعتبار العلم معرفة – مشروع أي معرفة مشدودة لاهداف الباحث وغاياته وإلى السياق الفكري والاجتماعي والسياسي المعاصر لها .
- أن الواقع قيد الدرس هو من التركيب والتعقيد ما يحول دون السيطرة عليه بفكر اختزالي تبسيطي حتمي ينشد البداهة / اليقين

- أن الفكر العلمي لا يمكنه الاضطلاع المعرفي بهذا الواقع المركب إلا عن طريق النماذج بحيث " نحن لا نقدر على الاستدلال إلا من عن طريق النماذج " كما يقول بول فاليري nous ne raisonnons que sur des modèles

- إن منطق العلم هو منطق الاختراع لا منطق الاكتشاف فالحقيقة ليست كنزا نكتشفه بل هي بناء ننشئه .

- أن الفكر العلمي يتحرك في مناخ اللايقين والاحتمالي وغير المؤكد والمفاجئ

1 – فما المقصود بالنمذجة والنموذج ؟ نص : في أصل النماذج نوال مولود
الموضوع : تعريف النموذج بين الفلسفة والعلم
الأطروحة : النموذج في تعريفه الابستيمولوجي هو بناء وتمثيل مبسط ينشأه الفكر العلمي ويستخدمه كوسيلة لإنتاج المعرفة .
المستبعدة : التعريف الأفلاطوني للنموذج على أنه مثال ميتافيزيقي تحاكيه الكائنات الحسية
المشكل : هل النموذج هو مثال ميتافيزيقي تحاكيه الأشياء الحسية أم هو تصميم و تمثيل يبنيه الفكر العلمي اجرائيا بغرض منهجي هو عقلنة الواقع المدروس والسيطرة عليه ؟
العناصر : ما هي حدود التعريف الأفلاطوني للنموذج " المثال " ؟
ما النموذج من زاوية ابستيمولوجية ؟ وما هي القيمة الاجرائية للنماذج ؟
التحليل : 1 - حدود المفهوم الأفلاطوني للنموذج المثال
أ – تعريف أفلاطون للنموذج المثال
النموذج حسب أفلاطون هو مثال مجرد له وجود خاص ومتعال وسابق عن الأشياء المادية التي ليست سوى محاكاة له بحيث أن قابلية الأشياء للمعرفة مشروطة بتوجه الفكر نخو المثل التي تدرك بالعقل وحده وبعدم اشراك الحواس فالمعرفة الحق هي تذكر النفس للمثل / النماذج المثالية الأشياء التي كانت تدركها قبل حلولها في الجسد . فما هي أسس التعريف الأفلاطوني للنموذج ؟
يقوم تصور أفلاطون للنموذج على المبادئ التالية :
- نظرية المثل التي تفترض التمييز بين العالم المعقول عالم المثل العقلية والعالم المحسوس عالم الأشياء الحسية
- تأسيس و جود العالم المحسوس على وجود العالم المعقول بحيث أن وجود الكائنات الحسية يتوقف على محاكاتها للمثل / النماذج العقلية .
- اختزال إنسانية الغنسان في النفس وحدها واعتبار المعرفة تذكر أي جهد عقلي خالص يبذله الإنسان لتذكر ماهيات الأشياء ومثلها المجردة ، مشروط بالتحرر من المعطيات الحسية التي تمثل عوائق معرفية ( التحرر من الجسد )
ب – حدود هذا التعريف : يشير نوال مولود إلى أن التعريف الأفلاطوني للنموذج
- يفترض أسبقية المثال / النموذج عن الأشياء الحسية التي هو مثال لها
- يحيط مفهوم النموذج وأصله بالكثير من الغموض واللبس ويعطيه دلالة ميتافيزيقية / أنطولوجية أبعد ما تكون عن الممارسة العلمية
- يكرس علاقة أحادية بين الواقع الحسي والمثال هي علاقة محاكاة الواقع الحسي للمثال . بينما داخل العلم توجد علاقة جدلية وتفاعلية بين الواقع والمثال يتردد في إطارها النموذج بين استباق الواقع ومحاكاته وتمثيله .
استخلاص : التعريف الأفلاطوني للنموذج على أنه مثال ميتافيزيقي تحاكيه الأشياء و تستمد منه وجودها
وقابليتها للمعرفة لا يساعد على تصور منزلة النموذج في العلم ولا على رصد أوجه استعماله لبناء المعرفة. فما هو التعريف الابستيمولوجي للنموذج ؟
2 - التعريف الابستيمولوجي للنموذج
يشير مولود إلى أن مفهوم النموذج هو أحد المفاهيم المستخدمة بشكل موسع في مناهج العلم فهو على حد قول أحد الابستيمولوجيين المعاصرين " الكلمة المفتاح " في العلوم المعاصرة . ذلك لأن العقل العلمي هو جوهره عقل منمذج يقول بول فاليري " نحن لا نقدر على الاستدلال إلا عن طريق النماذج " بمعنى أن النموذج هو أداة إنتاج المعرفة وعرضها . فأي معنى ابستيمولوجي للنموذج ؟ وما أوجه استعماله ؟
يستخدم مفهوم النموذج في فلسفة العلم في معنى :
- " التصميم " maquette " أي الصورة المصغرة التي يبنيها العقل عن موضوع ما فيزيائي أو بيولوجي أو اجتماعي
- التمثيل المبسط للواقع المركب الذي يدرسه الفكر ( سواء أكان واقعا ذهنيا مجردا كما هو الشأن في الرياضيات أو واقعا ماديا حسيا هو شأن علوم المادة و الحياة و الإنسان )
فالنموذج هو التصميم والتمثيل المبسط الذي يبنيه الفكر عن موضوع بحثه بغرض إحكام السيطرة المنهجية عليه . بينما النمذجة فهي عملية / اجرائية إنشاء النماذج واستخدامها في مختلف مراحل البحث . هي الطريقة المنهجية التي يتسلح بها الفكر العلمي لحل المشكلات . وهي تقتضي تفاعلا تاما بين الحس والعقل والخيال . فما هي أصناف النماذج ؟
أصناف النماذج : يمكن تصنيف النماذج العلمية استناد على طبيعتها إلى :
· نماذج مادية : شأن رسم هندسي أو مجسد منمنم ( مصغر) أو خريطة أو صور رقمية أو عينات وأي تمثيل مادي( يقع تحت الحواس ) لموضوع ما
· نماذج رمزية : الرسوم البيانية المعادلات الرياضية ، الكتابة الرمزية أو كتابة عادية وأي تمثيل مجرد لموضوع ما
استخلاص : النموذج في تعريفة الابستيمولوجي هو التمثيل المبسط المادي أو الرمزي الذي يبنيه العقل العلمي عن موضوعاته بغرض استخدامه في مختلف مراحل البحث عن الحقيقة وهو بالاساس تشكيل اجرائي قيمته في وظيفيته المنهجية . فما أصل استخدام العقل العلمي للنماذج ؟ من أين استمد الفكر العلمي اجرائية النمذجة ؟
3 – أصل النماذج
يؤكد نوال مولود أن أصل النمذجة كإجراء منهجي هو التكنولوجيا فالفكر العلمي في بحوثه النظرية يتوسل بالنماذج كتمثيل مبسط عن موضوعات بحثه مستأنسا ومسترشدا بالتكنولوجيا أي بالعلوم التطبيقية التي تعتمد طريقة بناء النماذج المصغرة عن المشاريع التي تزمع إنتاجها .
إذن آلية إنشاء النماذج ( النمذجة ) كإجراء منهجي انتقلت إلى العلوم النظرية من التكنولوجيا بصفة عامة. فالنمذجة إجراء يتأصل في صلب التكنولوجيا كعلوم تطبيقية ما يؤكد على التفاعل الجدلي بين النشاط التطبيقي والنشاط النظري داخل العلم وعلى أن عقلانية العلم هي عقلانية مطبقة بتعبير باشلار ويضع حدا للتصور الساذج للتكنولوجيا على أنها مجرد التطبيق العملي للنظريات العلمية . كل نموذج هو إذن نموذج شيء ما بغرض شيء ما بمعنى أن أهمية النموذج في العلم تكمن في اجرائيته ( قابليته للتوظيف والاستخدام ) فما هي القيمة الاجرائية للنماذج ؟ ما هي أهم الوظائف التي يضطلع بها النموذج في مسار البحث العلمي ؟
4 – القيمة الاجرائية ( المنهجية ) للنماذج
تظطلع النماذج داخل البحث العلمي بوظائف منهجية عديدة :
- وظيفة تبسيطية / توسطية : بدل أن يشتغل الفكر العلمي على الوقائع الخام مباشرة يعمد إلى إنشاء نماذج عنها تكون وسيطا تبسيطيا بينهما . ما يؤكد على أن الفكر العلمي يشتغل على واقع مبني .
- وظيفة تثبيتية : النماذج تساعد الفكر العلمي على تثبيت القوانين والأفكار في صور وسوم حسية فهي إذن " تشكيل " .
مثال نموذج روذرفورد للذرة
انطلق من نقد نموذج تومسون الذي يصور الذرة كخبر الزبيب أي ككيان ممتلئ مشحون بصورة موجبة تتوسطه كهارب ذات شحنة سالبة ليتبين بعد تجربته على صفيحة الذهب أن الذرة تتكون أساسا من الفراغ وأنها تحمل نواة مكونة من عدد من البروتينات الموجبة يدور حولها عشوئيا عدد مساو من الكهارب السالبة على شاكلة دوران الكواكب حول الشمس ( النموذج الكوكبي )
File:Plum pudding atom.svg http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/7/7d/Rutherfordsches_Atommodell.png
نموذج تمسون : خبز الزبيب نموذج روذرفورد : النموذج الكوكبي

- وظيفة تصورية : فالنماذج تساعد الفكر العلمي على التصور والتخمين ووضع الفرضيات والحدوس النظرية والابداع . فهي إذن رسم موجه .
مثال نموذج بوهر للذرة حيث انطلق من التقييم المنطقي الرياضي لنموذج سلفه ليتبين اشتمال هذا النموذج على اخلالات منطقية
+ مشكل استقرار الذرة : إذا كانت الكهارب تدور حول النواة فهي تخسر الطاقة فما الذي يبقيها على مداراتها ويمنعها من التكسر على النواة ؟
+ مشكل تماسك النواة : إذا كانت النواة مكونة من بروتينات موجبة فما الذي يمنع
انفجار النواة ؟
هذه العيوب المنطيقية ( التركيبية ) في نموذج روذرفورد جعلت بوهر يعدله بنموذج بديل يفترض أن للكهارب مدارت قارة حول النواة
File:Atome bohr.png
نموذج بوهر : النموذج الكوكبي
- وظيفة تجريبية : تستخدم النماذج لاجراء التجارب وامتحان الأفكار عن طريق الوقائع وتتأكد القيمة التجريبية للنماذج خصوصا حول الموضوعات التي يتعذر التجريب المباشر عليها أو الموضوعات التي يفترض تجريبها تكلفة باهضة
- وظيفة تحكمية : فعن طريق النماذج ينشأ الباحث توقعاته ويخطط لتدخله في سير الظواهر بما يحقق المصلحة المزمع الفوز بها فعادة ما تقترن النمذجة برهان براغماتي / تداولي هو التحكم الناجع في الظواهر والفعل فيها بما يحقق المصالح .
- وظيفة اقتصادية : تبلور النماذج وحدة الفكر العلمي في إطار تنوع اختصاصته فهي تفتح نوافذ التفاعل والتضامن بين مختلف الاختصاصات العلمية عن طريق الاقتباس والمحاكاة والتغذية المتبادلة .
استخلاص : تكمن قيمة النموذج بصفته وسيلة لإنتاج المعرفة في تعدديته الوظيفية ومرونته الاجرائية .
استخلاص عام : النموذج هو التصميم والتمثيل المبسط والرسم الموجه المادّي أو الرّمزي لموضوع ما يبنيه الفكر العلمي في مختلف تخصّصاته ويستخدمه اجرائيا من أجل إنتاج المعرفة وترشيد الفعل ( الحقيقة والنجاعة ) وتبعا لذلك تتاسس قيمة النمواذج في العلم على تعدديتها الوظيفية . فما الذي يفرض على العلم التزام النمذجة ؟ كيف ننمذج علميا موضوعا ؟ و بأيّ معنى تفترض النمذجة العلمية جهدا تركيبيا ودلاليا وتداوليا ؟



















2 – أبعاد النمذجة
نص : شروط صلاحية النموذج رونيه توم
الموضوع : دوافع وأبعاد النمذجة العلمية
الأطروحة : النمذجة هي سلاح الفكر العلمي لحل المشاكل التي تواجهه وهي تشتمل على بعد تركيبي ودلالي وداولي
الاشكالية : ما الذي يفرض على الفكر العلمي اتباع اجرائية النمذجة ؟ وما هي أبعاد هذه الاجرائية ؟ كيف ننمذج موضوعا ؟
التحليل : 1 - موجبات النمذجة العلمية
يؤكد توم أنّ الفكر العلمي ينطلق في بحثه عن الحقيقة في أيّ حقل من حقول اشتغاله ( العلوم الصورية أو علوم المادة أو علوم الحياة أو علوم الإنسان ) ، من مشكل محدد ، من وضعية / مشكل أي من وقائع نظرية أو عملية تطرح تحديات على الفكر هي الظواهر الشاذة التي تفلت عن التفسير السائد وتتعارض مع توقعات وانتظارات العلماء وتفرض عليهم استئناف البحث لايجاد حلول لها .
استخلاص : الرغبة في مواجهة المشاكل وايجاد الحلول لها هو دافع الفكر العلمي للتسلّح بالنمذجة كإجراء منهجي لتنظيم اضطلاعه بالوضعيات / المشاكل من أجل السيطرة العقلانية عليها . يقول بوبار " إنّ العلم يبدأ وينتهي بمشكلات ". فكيف تسمح النمذجة للفكر العلمي بحل المشاكل ؟
2 – أبعاد النمذجة
يضطر الفكر العلمي إزاء ظاهرة شاذة لا يملك لها تفسيرا مسبق إلى إنشاء نموذج استكشافي لها أي إلى بناء تمثيل مبسط عنها على وجه المحاكاة يكون منطلقا لطرح أسئلته وللاضطلاع بالإجابة عنها لكن التقدم على طريق الحل لا يتوقف عند نقطة بناء النموذج عن الموضوع قيد الدرس بل يفترض جهدا فكريا، منهجيا مركبا يختلط ويتحاور صلبه النظري بالتجريبي والراهن بالافتراضي ويتوزع هذا الجهد بين :
- البعد التركيبي : بمعنى الاهتمام ببنية النموذج وحسن صياغته منطقيا أي بترتيب وتنظيم فرضيات الحل والتخمينات والافكار بصورة منطقية . يتوسل الفكر العلمي بغرض الاطمئنان على المتانة والسلامة المنطقية للنموذج باجراءات :
+ الترييض : استعمال الرياضيات لغة ومنهجا قدر الإمكان
+ الأكسمة : صياغة مكونات النموذج صياغة فرضية استنتاجية بإقامة علاقات لزوم منطقي
بين مكوناته وجعله نموذجا أكسوميا ( فرضيا استنتاجيا ) قدر المستطاع
+ الصورنة : الصياغة الرمزية لمكونات النموذج بما يضمن متانته وصلاحيته التركيبي

استخلاص : البعد التركيبي يعني أن يهتم الباحث ببنية النموذج وأن يعدلها منطقيا عن طريق اجراءات الأكسمة والترييض والصورنة ضمانا للمتانة التركيبية للنموذج وتحصينا له من أوجه التناقض التي يمكن ان تتسرب إليه .
- البعد الدلالي : تطبيق النموذج على وقائع عينية ومواجهته بمعطيات التجربة والملاحظة للتأكد من صلاحيته التجريبية عبر مكافحة النموذج بالوقائع للتحقق من مدى ملاءمة الحل / التفسير / الفهم الذي يقدمه للمشكل وللنظر في وجاهة اعتماده كحل للمشكل وتعميمه على المشاكل المشابهة .
استخلاص : تأويل النموذج تجريبيا وتطبيقه على وضعيات عينية للتحقق من صلاحيته التفسيرية وملاءمة الحل التي يقدمه للأهداف التي وضع من أجلها وإمكانية تعميمه على ما شابه من مشكلات هو البعد الدلالي للنمذجة العلمية . فإذا كان البعد التركيبي يفترض صعود الفكر العلمي من الحسي إلى المجرد عن طريق الترييض والأكسمة فإن البعد الدلالي يفترض نزوله من المجرد إلى الحسي بغرض التحقق من الكفاءة التفسيرية للنموذج ومن قدرته على التحول إلى نظرية علمية / قانون علمي قادر على تفسير وفهم عديد الظواهر .
استخلاصات :
- التمييز بين البعد التركيبي والبعد الدلالي في النمذجة هو مجرد تمييز منهجي بينما في السير العادي للنمذجة العلمية يوجد تداخل وتفاعل وتكامل دائري بين البعدين على نحو يمنع القول بوجود علاقة تعاقبية خطية بينهما . فالاشتغال التركيبي على مفترضات النموذج يستفيد من التجارب والتجارب تستضيء بالافتراضات النظرية .
- قد لا تقتصر نمذجة موضوع ما على بناء نموذج واحد ولا على توظيف صنف واحد من النماذج الممكنة ولا حتى على وجه واحد من استعماله بل تقتضي النمذجة العلمية من الباحث ( المنمذج ) تنويع النماذج وفق مقتضيات البحث وتنويع استخدامه لها بصفتها تشكيل او رسم موجه او تصميم كما تفرض جاهزيته للتخلي عن بعض النماذج واستبدالها بأخرى عن طريق ألية التعديل والنقد والتصحيح التي هي قوام عقلانية العلم ما يبرر القول إن العلم ينشأ ويتقدم سيرا على جثث النماذج .
- يكشف مسار النمذجة في بعديها التركيبي والدلالي أن المعرفة العلمية ليست اكتشافا لقوانين الوقائع المعطاة عن طريق الملاحظة والتجريب والترييض كما هو الشأن داخل التصور الوضعي للعلم بل هي فعل بناء للوقائع واختراع للنظريات فالحقيقة ليست كنزا نكتشفه بل بناء ننشئه . ما يؤكّد على أن من أهمّ خصائص عقلانية العلم كونها عقلانية بنائية تزاوج بين الواقعي والخيالي بين التجريد والتجريب بين النظري والتطبيقي بين الراهن والافتراضي
- تسمح النمذجة للفكر العلمي مشتغلا في مجال ما باقتباس واستعارة نماذج مجلات واختصاصات أخرى أكثر نضجا ما يؤكد على وحدة الفكر العلمي في إطار تنوع مجالات اشتغاله واختصاصاته وما يكرس إمكانية الدراسة المتعددة الاختصاصات لموضوع واحد .
هل يمكن فصل النمذجة عن الغايات البراغماتية / النفعية للمنذج ؟
- البعد التداولي / البراغماتي
النمذجة العلمية لا تنشد المعرفة للمعرفة ليست فعلا محايدا يزاوله الباحث وقد تحرر من مقاصده ومصالحه وأهدافه البراغماتية بل على العكس النمذجة عادة ما تكون مشروطة بأهداف المنمذج ومشاريعه النفعية أي بمطالب عملية هي خصوصا :
· التوقع والتنبئ بمستقبل الظواهر المنذجة
· التحكم في الظواهر عن طريق عقلنة التدخل في سيرها بما يكرس النجاعة ويوفر مصالح المنمذج أو غيره من مستعملي النموذج
· بل إن البعد البراغماتي / النفعي لا يقل تأثيرا على سير نمذجة موضوع ما عن البعد التركيبي والبعد الدلالي . فالعلم معرفة - مشروع تنشد التحقق ونجاعة التأثير على الوقائع بما يجعلها ملائمة لمصالح الإنسان وطموحاته النفعية . فإذا كان العلم ينشد الحقيقة فإن الحقيقة ابستيمولوجيا النمذجة هي " الفعل عينه " Verum ipsum factum (فيكو)
استخلاص عام :
- عقلانية العلم هي عقلانية النمذجة لأن الفكر العلمي ( أيا كان المجال المعرفي الذي يتحرّك فيه مجال العلوم الصورية أو علوم المادة أو علوم الحياة أو علوم الإنسان ) إنما يشتغل على موضوعات بحثه عن طريق النماذج التي يبنيها . ولكلّ نمذجة علميّة لموضوع ما أو لوضعية / مشكل أبعاد متلازمة ومتكاملة : بعد تركيبي يفترض الترييض والأكسمة والصورنة وبعد دلالي يفترض التأويل التجريبي للنماذج بغرض اختبار كفاءتها على إنتاج تفسير / فهم معقول للظواهر وبعد تداولي/ براغماتي يجليه انشداد النمذجة لغايات المنذج وصلاحيتها النفعية لتحقيق رهان التحكم العملي في الظواهر والفعل فيها بنجاعة .
- عقلانية النمذجة هي عقلانية بنائية يحكمها منطق الاختراع لا منطق الاكتشاف ، مطبقة تهدف إلى الفعل والسيطرة التقنية على الظواهر.وليست عقلانية تأملية تنشد المعرفة للمعرفة .
لكن هل ننتظر من النمذجة العلمية إنتاج حقائق قطعية يقينيّة أم أنّها تقتصر على إنتاج حقائق نسبية متغيرة قابلة للدحض على الدوام ؟ هل النمذجة إجرائية للحصول على اليقين والحقائق المطلقة أم هي اجرائية الفكر الذي يواجه اللايقيني والاحتمالي ؟



4 – الحدود الابستيمولوجية للنمذجة نص : النموذج تبسيط نوفال
نص : النموذج تبسيط نوفال
موضوع النص : قيمة النماذج العلميّة
المستبعدة : الاعتقاد السائد بأن العلم ينشئ تفسيرا شموليا ويقينيا عن الوقائع
المثبتة : النمذجة العلمية هي استراجية إهمال يتوسل بها الفكر من أجل التبسيط العقلاني للواقع المركب وفهمه دون ادعاء تفسيره على نحو شمولي يقيني
المشكل : هل النموذج العلمي تمثيل وفيّ ومطابق للواقع بغرض تفسيره على نحو كلي ويقيني أم هو تمثيل اختزالي وتعبير عن استراجية اهمال تقتصر على فهم الواقع وتبسيطه ؟
العناصر : ما المقصود بأن النمذجة العلمية هي إستراتيجية إهمال ؟
ما هي في ضوء ذلك أهداف النمذجة العلمية ؟
أي دلالة ابستيمولوجية لاعتبار النمذجة إستراتيجية إهمال ؟
التحليل :
1 - النمذجة إستراتيجية إهمال
النمذجة هي السلاح المنهجي الذي يتوسل به العقل العلمي من أجل التصدي للمشاكل التي يطرحها الواقع وإيجاد الحلول لها . وهي حسب بسكال نوفال " إستراتيجية إهمال " أي أنها خطة إجرائية
لا تقتضي :
· أن يبني الفكر العلمي نماذج تمثيلية وفيّة للواقع المدروس تعكس مختلف ثوابته ومتغيراته وترسم كل عناصره ومكوناته فــ " الخريطة ليست الأرض " . النمذجة إذن ليست تعويضا لنسق طبيعي ( ظاهرة ) قيد الدرس بنسق اصطناعي رمزي مماثل له ووفيّ بصفة مطلقة لمكوناته
· أن يلتزم المنمذج بقاعدة " النظر في وضعية من خلال وضعية أخرى مماثلة لها " فالنمذجة لا تخضع لمنطق المماثلة والتناظر الكلي بين النموذج والواقع الذي هو نموذج عنه
· أن تكون النمذجة مثل المجاز : فالمجاز يبرز كل عناصر الواقع المعني عن طريق الرموز . هو عملية ابراز ، اجلاء أظهار عن طريق الرمز بينما النمذجة هي قلب للمجاز فهي إهمال عن طريق الرمز .
بل تقتضي :
· أن يعتمد المنمذج آلية الإخفاء والإغفال والإهمال والانتقاء . فهو لا يمثل الواقع قيد الدرس بكل مكوناته بل ينتقي منه عناصر ويسقط أخرى يهتم بجوانب ويهمل جوانب أخرى .
· أن يلتزم المنمذج بقاعدة " لا تنظروا إلى ذاك انظروا فقط إلى هذا " فالنمذجة العلمية ليست تمثيلا وفيا لكل جوانب الواقع بل هي تمثيل اختزالي يهمل عناصر من الواقع من أجل إبراز جوانب أخرى أكثر أهمية يميز بين جوانب أساسية وجوانب ثانوية بين الثوابت والمتغيرات
استخلاص : النمذجة العلمية حسب نوفال هي إستراتيجية إهمال واختزال أي خطة منهجية / اجرائية تقتصر على إنشاء نماذج تبسيطية اختزالية عن الواقع .
فما هي تبعا لتعريف النمذجة كإستراتيجية إهمال أهداف النمذجة ؟ هل ينبغي أن ننتظر الفوز بمعرفة يقينية عن الواقع ؟ أليست النمذجة سلاحا لمقاومة اللايقين دون ادعاء القضاء عليه ؟
2 – أهداف النمذجة
يؤكد نوفال أن هدف النمذجة العلمية بما هي إستراتيجية إهمال واختزال تحكمها قاعدة " لا تنظروا إلى ذاك انظروا فقط إلى هذا " هو :
· تبسيط الواقع المعقد عن طريق " تفسير المرئي المعقد باللامرئي البسيط " أي أن الفكر العلمي من خلال النمذجة لا يهدف إلى إنشاء تفسير كلي يقيني للواقع بقدر ما يهدف إلى صياغة نماذج تبسيطية عنه. فالتبسيط هو مطلب العقل وليس التفسير اليقيني .
مثال : حينما صاغ نيوتن قانون الديناميكا : القوة = الكتلة في التسارع( ق = ك . س )
فإنه وضع نموذجا تبسيطيا لواقعة فزيائية معقدة هي علاقة القوة بكتلة جسم متحرك في الزمان والمكان فهو إذ وضع هذا النموذج وجه الفكر نحو عناصر محددة من الظواهر الفيزيائية : الكتلة والقوة والتسارع وأسقط عناصر أخرى وأهملها : طبيعة القوة ( ميكانيكية أم يدوية ، جاذبة أم دافعة ) طبيعة المتحرك نسق مادي نسق ميكانيكي كوكب مكان الحركة
· فهم الواقع : النمذجة هي مشروع فهم للواقع وعقلنة للظواهر فالعلم يفهم أي يبسط المعقد وينظم الفوضى فإذا كان التفسير هو المسك بالأسباب الفعلية المنتجة للوقائع فإن النمذجة تقتصر على الفهم أي على إنتاج تصور ترجيحي تقريبي ينظم الوقائع دون ادعاء تفسيرها على نحو مطلق و نهائي .
فمن خلال نموذج القانون النيوتني يمكن أن نفهم أنّه إذا ضاعفنا قيمة الكتلة فإن القوة نفسها تنتج نصف قيمة التسارع ق= ك . س س = ق/ ك . ½ س = ق / 2 ك
· انتاج معرفة اجرائية أي قابلة للاستخدام التداولي بما يؤثر على سير الواقع ويحقق أهداف المنمذج
استخلاص : تبسيط الواقع فهمه وانتاج معرفة اجرائية قابلة للتوظيف من أجل التأثير على الواقع بما يحقق المصالح هي أهداف النمذجة التي لا تزعم البتة إنتاج تفسير يقيني ونهائي . فأي دلالة ابستيمولوجية لاعتبار النمذجة طريقة تنشد انتاج معرفة اجرائية ( بدل المعرفة اليقينية ) ؟
3 – في الدلالة الابستيمولوجية لاعتبار النمذجة إستراتيجية إهمال
يكشف النظر في سير النمذجة ونمط اشتغالها كاستراتيجية اهمال ابستيمولوجيا :
· أن الفكر العلمي هو في جوهره فكر بنائي يشتغل على نماذج من إنشاءه لا على الواقع الخام كما تقدمه الملاحظة ويضاعف العالم الطبيعي بعالم اصطناعي من الرموز والتقنيات هي أدوات الإنسان للسيطرة على الطبيعة وتنظيم وجوده الاجتماعي . فعقلانية العلم هي عقلانية الاختراع لا الاكتشاف
· أن الفكر العلمي ينتج معرفة موضوعية غير محايدة لأنها معرفة / مشروع أي ذات أساس فينومينولوجي هو غايات الباحث وافتراضاته ومصالحه وأساس سوسيولوجي هو السياق الفكري والثقافي والسياسي الذي يجري فيه البحث . فإذا كانت الابستيمولوجيا الوضعية تعزل العلم عن سياقه التاريخي فإن الابستمولوجيا البنائية تفتح العلم على السياقات النفسية والاجتماعية والثقافية لنشأته واشتغاله
· أن موضوعية المعرفة / المشروع التي تنتجها النمذجة لا تقاس بتطابق النماذج والنظريات مع الوقائع بل فقط بالتوافق البيذاتي ( بين العلماء ) على الصلاحية التركيبية والتجريبية وخصوصا التداولية للنماذج المبنية .
· أن قيمة النماذج العلمية لا تقاس بمعيار الحقيقة ( المعرفة اليقينية ) بل بمعيار الصلاحية خصوصا الصلاحية البراغماتية التي تتجلى في القدرة على الفعل في الظواهر والتحكم فيها بما يتلاءم مع مصالح الإنسان " فالحقيقة ليست سوى الفعل عينه "
· أن عقلانية العلم أيا كان مجال اشتغالها هي :
- عقلانية مفتوحة تأبى الاستقرار والاكتمال لها نقطة بداية وليس لها نقطة وصول
- عقلانية نقدية تتعارض مع كل منزع دوغمائي وتتوسل بإجراءات التعديل والتصحيح والدحض
من أجل التقدم والتطور باستمرار
- عقلانية جدلية : يتفاعل داخلها النظري والتطبيقي التجريب والترييض الراهن والافتراضي الذات
والموضوع الوسائل الإجرائية والغايات المعرفية والعملية
- عقلانية نسبية : تتعارض مع مطلب اليقين فهي لا تزعم تفسير الواقع بصفة كلية يقينية ولا مسك الحقيقة بل تقتصر على إنشاء نظريات ونماذج من أجل فهم الواقع فهما عقلانيا والفعل فيه على نحو منظم ومجد بما يحقق مصالح الإنسان واحتياجاته النظرية والعملية لكنها نماذج ونظريات قابلة للتعديل والتصحيح والتجاوز ما يجعل من تاريخ العلم تاريخ تصحيح الأخطاء ومن تقدمه سيرا على جثث النماذج .
لكن ألم تفضي النمذجة العلمية التي تعطي للحقيقة معنى الفعل في الطبيعة والإنسان إلى تخريب الطبيعة وتهديد الإنسان ؟ ألا يستوجب تطور العلم والتقنية وتزايد مخاطرهما استكمال النقد الابستيمولوجي للفكر العلمي بنقده ايتيقيا لكي يتحمل الجميع مسؤوليته الأخلاقية ؟
4 – الحدود الفلسفية للنمذجة
- الايتيقا هي البحث الفلسفي الذي يعنى بالنظر في مبادئ وغايات الممارسات الإنسانية وبتقييم مدى ملاءمتها مع ما يفترض أنه خير أخلاقيا . وهي خطاب يراوح بين تشخيص ملاءمة الممارسة الإنسانية للقيم والمثل الاخلاقية وبين تشريع الواجبات والمحظورات التي يضمن الالتزام بها خلقية الأفعال .
- لا أحد يزايد اليوم على أن عصرنا الراهن هو عصر " العلم الضخم " . فقد تحول العلم والتكنولوجيا إلى قوة حضارية بالنسبة للمجتمعات والدول من أجل التقدم معرفيا واقتصاديا وصحيا واداريا وسياسيا . فالعلم بصفته معرفة للفعل معرفة تماهي بين الحقيقة والنجاعة مكن الإنسان من تحقيق إنجازات كبرى ولكنه أيضا أفرز العديد من المخاطر الجديدة التي تهدد الطبيعة والإنسان في الآن نفسه ، ما يبرر اخضاعه لتقييم ايتيقي صارم للتحقق من مدى احترامه للاحتياجات الانسانية الكبرى : التقدم والعيش في عالم أفضل والخير العام لجميع الناس
- لقد تأسست الحداثة مبدئيا على الثقة المتنامية في العلم والتقنية وفي قدرته على
" تحقيق الخير العام لجميع الناس " وعلى الاقرار ببداهة الشعار " كل ما هو صحيح علميا مقبول أخلاقيا " الذي يفترض التوافق البديهي بين الحقيقة والنجاعة والخير ويؤسس التطور الروحي للبشر على مدى اعتمادهم الفكر العلمي وتطبيقاته التقنية لتنظيم وجودهم الاجتماعي والاقتصادي " جعل الإنسان سيدا للطبيعة ومالكا لها " . فهل أوفي العلم الضخم بوعوده بعد مرور أربعة قرون على اعتماده ؟
- بغض النظر عن الإنجازات الكبرى للعلم الضخم في كافة مجالات الحياة يمكن أن نسجل أن التقدم العلمي والتكنولوجي انتهى عمليا إلى :
- التفصي من التزاماته الأخلاقية عبر اعتبار الأخلاق شأنا خارجا عن اهتمام
العلماء
- الانضباط لمقتضيات تحقيق الخيرات المادية ومتطلبات السيطرة على الطبيعة
والإنسان وفق شروط النجاعة والمردودية والمصلحة
- تحول العلماء إلى خبراء وتكنوقراط تستخدمهم الحكومات والدول في مواقع
التنفيذ والتصرف وتمنعهم المشاركة في اتخاذ القرارات والغايات الخاصة
بالاقتصاد والدفاع والأمن والإدارة
هذه الوقائع تعبر عنها حالة " اللامسؤولية المعممة " بتعبير موران في المجتمعات المعاصرة اي حالة الاستهتار العام بالشروط الأخلاقية / الروحية للوجود الإنساني شأن العيش الكريم في بيئة سليمة والمواطنة العالمية واحترام حقوق الإنسان .
فماهي تبعات حالة اللامسؤولية المعممة ؟
- يمكن رصد نتائج الاستهتار العام بالمقتضيات الأخلاقية في تنامي المخاطر التي تهدد الطبيعة والإنسان على حد السواء جراء العلم الضخم ، شأن :
· التهديد العسكري نتيجة تراكم الأسلحة خصوصا السلاح النووي
· التهديد الاقتصادي جراء استنزاف الثروات الطبيعية وسوء توزيعها
· التهديد الاجتماعي بسبب تفاقم البطالة والتفاوت الطبقي والفقر والمجاعة والأوبئة الاصطناعية
· التهديد الايكولوجي الناتج عن تلوث البيئة وسوء التصرف في النفايات الصناعية
· التهديد الأنتروبولوجي من جهة هيمنة الدول المتحكمة في العلم والتكنولوجيا على بقية الشعوب وفرض نظم عيشها عليها ما يهدد التنوع الثقافي ويهدد العالم بداء التماثل والنمطية
فما السبيل لاستعادة التوازن بين المقتضيات الأخلاقية التي يهددها العلم وبين المقتضيات المادية التي يوفرها ويثريها ؟ كيف يمكن التحرر من حالة اللامسؤولية المعممة ؟
6 – في سبل استرجاع المسؤولية الأخلاقية للعلماء
تقتضي استعادة التحالف بين العلم والايتيقا وتوجيه التقدم العلمي والتكنولوجي نحو " توفير الخير العام لجميع الناس " وتحقيق غايات إنسانية تنأى عن المخاطر المترتبة عن سوء توجيه العلم الضخم وغياب مراقبة استعمالاته اصلاحات جذرية تشمل :
+ مجال البحث العلمي عبر :
- استعادة العلماء لاستقلاليتهم الفكرية والاضطلاع بوظائف التشريع والنقد والمراقبة إلى جانب البحوث المتخصصة . أي التحرر من وضعية التكنوقراط المجندين لخدمة الحكومات
- إحياء العلاقة العريقة بين الحقيقة والخير ووصل ما انفصل بين العلم والأخلاق عبر الاهتداء بمقتضيات الضمير الإنساني سواء في مجال البحث العلمي أو في مجال تطبيقاته على الواقع . " إنتاج علم بضمير " والتحرر من منطق السياسة هو سبيل العلماء للاضطلاع بمسؤولياتهم الأخلاقية إلى جانب مسؤولياتهم العلمية .
- إصلاح جذري لعقلانية العلم في اتجاه استبدال رهان السيطرة على الطبيعة الذي انبنى عليه العلم الحديث برهان تحرير الإنسان كأولوية تعلو على كلّ اعتبار وعبر استبدال عقلانية التخصص بعقلانية تبنى على تعدد الاختصاصات وتحالفها من أجل مواجهة مشكلات الواقع المركبة وعبر فتح نوافذ الحوار بين العلم وبين مجالات الابداع البشري الأخرى شأن الفن والفلسفة والدين باعتبارها تعكس أبعاد أخرى للوجود الإنسان المركب وتحقق احتياجات إنسانية لا تقلّ قيمة عن الاحتياجات التي يشبعها العلم
+ مجال السياسة : بتغليب منطق المصلحة الإنسانية الكونية على منطق القوة والسيطرة والاستنزاف المفرط للموارد الطبيعية والبشرية في مجال إدارة الدول ووضع سياساتها وتوجهاتها واستعادة التفاعل بين السياسة والأخلاق . وبالتوجه أكثر نحو مزيد من الديمقراطية في اتخاذ القرار .
http://j-aime-la-philosophie.blog4ever.com/articlesمدخل اشكالي
استقلال العلوم عن الفلسفة وتفردها بعقلانية مخصوصة ، في العصر الحديث فرض ظهور الابستيمولوجيا وهي خطاب فلسفي يفكر بصورة نقدية في العلم بمعزل عن كل المقدمات الميتافيزيقية والاحكام المسبقة كما كان الشأن في نظرية المعرفة . تجيبنا الابستيمولوجيا من خلال النظر في التمشي الفعلي للفكر العلمي بنيويا وتاريخيا ، مشتغلا على المادة أو الحياة أو المجتمع على الأسئلة التالية :
- كيف ينشأ الفكر العلمي ؟ كيف يتمّ الانتقال من اللاعلم إلى العلم ؟ وطبقا لأي معيار يمكن الحكم على نظريّة ما أنها نظرية علمية ؟

- كيف يشتغل الفكر العلمي ؟ ما هي المبادئ والمناهج والقيم والاجراءات التي يتخذها للسيطرة على موضوعات بحثه ؟

- كيف يتطور العلم ؟ هل على جهة التراكم الخطي أو على وجه القطائع وإعادات الصهر ؟ وما هي انعكاسات تطور العلم على طبيعة وبنية الفكر عموما ؟

الابستيمولوجيا هي إذن الخطاب الفلسفي المعاصر المطبق على الفكر العلمي والهادف إلى رصد نشأته واشتغاله وتطوره ؟
يمكن التمييز بين مقاربتين ابستيمولوجيتين تعكسان حقبتين مختلفتين من تاريخ العلم الحديث
· المقاربة الوضعية : تقوم على اعتبار العلم :

- معرفة - موضوع أي موضوعية تفترض التزام الباحث الحياد والنزاهة والاقتصار على وصف الظواهر المدروسة وتفسيرها بكل تجرّد

- معرفة قادرة على إنتاج حقائق يقينية شرط اتقان التوسل باجراءات الترييض والتجريب

- معرفة تفترض التسليم بالحتمية ( التلازم السببي ) في الواقع الطبيعي والاجتماعي بحيث إذا أمكن معرفة الحالة الراهنة للظواهر أمكن التنبئ الدقيق بمستقبلها والتدخل الناجع في سيرها

- معرفة تتحرك في مناخ فكري يسوده شعار " النظام والتقدم " الذي يكرس الثقة في قدرة العلم والتقنية على حل كل المشكلات التي تعترض الإنسان

غير أن ما شهدته المعرفة العلمية في نهاية القرن 19 بداية القرن العشرين من: * أزمات تجديدية شأن أزمة الأسس / اليقين في الرياضيات التي أعقبها ظهور الهندسة اللااقليدية وأزمة الحتمية في الفيزياء وظهور الميكروفيزيا ونظرية النسبية والخلاف حول المنزلة الابستيمولوجية لعلوم الإنسان ونمط المعقولية الملائم لها
· أزمات تأسيسية : بظهورعلوم جديدة مثل السيبرنيطيقا ( علم الانساق المنتظمة ذاتيا طبقا لبرنامج اصطناعي أو طبيعي ) وعلوم المهندس وعلوم القرار والاتصال والاعلامية
فرضت ظهور المقاربة النمذجية = ابستيمولوجيا النمذجة كبديل عن المقاربة الوضعية . وتتأسس هذه المقاربة على مصادرات مركزية أهمها :
- اعتبار العلم معرفة – مشروع أي معرفة مشدودة لاهداف الباحث وغاياته وإلى السياق الفكري والاجتماعي والسياسي المعاصر لها .
- أن الواقع قيد الدرس هو من التركيب والتعقيد ما يحول دون السيطرة عليه بفكر اختزالي تبسيطي حتمي ينشد البداهة / اليقين

- أن الفكر العلمي لا يمكنه الاضطلاع المعرفي بهذا الواقع المركب إلا عن طريق النماذج بحيث " نحن لا نقدر على الاستدلال إلا من عن طريق النماذج " كما يقول بول فاليري nous ne raisonnons que sur des modèles

- إن منطق العلم هو منطق الاختراع لا منطق الاكتشاف فالحقيقة ليست كنزا نكتشفه بل هي بناء ننشئه .

- أن الفكر العلمي يتحرك في مناخ اللايقين والاحتمالي وغير المؤكد والمفاجئ

1 – فما المقصود بالنمذجة والنموذج ؟ نص : في أصل النماذج نوال مولود
الموضوع : تعريف النموذج بين الفلسفة والعلم
الأطروحة : النموذج في تعريفه الابستيمولوجي هو بناء وتمثيل مبسط ينشأه الفكر العلمي ويستخدمه كوسيلة لإنتاج المعرفة .
المستبعدة : التعريف الأفلاطوني للنموذج على أنه مثال ميتافيزيقي تحاكيه الكائنات الحسية
المشكل : هل النموذج هو مثال ميتافيزيقي تحاكيه الأشياء الحسية أم هو تصميم و تمثيل يبنيه الفكر العلمي اجرائيا بغرض منهجي هو عقلنة الواقع المدروس والسيطرة عليه ؟
العناصر : ما هي حدود التعريف الأفلاطوني للنموذج " المثال " ؟
ما النموذج من زاوية ابستيمولوجية ؟ وما هي القيمة الاجرائية للنماذج ؟
التحليل : 1 - حدود المفهوم الأفلاطوني للنموذج المثال
أ – تعريف أفلاطون للنموذج المثال
النموذج حسب أفلاطون هو مثال مجرد له وجود خاص ومتعال وسابق عن الأشياء المادية التي ليست سوى محاكاة له بحيث أن قابلية الأشياء للمعرفة مشروطة بتوجه الفكر نخو المثل التي تدرك بالعقل وحده وبعدم اشراك الحواس فالمعرفة الحق هي تذكر النفس للمثل / النماذج المثالية الأشياء التي كانت تدركها قبل حلولها في الجسد . فما هي أسس التعريف الأفلاطوني للنموذج ؟
يقوم تصور أفلاطون للنموذج على المبادئ التالية :
- نظرية المثل التي تفترض التمييز بين العالم المعقول عالم المثل العقلية والعالم المحسوس عالم الأشياء الحسية
- تأسيس و جود العالم المحسوس على وجود العالم المعقول بحيث أن وجود الكائنات الحسية يتوقف على محاكاتها للمثل / النماذج العقلية .
- اختزال إنسانية الغنسان في النفس وحدها واعتبار المعرفة تذكر أي جهد عقلي خالص يبذله الإنسان لتذكر ماهيات الأشياء ومثلها المجردة ، مشروط بالتحرر من المعطيات الحسية التي تمثل عوائق معرفية ( التحرر من الجسد )
ب – حدود هذا التعريف : يشير نوال مولود إلى أن التعريف الأفلاطوني للنموذج
- يفترض أسبقية المثال / النموذج عن الأشياء الحسية التي هو مثال لها
- يحيط مفهوم النموذج وأصله بالكثير من الغموض واللبس ويعطيه دلالة ميتافيزيقية / أنطولوجية أبعد ما تكون عن الممارسة العلمية
- يكرس علاقة أحادية بين الواقع الحسي والمثال هي علاقة محاكاة الواقع الحسي للمثال . بينما داخل العلم توجد علاقة جدلية وتفاعلية بين الواقع والمثال يتردد في إطارها النموذج بين استباق الواقع ومحاكاته وتمثيله .
استخلاص : التعريف الأفلاطوني للنموذج على أنه مثال ميتافيزيقي تحاكيه الأشياء و تستمد منه وجودها
وقابليتها للمعرفة لا يساعد على تصور منزلة النموذج في العلم ولا على رصد أوجه استعماله لبناء المعرفة. فما هو التعريف الابستيمولوجي للنموذج ؟
2 - التعريف الابستيمولوجي للنموذج
يشير مولود إلى أن مفهوم النموذج هو أحد المفاهيم المستخدمة بشكل موسع في مناهج العلم فهو على حد قول أحد الابستيمولوجيين المعاصرين " الكلمة المفتاح " في العلوم المعاصرة . ذلك لأن العقل العلمي هو جوهره عقل منمذج يقول بول فاليري " نحن لا نقدر على الاستدلال إلا عن طريق النماذج " بمعنى أن النموذج هو أداة إنتاج المعرفة وعرضها . فأي معنى ابستيمولوجي للنموذج ؟ وما أوجه استعماله ؟
يستخدم مفهوم النموذج في فلسفة العلم في معنى :
- " التصميم " maquette " أي الصورة المصغرة التي يبنيها العقل عن موضوع ما فيزيائي أو بيولوجي أو اجتماعي
- التمثيل المبسط للواقع المركب الذي يدرسه الفكر ( سواء أكان واقعا ذهنيا مجردا كما هو الشأن في الرياضيات أو واقعا ماديا حسيا هو شأن علوم المادة و الحياة و الإنسان )
فالنموذج هو التصميم والتمثيل المبسط الذي يبنيه الفكر عن موضوع بحثه بغرض إحكام السيطرة المنهجية عليه . بينما النمذجة فهي عملية / اجرائية إنشاء النماذج واستخدامها في مختلف مراحل البحث . هي الطريقة المنهجية التي يتسلح بها الفكر العلمي لحل المشكلات . وهي تقتضي تفاعلا تاما بين الحس والعقل والخيال . فما هي أصناف النماذج ؟
أصناف النماذج : يمكن تصنيف النماذج العلمية استناد على طبيعتها إلى :
· نماذج مادية : شأن رسم هندسي أو مجسد منمنم ( مصغر) أو خريطة أو صور رقمية أو عينات وأي تمثيل مادي( يقع تحت الحواس ) لموضوع ما
· نماذج رمزية : الرسوم البيانية المعادلات الرياضية ، الكتابة الرمزية أو كتابة عادية وأي تمثيل مجرد لموضوع ما
استخلاص : النموذج في تعريفة الابستيمولوجي هو التمثيل المبسط المادي أو الرمزي الذي يبنيه العقل العلمي عن موضوعاته بغرض استخدامه في مختلف مراحل البحث عن الحقيقة وهو بالاساس تشكيل اجرائي قيمته في وظيفيته المنهجية . فما أصل استخدام العقل العلمي للنماذج ؟ من أين استمد الفكر العلمي اجرائية النمذجة ؟
3 – أصل النماذج
يؤكد نوال مولود أن أصل النمذجة كإجراء منهجي هو التكنولوجيا فالفكر العلمي في بحوثه النظرية يتوسل بالنماذج كتمثيل مبسط عن موضوعات بحثه مستأنسا ومسترشدا بالتكنولوجيا أي بالعلوم التطبيقية التي تعتمد طريقة بناء النماذج المصغرة عن المشاريع التي تزمع إنتاجها .
إذن آلية إنشاء النماذج ( النمذجة ) كإجراء منهجي انتقلت إلى العلوم النظرية من التكنولوجيا بصفة عامة. فالنمذجة إجراء يتأصل في صلب التكنولوجيا كعلوم تطبيقية ما يؤكد على التفاعل الجدلي بين النشاط التطبيقي والنشاط النظري داخل العلم وعلى أن عقلانية العلم هي عقلانية مطبقة بتعبير باشلار ويضع حدا للتصور الساذج للتكنولوجيا على أنها مجرد التطبيق العملي للنظريات العلمية . كل نموذج هو إذن نموذج شيء ما بغرض شيء ما بمعنى أن أهمية النموذج في العلم تكمن في اجرائيته ( قابليته للتوظيف والاستخدام ) فما هي القيمة الاجرائية للنماذج ؟ ما هي أهم الوظائف التي يضطلع بها النموذج في مسار البحث العلمي ؟
4 – القيمة الاجرائية ( المنهجية ) للنماذج
تظطلع النماذج داخل البحث العلمي بوظائف منهجية عديدة :
- وظيفة تبسيطية / توسطية : بدل أن يشتغل الفكر العلمي على الوقائع الخام مباشرة يعمد إلى إنشاء نماذج عنها تكون وسيطا تبسيطيا بينهما . ما يؤكد على أن الفكر العلمي يشتغل على واقع مبني .
- وظيفة تثبيتية : النماذج تساعد الفكر العلمي على تثبيت القوانين والأفكار في صور وسوم حسية فهي إذن " تشكيل " .
مثال نموذج روذرفورد للذرة
انطلق من نقد نموذج تومسون الذي يصور الذرة كخبر الزبيب أي ككيان ممتلئ مشحون بصورة موجبة تتوسطه كهارب ذات شحنة سالبة ليتبين بعد تجربته على صفيحة الذهب أن الذرة تتكون أساسا من الفراغ وأنها تحمل نواة مكونة من عدد من البروتينات الموجبة يدور حولها عشوئيا عدد مساو من الكهارب السالبة على شاكلة دوران الكواكب حول الشمس ( النموذج الكوكبي )
File:Plum pudding atom.svg http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/7/7d/Rutherfordsches_Atommodell.png
نموذج تمسون : خبز الزبيب نموذج روذرفورد : النموذج الكوكبي

- وظيفة تصورية : فالنماذج تساعد الفكر العلمي على التصور والتخمين ووضع الفرضيات والحدوس النظرية والابداع . فهي إذن رسم موجه .
مثال نموذج بوهر للذرة حيث انطلق من التقييم المنطقي الرياضي لنموذج سلفه ليتبين اشتمال هذا النموذج على اخلالات منطقية
+ مشكل استقرار الذرة : إذا كانت الكهارب تدور حول النواة فهي تخسر الطاقة فما الذي يبقيها على مداراتها ويمنعها من التكسر على النواة ؟
+ مشكل تماسك النواة : إذا كانت النواة مكونة من بروتينات موجبة فما الذي يمنع
انفجار النواة ؟
هذه العيوب المنطيقية ( التركيبية ) في نموذج روذرفورد جعلت بوهر يعدله بنموذج بديل يفترض أن للكهارب مدارت قارة حول النواة
File:Atome bohr.png
نموذج بوهر : النموذج الكوكبي
- وظيفة تجريبية : تستخدم النماذج لاجراء التجارب وامتحان الأفكار عن طريق الوقائع وتتأكد القيمة التجريبية للنماذج خصوصا حول الموضوعات التي يتعذر التجريب المباشر عليها أو الموضوعات التي يفترض تجريبها تكلفة باهضة
- وظيفة تحكمية : فعن طريق النماذج ينشأ الباحث توقعاته ويخطط لتدخله في سير الظواهر بما يحقق المصلحة المزمع الفوز بها فعادة ما تقترن النمذجة برهان براغماتي / تداولي هو التحكم الناجع في الظواهر والفعل فيها بما يحقق المصالح .
- وظيفة اقتصادية : تبلور النماذج وحدة الفكر العلمي في إطار تنوع اختصاصته فهي تفتح نوافذ التفاعل والتضامن بين مختلف الاختصاصات العلمية عن طريق الاقتباس والمحاكاة والتغذية المتبادلة .
استخلاص : تكمن قيمة النموذج بصفته وسيلة لإنتاج المعرفة في تعدديته الوظيفية ومرونته الاجرائية .
استخلاص عام : النموذج هو التصميم والتمثيل المبسط والرسم الموجه المادّي أو الرّمزي لموضوع ما يبنيه الفكر العلمي في مختلف تخصّصاته ويستخدمه اجرائيا من أجل إنتاج المعرفة وترشيد الفعل ( الحقيقة والنجاعة ) وتبعا لذلك تتاسس قيمة النمواذج في العلم على تعدديتها الوظيفية . فما الذي يفرض على العلم التزام النمذجة ؟ كيف ننمذج علميا موضوعا ؟ و بأيّ معنى تفترض النمذجة العلمية جهدا تركيبيا ودلاليا وتداوليا ؟



















2 – أبعاد النمذجة
نص : شروط صلاحية النموذج رونيه توم
الموضوع : دوافع وأبعاد النمذجة العلمية
الأطروحة : النمذجة هي سلاح الفكر العلمي لحل المشاكل التي تواجهه وهي تشتمل على بعد تركيبي ودلالي وداولي
الاشكالية : ما الذي يفرض على الفكر العلمي اتباع اجرائية النمذجة ؟ وما هي أبعاد هذه الاجرائية ؟ كيف ننمذج موضوعا ؟
التحليل : 1 - موجبات النمذجة العلمية
يؤكد توم أنّ الفكر العلمي ينطلق في بحثه عن الحقيقة في أيّ حقل من حقول اشتغاله ( العلوم الصورية أو علوم المادة أو علوم الحياة أو علوم الإنسان ) ، من مشكل محدد ، من وضعية / مشكل أي من وقائع نظرية أو عملية تطرح تحديات على الفكر هي الظواهر الشاذة التي تفلت عن التفسير السائد وتتعارض مع توقعات وانتظارات العلماء وتفرض عليهم استئناف البحث لايجاد حلول لها .
استخلاص : الرغبة في مواجهة المشاكل وايجاد الحلول لها هو دافع الفكر العلمي للتسلّح بالنمذجة كإجراء منهجي لتنظيم اضطلاعه بالوضعيات / المشاكل من أجل السيطرة العقلانية عليها . يقول بوبار " إنّ العلم يبدأ وينتهي بمشكلات ". فكيف تسمح النمذجة للفكر العلمي بحل المشاكل ؟
2 – أبعاد النمذجة
يضطر الفكر العلمي إزاء ظاهرة شاذة لا يملك لها تفسيرا مسبق إلى إنشاء نموذج استكشافي لها أي إلى بناء تمثيل مبسط عنها على وجه المحاكاة يكون منطلقا لطرح أسئلته وللاضطلاع بالإجابة عنها لكن التقدم على طريق الحل لا يتوقف عند نقطة بناء النموذج عن الموضوع قيد الدرس بل يفترض جهدا فكريا، منهجيا مركبا يختلط ويتحاور صلبه النظري بالتجريبي والراهن بالافتراضي ويتوزع هذا الجهد بين :
- البعد التركيبي : بمعنى الاهتمام ببنية النموذج وحسن صياغته منطقيا أي بترتيب وتنظيم فرضيات الحل والتخمينات والافكار بصورة منطقية . يتوسل الفكر العلمي بغرض الاطمئنان على المتانة والسلامة المنطقية للنموذج باجراءات :
+ الترييض : استعمال الرياضيات لغة ومنهجا قدر الإمكان
+ الأكسمة : صياغة مكونات النموذج صياغة فرضية استنتاجية بإقامة علاقات لزوم منطقي
بين مكوناته وجعله نموذجا أكسوميا ( فرضيا استنتاجيا ) قدر المستطاع
+ الصورنة : الصياغة الرمزية لمكونات النموذج بما يضمن متانته وصلاحيته التركيبي

استخلاص : البعد التركيبي يعني أن يهتم الباحث ببنية النموذج وأن يعدلها منطقيا عن طريق اجراءات الأكسمة والترييض والصورنة ضمانا للمتانة التركيبية للنموذج وتحصينا له من أوجه التناقض التي يمكن ان تتسرب إليه .
- البعد الدلالي : تطبيق النموذج على وقائع عينية ومواجهته بمعطيات التجربة والملاحظة للتأكد من صلاحيته التجريبية عبر مكافحة النموذج بالوقائع للتحقق من مدى ملاءمة الحل / التفسير / الفهم الذي يقدمه للمشكل وللنظر في وجاهة اعتماده كحل للمشكل وتعميمه على المشاكل المشابهة .
استخلاص : تأويل النموذج تجريبيا وتطبيقه على وضعيات عينية للتحقق من صلاحيته التفسيرية وملاءمة الحل التي يقدمه للأهداف التي وضع من أجلها وإمكانية تعميمه على ما شابه من مشكلات هو البعد الدلالي للنمذجة العلمية . فإذا كان البعد التركيبي يفترض صعود الفكر العلمي من الحسي إلى المجرد عن طريق الترييض والأكسمة فإن البعد الدلالي يفترض نزوله من المجرد إلى الحسي بغرض التحقق من الكفاءة التفسيرية للنموذج ومن قدرته على التحول إلى نظرية علمية / قانون علمي قادر على تفسير وفهم عديد الظواهر .
استخلاصات :
- التمييز بين البعد التركيبي والبعد الدلالي في النمذجة هو مجرد تمييز منهجي بينما في السير العادي للنمذجة العلمية يوجد تداخل وتفاعل وتكامل دائري بين البعدين على نحو يمنع القول بوجود علاقة تعاقبية خطية بينهما . فالاشتغال التركيبي على مفترضات النموذج يستفيد من التجارب والتجارب تستضيء بالافتراضات النظرية .
- قد لا تقتصر نمذجة موضوع ما على بناء نموذج واحد ولا على توظيف صنف واحد من النماذج الممكنة ولا حتى على وجه واحد من استعماله بل تقتضي النمذجة العلمية من الباحث ( المنمذج ) تنويع النماذج وفق مقتضيات البحث وتنويع استخدامه لها بصفتها تشكيل او رسم موجه او تصميم كما تفرض جاهزيته للتخلي عن بعض النماذج واستبدالها بأخرى عن طريق ألية التعديل والنقد والتصحيح التي هي قوام عقلانية العلم ما يبرر القول إن العلم ينشأ ويتقدم سيرا على جثث النماذج .
- يكشف مسار النمذجة في بعديها التركيبي والدلالي أن المعرفة العلمية ليست اكتشافا لقوانين الوقائع المعطاة عن طريق الملاحظة والتجريب والترييض كما هو الشأن داخل التصور الوضعي للعلم بل هي فعل بناء للوقائع واختراع للنظريات فالحقيقة ليست كنزا نكتشفه بل بناء ننشئه . ما يؤكّد على أن من أهمّ خصائص عقلانية العلم كونها عقلانية بنائية تزاوج بين الواقعي والخيالي بين التجريد والتجريب بين النظري والتطبيقي بين الراهن والافتراضي
- تسمح النمذجة للفكر العلمي مشتغلا في مجال ما باقتباس واستعارة نماذج مجلات واختصاصات أخرى أكثر نضجا ما يؤكد على وحدة الفكر العلمي في إطار تنوع مجالات اشتغاله واختصاصاته وما يكرس إمكانية الدراسة المتعددة الاختصاصات لموضوع واحد .
هل يمكن فصل النمذجة عن الغايات البراغماتية / النفعية للمنذج ؟
- البعد التداولي / البراغماتي
النمذجة العلمية لا تنشد المعرفة للمعرفة ليست فعلا محايدا يزاوله الباحث وقد تحرر من مقاصده ومصالحه وأهدافه البراغماتية بل على العكس النمذجة عادة ما تكون مشروطة بأهداف المنمذج ومشاريعه النفعية أي بمطالب عملية هي خصوصا :
· التوقع والتنبئ بمستقبل الظواهر المنذجة
· التحكم في الظواهر عن طريق عقلنة التدخل في سيرها بما يكرس النجاعة ويوفر مصالح المنمذج أو غيره من مستعملي النموذج
· بل إن البعد البراغماتي / النفعي لا يقل تأثيرا على سير نمذجة موضوع ما عن البعد التركيبي والبعد الدلالي . فالعلم معرفة - مشروع تنشد التحقق ونجاعة التأثير على الوقائع بما يجعلها ملائمة لمصالح الإنسان وطموحاته النفعية . فإذا كان العلم ينشد الحقيقة فإن الحقيقة ابستيمولوجيا النمذجة هي " الفعل عينه " Verum ipsum factum (فيكو)
استخلاص عام :
- عقلانية العلم هي عقلانية النمذجة لأن الفكر العلمي ( أيا كان المجال المعرفي الذي يتحرّك فيه مجال العلوم الصورية أو علوم المادة أو علوم الحياة أو علوم الإنسان ) إنما يشتغل على موضوعات بحثه عن طريق النماذج التي يبنيها . ولكلّ نمذجة علميّة لموضوع ما أو لوضعية / مشكل أبعاد متلازمة ومتكاملة : بعد تركيبي يفترض الترييض والأكسمة والصورنة وبعد دلالي يفترض التأويل التجريبي للنماذج بغرض اختبار كفاءتها على إنتاج تفسير / فهم معقول للظواهر وبعد تداولي/ براغماتي يجليه انشداد النمذجة لغايات المنذج وصلاحيتها النفعية لتحقيق رهان التحكم العملي في الظواهر والفعل فيها بنجاعة .
- عقلانية النمذجة هي عقلانية بنائية يحكمها منطق الاختراع لا منطق الاكتشاف ، مطبقة تهدف إلى الفعل والسيطرة التقنية على الظواهر.وليست عقلانية تأملية تنشد المعرفة للمعرفة .
لكن هل ننتظر من النمذجة العلمية إنتاج حقائق قطعية يقينيّة أم أنّها تقتصر على إنتاج حقائق نسبية متغيرة قابلة للدحض على الدوام ؟ هل النمذجة إجرائية للحصول على اليقين والحقائق المطلقة أم هي اجرائية الفكر الذي يواجه اللايقيني والاحتمالي ؟



4 – الحدود الابستيمولوجية للنمذجة نص : النموذج تبسيط نوفال
نص : النموذج تبسيط نوفال
موضوع النص : قيمة النماذج العلميّة
المستبعدة : الاعتقاد السائد بأن العلم ينشئ تفسيرا شموليا ويقينيا عن الوقائع
المثبتة : النمذجة العلمية هي استراجية إهمال يتوسل بها الفكر من أجل التبسيط العقلاني للواقع المركب وفهمه دون ادعاء تفسيره على نحو شمولي يقيني
المشكل : هل النموذج العلمي تمثيل وفيّ ومطابق للواقع بغرض تفسيره على نحو كلي ويقيني أم هو تمثيل اختزالي وتعبير عن استراجية اهمال تقتصر على فهم الواقع وتبسيطه ؟
العناصر : ما المقصود بأن النمذجة العلمية هي إستراتيجية إهمال ؟
ما هي في ضوء ذلك أهداف النمذجة العلمية ؟
أي دلالة ابستيمولوجية لاعتبار النمذجة إستراتيجية إهمال ؟
التحليل :
1 - النمذجة إستراتيجية إهمال
النمذجة هي السلاح المنهجي الذي يتوسل به العقل العلمي من أجل التصدي للمشاكل التي يطرحها الواقع وإيجاد الحلول لها . وهي حسب بسكال نوفال " إستراتيجية إهمال " أي أنها خطة إجرائية
لا تقتضي :
· أن يبني الفكر العلمي نماذج تمثيلية وفيّة للواقع المدروس تعكس مختلف ثوابته ومتغيراته وترسم كل عناصره ومكوناته فــ " الخريطة ليست الأرض " . النمذجة إذن ليست تعويضا لنسق طبيعي ( ظاهرة ) قيد الدرس بنسق اصطناعي رمزي مماثل له ووفيّ بصفة مطلقة لمكوناته
· أن يلتزم المنمذج بقاعدة " النظر في وضعية من خلال وضعية أخرى مماثلة لها " فالنمذجة لا تخضع لمنطق المماثلة والتناظر الكلي بين النموذج والواقع الذي هو نموذج عنه
· أن تكون النمذجة مثل المجاز : فالمجاز يبرز كل عناصر الواقع المعني عن طريق الرموز . هو عملية ابراز ، اجلاء أظهار عن طريق الرمز بينما النمذجة هي قلب للمجاز فهي إهمال عن طريق الرمز .
بل تقتضي :
· أن يعتمد المنمذج آلية الإخفاء والإغفال والإهمال والانتقاء . فهو لا يمثل الواقع قيد الدرس بكل مكوناته بل ينتقي منه عناصر ويسقط أخرى يهتم بجوانب ويهمل جوانب أخرى .
· أن يلتزم المنمذج بقاعدة " لا تنظروا إلى ذاك انظروا فقط إلى هذا " فالنمذجة العلمية ليست تمثيلا وفيا لكل جوانب الواقع بل هي تمثيل اختزالي يهمل عناصر من الواقع من أجل إبراز جوانب أخرى أكثر أهمية يميز بين جوانب أساسية وجوانب ثانوية بين الثوابت والمتغيرات
استخلاص : النمذجة العلمية حسب نوفال هي إستراتيجية إهمال واختزال أي خطة منهجية / اجرائية تقتصر على إنشاء نماذج تبسيطية اختزالية عن الواقع .
فما هي تبعا لتعريف النمذجة كإستراتيجية إهمال أهداف النمذجة ؟ هل ينبغي أن ننتظر الفوز بمعرفة يقينية عن الواقع ؟ أليست النمذجة سلاحا لمقاومة اللايقين دون ادعاء القضاء عليه ؟
2 – أهداف النمذجة
يؤكد نوفال أن هدف النمذجة العلمية بما هي إستراتيجية إهمال واختزال تحكمها قاعدة " لا تنظروا إلى ذاك انظروا فقط إلى هذا " هو :
· تبسيط الواقع المعقد عن طريق " تفسير المرئي المعقد باللامرئي البسيط " أي أن الفكر العلمي من خلال النمذجة لا يهدف إلى إنشاء تفسير كلي يقيني للواقع بقدر ما يهدف إلى صياغة نماذج تبسيطية عنه. فالتبسيط هو مطلب العقل وليس التفسير اليقيني .
مثال : حينما صاغ نيوتن قانون الديناميكا : القوة = الكتلة في التسارع( ق = ك . س )
فإنه وضع نموذجا تبسيطيا لواقعة فزيائية معقدة هي علاقة القوة بكتلة جسم متحرك في الزمان والمكان فهو إذ وضع هذا النموذج وجه الفكر نحو عناصر محددة من الظواهر الفيزيائية : الكتلة والقوة والتسارع وأسقط عناصر أخرى وأهملها : طبيعة القوة ( ميكانيكية أم يدوية ، جاذبة أم دافعة ) طبيعة المتحرك نسق مادي نسق ميكانيكي كوكب مكان الحركة
· فهم الواقع : النمذجة هي مشروع فهم للواقع وعقلنة للظواهر فالعلم يفهم أي يبسط المعقد وينظم الفوضى فإذا كان التفسير هو المسك بالأسباب الفعلية المنتجة للوقائع فإن النمذجة تقتصر على الفهم أي على إنتاج تصور ترجيحي تقريبي ينظم الوقائع دون ادعاء تفسيرها على نحو مطلق و نهائي .
فمن خلال نموذج القانون النيوتني يمكن أن نفهم أنّه إذا ضاعفنا قيمة الكتلة فإن القوة نفسها تنتج نصف قيمة التسارع ق= ك . س س = ق/ ك . ½ س = ق / 2 ك
· انتاج معرفة اجرائية أي قابلة للاستخدام التداولي بما يؤثر على سير الواقع ويحقق أهداف المنمذج
استخلاص : تبسيط الواقع فهمه وانتاج معرفة اجرائية قابلة للتوظيف من أجل التأثير على الواقع بما يحقق المصالح هي أهداف النمذجة التي لا تزعم البتة إنتاج تفسير يقيني ونهائي . فأي دلالة ابستيمولوجية لاعتبار النمذجة طريقة تنشد انتاج معرفة اجرائية ( بدل المعرفة اليقينية ) ؟
3 – في الدلالة الابستيمولوجية لاعتبار النمذجة إستراتيجية إهمال
يكشف النظر في سير النمذجة ونمط اشتغالها كاستراتيجية اهمال ابستيمولوجيا :
· أن الفكر العلمي هو في جوهره فكر بنائي يشتغل على نماذج من إنشاءه لا على الواقع الخام كما تقدمه الملاحظة ويضاعف العالم الطبيعي بعالم اصطناعي من الرموز والتقنيات هي أدوات الإنسان للسيطرة على الطبيعة وتنظيم وجوده الاجتماعي . فعقلانية العلم هي عقلانية الاختراع لا الاكتشاف
· أن الفكر العلمي ينتج معرفة موضوعية غير محايدة لأنها معرفة / مشروع أي ذات أساس فينومينولوجي هو غايات الباحث وافتراضاته ومصالحه وأساس سوسيولوجي هو السياق الفكري والثقافي والسياسي الذي يجري فيه البحث . فإذا كانت الابستيمولوجيا الوضعية تعزل العلم عن سياقه التاريخي فإن الابستمولوجيا البنائية تفتح العلم على السياقات النفسية والاجتماعية والثقافية لنشأته واشتغاله
· أن موضوعية المعرفة / المشروع التي تنتجها النمذجة لا تقاس بتطابق النماذج والنظريات مع الوقائع بل فقط بالتوافق البيذاتي ( بين العلماء ) على الصلاحية التركيبية والتجريبية وخصوصا التداولية للنماذج المبنية .
· أن قيمة النماذج العلمية لا تقاس بمعيار الحقيقة ( المعرفة اليقينية ) بل بمعيار الصلاحية خصوصا الصلاحية البراغماتية التي تتجلى في القدرة على الفعل في الظواهر والتحكم فيها بما يتلاءم مع مصالح الإنسان " فالحقيقة ليست سوى الفعل عينه "
· أن عقلانية العلم أيا كان مجال اشتغالها هي :
- عقلانية مفتوحة تأبى الاستقرار والاكتمال لها نقطة بداية وليس لها نقطة وصول
- عقلانية نقدية تتعارض مع كل منزع دوغمائي وتتوسل بإجراءات التعديل والتصحيح والدحض
من أجل التقدم والتطور باستمرار
- عقلانية جدلية : يتفاعل داخلها النظري والتطبيقي التجريب والترييض الراهن والافتراضي الذات
والموضوع الوسائل الإجرائية والغايات المعرفية والعملية
- عقلانية نسبية : تتعارض مع مطلب اليقين فهي لا تزعم تفسير الواقع بصفة كلية يقينية ولا مسك الحقيقة بل تقتصر على إنشاء نظريات ونماذج من أجل فهم الواقع فهما عقلانيا والفعل فيه على نحو منظم ومجد بما يحقق مصالح الإنسان واحتياجاته النظرية والعملية لكنها نماذج ونظريات قابلة للتعديل والتصحيح والتجاوز ما يجعل من تاريخ العلم تاريخ تصحيح الأخطاء ومن تقدمه سيرا على جثث النماذج .
لكن ألم تفضي النمذجة العلمية التي تعطي للحقيقة معنى الفعل في الطبيعة والإنسان إلى تخريب الطبيعة وتهديد الإنسان ؟ ألا يستوجب تطور العلم والتقنية وتزايد مخاطرهما استكمال النقد الابستيمولوجي للفكر العلمي بنقده ايتيقيا لكي يتحمل الجميع مسؤوليته الأخلاقية ؟
4 – الحدود الفلسفية للنمذجة
- الايتيقا هي البحث الفلسفي الذي يعنى بالنظر في مبادئ وغايات الممارسات الإنسانية وبتقييم مدى ملاءمتها مع ما يفترض أنه خير أخلاقيا . وهي خطاب يراوح بين تشخيص ملاءمة الممارسة الإنسانية للقيم والمثل الاخلاقية وبين تشريع الواجبات والمحظورات التي يضمن الالتزام بها خلقية الأفعال .
- لا أحد يزايد اليوم على أن عصرنا الراهن هو عصر " العلم الضخم " . فقد تحول العلم والتكنولوجيا إلى قوة حضارية بالنسبة للمجتمعات والدول من أجل التقدم معرفيا واقتصاديا وصحيا واداريا وسياسيا . فالعلم بصفته معرفة للفعل معرفة تماهي بين الحقيقة والنجاعة مكن الإنسان من تحقيق إنجازات كبرى ولكنه أيضا أفرز العديد من المخاطر الجديدة التي تهدد الطبيعة والإنسان في الآن نفسه ، ما يبرر اخضاعه لتقييم ايتيقي صارم للتحقق من مدى احترامه للاحتياجات الانسانية الكبرى : التقدم والعيش في عالم أفضل والخير العام لجميع الناس
- لقد تأسست الحداثة مبدئيا على الثقة المتنامية في العلم والتقنية وفي قدرته على
" تحقيق الخير العام لجميع الناس " وعلى الاقرار ببداهة الشعار " كل ما هو صحيح علميا مقبول أخلاقيا " الذي يفترض التوافق البديهي بين الحقيقة والنجاعة والخير ويؤسس التطور الروحي للبشر على مدى اعتمادهم الفكر العلمي وتطبيقاته التقنية لتنظيم وجودهم الاجتماعي والاقتصادي " جعل الإنسان سيدا للطبيعة ومالكا لها " . فهل أوفي العلم الضخم بوعوده بعد مرور أربعة قرون على اعتماده ؟
- بغض النظر عن الإنجازات الكبرى للعلم الضخم في كافة مجالات الحياة يمكن أن نسجل أن التقدم العلمي والتكنولوجي انتهى عمليا إلى :
- التفصي من التزاماته الأخلاقية عبر اعتبار الأخلاق شأنا خارجا عن اهتمام
العلماء
- الانضباط لمقتضيات تحقيق الخيرات المادية ومتطلبات السيطرة على الطبيعة
والإنسان وفق شروط النجاعة والمردودية والمصلحة
- تحول العلماء إلى خبراء وتكنوقراط تستخدمهم الحكومات والدول في مواقع
التنفيذ والتصرف وتمنعهم المشاركة في اتخاذ القرارات والغايات الخاصة
بالاقتصاد والدفاع والأمن والإدارة
هذه الوقائع تعبر عنها حالة " اللامسؤولية المعممة " بتعبير موران في المجتمعات المعاصرة اي حالة الاستهتار العام بالشروط الأخلاقية / الروحية للوجود الإنساني شأن العيش الكريم في بيئة سليمة والمواطنة العالمية واحترام حقوق الإنسان .
فماهي تبعات حالة اللامسؤولية المعممة ؟
- يمكن رصد نتائج الاستهتار العام بالمقتضيات الأخلاقية في تنامي المخاطر التي تهدد الطبيعة والإنسان على حد السواء جراء العلم الضخم ، شأن :
· التهديد العسكري نتيجة تراكم الأسلحة خصوصا السلاح النووي
· التهديد الاقتصادي جراء استنزاف الثروات الطبيعية وسوء توزيعها
· التهديد الاجتماعي بسبب تفاقم البطالة والتفاوت الطبقي والفقر والمجاعة والأوبئة الاصطناعية
· التهديد الايكولوجي الناتج عن تلوث البيئة وسوء التصرف في النفايات الصناعية
· التهديد الأنتروبولوجي من جهة هيمنة الدول المتحكمة في العلم والتكنولوجيا على بقية الشعوب وفرض نظم عيشها عليها ما يهدد التنوع الثقافي ويهدد العالم بداء التماثل والنمطية
فما السبيل لاستعادة التوازن بين المقتضيات الأخلاقية التي يهددها العلم وبين المقتضيات المادية التي يوفرها ويثريها ؟ كيف يمكن التحرر من حالة اللامسؤولية المعممة ؟
6 – في سبل استرجاع المسؤولية الأخلاقية للعلماء
تقتضي استعادة التحالف بين العلم والايتيقا وتوجيه التقدم العلمي والتكنولوجي نحو " توفير الخير العام لجميع الناس " وتحقيق غايات إنسانية تنأى عن المخاطر المترتبة عن سوء توجيه العلم الضخم وغياب مراقبة استعمالاته اصلاحات جذرية تشمل :
+ مجال البحث العلمي عبر :
- استعادة العلماء لاستقلاليتهم الفكرية والاضطلاع بوظائف التشريع والنقد والمراقبة إلى جانب البحوث المتخصصة . أي التحرر من وضعية التكنوقراط المجندين لخدمة الحكومات
- إحياء العلاقة العريقة بين الحقيقة والخير ووصل ما انفصل بين العلم والأخلاق عبر الاهتداء بمقتضيات الضمير الإنساني سواء في مجال البحث العلمي أو في مجال تطبيقاته على الواقع . " إنتاج علم بضمير " والتحرر من منطق السياسة هو سبيل العلماء للاضطلاع بمسؤولياتهم الأخلاقية إلى جانب مسؤولياتهم العلمية .
- إصلاح جذري لعقلانية العلم في اتجاه استبدال رهان السيطرة على الطبيعة الذي انبنى عليه العلم الحديث برهان تحرير الإنسان كأولوية تعلو على كلّ اعتبار وعبر استبدال عقلانية التخصص بعقلانية تبنى على تعدد الاختصاصات وتحالفها من أجل مواجهة مشكلات الواقع المركبة وعبر فتح نوافذ الحوار بين العلم وبين مجالات الابداع البشري الأخرى شأن الفن والفلسفة والدين باعتبارها تعكس أبعاد أخرى للوجود الإنسان المركب وتحقق احتياجات إنسانية لا تقلّ قيمة عن الاحتياجات التي يشبعها العلم
+ مجال السياسة : بتغليب منطق المصلحة الإنسانية الكونية على منطق القوة والسيطرة والاستنزاف المفرط للموارد الطبيعية والبشرية في مجال إدارة الدول ووضع سياساتها وتوجهاتها واستعادة التفاعل بين السياسة والأخلاق . وبالتوجه أكثر نحو مزيد من الديمقراطية في اتخاذ القرار .
http://j-aime-la-philosophie.blog4ever.com/articles





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1922728 :: Aujourd'hui : 477 :: En ligne : 6