البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2014-02-03
هايدجر: التأويل الفينومينولوجي لنقد العقل الخالص لكانط

yyy


تأتي قراءة هايدجر (1976-1889 ) (Martin Hedegger) لكانط (1804-1724) ( Emmnuel Kant) ضمن قراءته للتراث الفلسفي الغربي السائد منذ أفلاطون حتى نيتشة، ذلك التراث الذي غرق في نسيان السؤال عن الكينونة، هذا السؤال الذي تطارحه الفلاسفة الذين سبقوا سقراط ثم طواه النسيان بعد ذلك، بسبب ما قام به أفلاطون من فصل للكائنات عن كينونات أقامها في عالم المثل ( عالم الأفكار) .إلا أن اهتمام هايدجر بكانط وقراءته له لها ما يميزها عن قراءته لباقي الفلاسفة الذين خصهم بالقراءة ؛ حيث إنه افرد له اهتماما متميزا في كتاباته و اعتبره لحظة أساسية في تاريخ الممارسة الفلسفية؛ خاصة وأنه في نظره يمثل قمة في تاريخ الميتافيزيقا فيما يخص مسألة الكينونة. يقول هايدجر:\" لأن كانط تحققت معه قفزة نوعية في النقاش الذي شهده تاريخ الفلسفة حول مسألة الكينونة من جهة، ومن جهة ثانية ، كون هذه القفزة قد تولدت عن تلك الأمانة التي نجدها عند كانط في علاقته بالتراث الفلسفي، الأمانة التي تحققت معها آفاق جديدة كانت حافزا بالنسبة لنا للتأمل الفلسفي\"(1)
نلاحظ من خلال هذه القولة أن كانط يشكل بالنسبة لهايدجر لحظة أساسية في تاريخ الممارسة الفلسفية وذلك نظرا لطبيعة الموضوعات التي عالجها، ونوع الأسئلة التي طرحها، و كيفية التفلسف التي مارسها ، فضلا عن كونه كان يسير في تجاه التفكير في الكينونة كأنطولوجيا، و من هنا تأتي قيمته كنص فلسفي تلزم قراءتها.
بدأ اهتمام هايدجر بكانط منذ وقت مبكر من حياته الفكرية، و صاحبه هذا الاهتمام عبر مراحل تطور فكره الفلسفي، ويعتبر المقال الذي نشره هايدجر سنة 1912 تحت عنوان \"مشكل الواقعية في الفلسفة الحديثة\" أول نص حول كانط يتعلق بفلسفته النقدية ، كما يكشف عن البداية المبكرة لانشغال هايدجر بفلسفة كانط وعنايته بها، هذه العناية التي تجلت في العديد من الدروس والمحاضرات والمقالات التي تم جمع العديد منها ونشرها في مؤلفات سواء في حياة هايدجر أو بعد وفاته، أما دراسة هايدجر حول كانط التي عنونها بأطروحة كانط حول الكينونة والتي لم تظهر إلا سنة 1962، فتمكننا من القول بأن اهتمام هايدجر بكانط قد امتد عبر خمسين سنة.(2) . وقد انصب في مجمله حول قراءته لنقد العقل الخالص.
أما عن كتابه المعنون ب\" تأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص لكانط\" Interprétation phénoménologique de la Critique de la raison pure de Kant. الذي اتخذناه موضوعا لهذه الدراسة ، فهو عبارة عن دروس ألقاها هايدجر حول كانط بجامعة ماربورغ (Marbourg ) خلال دورة الشتاء للسنة الدراسية 1927-1928 بمعدل أربع ساعات في الأسبوع و لم ينشر إلا سنة 1977، أي سنة بعد وفاة هايدجر، ويشكل الجزء 25 من مجموعة مؤلفاته الكامة، ويتناول فيه هايدجر بالدراسة كتاب كانط نقد العقل الخالص، كما أنه يعتبر كتتمة لكتابه \"المشاكل الأساسية للفينومينولوجيا\" الذي هو أيضا عبارة عن دروس ألقاها هايدجر بنفس الجامعة خلال دورة الصيف لسنة1927 و نشر سنة1975 أي أثناء حياة هايدجر، (ويشكل الجزء 24) ، والتي خصص حيزا مهما منها لعرض وتأويل أطروحة كانط حول الكينونة.
وحتى لما غادر هايدجر جامعة ماربورغ سنة 1928 عائدا إلى فرايبورغ (Freiburg) ليشغل فيها منصب الأستاذية خلفا لأستاذه هوسرل؛ فإن حواره مع ه لم يتوقف. فبعد كتابه كانط ومشكلة الميتافيزيقا الذي أصدره سنة 1929( نشر بعد ذلك في إطار مجموعة المؤلفات الكاملة المجلد4) سيخصص الجزء الأكبر من دروسه لدورة الصيف 1930 لكانط والتي نشرت تحت عنوان : في ماهية الحرية البشرية. مدخل إلى الفلسفة ( المجلد 31). وفي دورة الشتاء 1935/1936 سيخصص هايدجر دروسه التي نشرها سنة 1962 تحث عنوان : السؤال عن الاشيء: حول نظرية المبادئ المتعالية عند كانط ، لتأويل قسم نقد العقل الخالص المخصص لنسق مبادئ الفهم الخالص.وفي سنة 1961 ألقى هايدجر محاضرة نشرها في البداية في طبعة منفردة تحث عنوان نظرية كانط حول الكينونة ، ثم نشرها بعد ذلك في إطار علامات الطريق الذي ضم نصوصا من فترات مختلفة. فضلا عن ذلك فإن كانط يحضر بشكل أو بآخر في كثير من كتابات هايدجر ومحاضراته : في كتابه عن نيتشه ، وفي محاضرات ومقالات، وفي مبدأ العلة، وغيرها.
وتجدر الإشارة إلى أن فهم هايدجر لكانط عرف تغيرا واضحا خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، وذلك ارتباطا بالتحول الذي عرفه تفكير هايدجر بعد ما يعرف عنده بالمنعطف (die kehre) . فإذا كان هايدجر يؤول كانط في المرحلة الأولى الممتدة مابين 1925 و1929 في إطار تحليلية الدزاين ويفسر نقد العقل الخالص تفسيرا فينومينولوجيا معتبرا إياه تأسيسا للميتافيزيقا بوصفها أنطولوجيا أساسية. فإنه في المرحلة الثانية الممتدة ما بين مند 1930 إلى 1962 والتي تدخل ضمن المنعطف حيث أصبح هايدجر يسائل الكينونة التي يشكل الإنسان راعيها ومجال انكشافها، أي أنه أصبح يهتم بإشكالية الوجود وحقيقته، فيمكن القول أنه أهتم بكانط ضمن اهتمامه بمسألة الحداثة، أي ضمن محاولة إبرازه للأسس الميتافيزيقية للحداثة في الفكر الغربي الحديث الذي سادته التقنية والتي هي قمة نسيان الكينونة، حيث اعتبره مؤسس ورائد الحداثة الفلسفية. إنه يربطه بالعصر الحديث من حيث هو عصر تميز بنسيان الكينونة لصالح الكائن وذلك لأن كانط دعا إلى إعادة الاعتبار للفكر التأملي ولكن من خلال الاهتمام بالإنسان في مستواه الميتافيزيقي.

أما عن العلاقة بين الكتابين: كانط ومشكل الميتافيزيقا وتأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص لكانط، فيمكن القول أنهما يندرجان في الأفق الذي فتحه هايدجر في كتابه الكينونة والزمان الذي نشره سنة 1927 ، والذي يعمل فيه على أن يوقظ من جديد السؤال عن الكينونة الذي ظل منسيا في الأنطولوجيا التقليدية.
فإذا كان هايدجر يعمل في الكتاب الأول على تفسير كتاب كانط نقد العقل الخالص باعتباره تأسيسا صريحا للميتافيزيقا ،وبالضبط الميتافيزيقا الخاصة ،لأنها في نظره هي الغاية الأخيرة للميتافيزيقا ، وذلك لأنها تسعى إلى إنشاء معرفة أنطيقية ، أي متعلقة بالكائن. كما أنه يعطي فيه أهمية حاسمة لتحليل كانط للمخيلة المتعالية ولنظرية التخطيطية (Schématisme). و إن كان يأخد على كانط أنه لم يتمكن من القيام بالخطوة الحاسمة لتفكير المخيلة المتعالية كزمان أصلي. فإنه في الكتاب الثاني يعتبر نقد العقل الخالص لكانط كإعادة تأسيس للميتافيزيقا كعلم ، ويتناول فيه بالتفسير والتأويل الإستيتقا المتعالية، و التصورات في إطار المنطق المتعالي. وبالتالي فإنه لا يشكل إعادة إنتاج؛ أو تكرار لما قدمه هايدجر سوء في كانط ومشكل الميتافيزيقا أو في السؤال عن الشيء (1962). إن تأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص لكانط مقارنة مع كانط ومشكل الميتافيزيقا لا يظهر كعرض مفصل ودقيق وواضح على خلاف ما يلمس في كانط ومشكل الميتافيزيقا ، بالإضافة إلى كونه لا يتعرض لتحليلات المبادئ (.Analytique des principes) إلا بكيفية جد مختصرة ومختزلة لا تتعدى الإشارة فقط . على خلاف ما سيفعله في السؤال عن الشيء حيث إنه سيفصل الحديث حول هذه المسألة. وفي مقابل هذا فإننا نجد تأويلا مفصلا وتفسيرا مستفيضا يقدمه هايدجر في تأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص لكانط لكل من الجزء الخاص بـ: الإستيتيقا المتعالية ( (L’Esthétique transcendantaleوالجزء الخاص بـ: تحليل التصوراتL’Analytique des concepts) ).
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب أعدته للنشر السيدة (Ingtraud Görland ) وشرع في طبعه بلغته الأصلية ( الألمانية) منذ سنة 1975، أي سنة قبل وفاة هايدجر، وبعد ذلك ترجم إلى اللغة الفرنسية من طرف (Emmanuel Martineau) ونشر في مطابع Gallimard سنة 1982. تقول الناشرة الألمانية في ملحق لها بآخر الكتاب : ‘‘إن نص هذا الكتاب يعتمد على مخطوط هايدجر الذي لزمت إعادة كتابته ، كما يعتمد على إعادة الكتابة التي قام بها (Hermann Mörchen ) و التي تتضمن إضافات لا نجدها في النص الأصلي الذي تركه هايدجر، وهي عبارة عن ملاحظات وتوضيحات لبعض الرسوم والخطاطات التي كان يستعملها هايدجر في درسه كوسائل ديداكتيكية. كما أن المخطوط الأصلي الذي خلفه هايدجر غير مقسم إلى أقسام وفصول متطابقة مع مضمونه، وأن العناوين القليلة التي يتضمنها ترجع إلى التقسيمات الأساسية لنقد العقل الخالص ذاته’’(3).
أما عن العناوين التي يتضمنها فهرس الكتاب فليست من وضع هايدجر بل من وضع الناشرة الألمانية التي تقول في هذا الصدد : \"وقد كانت العناوين التي أثبتناها تفرض نفسها إما انطلاقا من القضايا التي يستخلصها هايدجر من تحليله للنص الكانطي، والتي يجعل منها برنامج ما سيتلو ذلك من تأويلاته، أو انطلاقا من هذه النقطة أو تلك التي تلخص بشكل يفرض محتوى هذا الجانب أو ذاك من الدرس\" (4)
نقرأ في الاعتبار التمهيدي للكتاب \"أن الغاية من هذا الدرس هي الوصول إلى فهم فلسفي لنقد العقل الخالص لكانط، أي أن نتعلم التفلسف...إن فهم كانط بكيفية جيدة يعني أن نفهمه أكثر مما فهم هو نفسه...إن تأويلنا ينصب على مؤلف كانط الذي يشكل مركز عمله الفلسفي ... يجب علينا أن نفهم الإشكالات الأساسية لعمله الفلسفي، أي أن نتعلم التفلسف (5).
بالنسبة لفهمه لفلسفة كانط يذكر هايدجر أن كانط قد قال ذات مرة في معرض حوار خلال سنواته الأخيرة:\" جئت بكتاباتي متقدما بقرن من الزمان . ولن تفهم هذه الكتابات كما يجب إلا بعد مائة سنة. آنذاك، سيشرع من جديد في تلقي كتبي ودراستها \"(6).
ثم يتساءل هايدجر عن هذا القول هل يعني زهو وغرور من يتكلم بجد؟ أم هو الاعتزال التام لمن لم يفهم من طرف معاصريه ؟. ثم يؤكد هايدجر أن كل واحدة من هاتين الخاصيتين بعيدة كل البعد عن طابع كانط. ما يعبر عنه كانط من خلال هذا القول هو الفهم الحي الذي كان لديه عن الكيفية التي بها تتحقق الفلسفة وينتشر تأثيرها. تنتمي الفلسفة إلى المساعي الإنسانية الأكثر أصلية. بصدد هذه المساعي لاحظ كانط ذات مرة أنها تدور في دائرة دائمة وتعود من جديد إلى نقطة سبق أن كانت فيها، وهكذا يمكن أن تحول المواد الولية التي يلفها الآن الغبار إلى بناء رائع.
يتبين من خلال القول أن غاية هايدجر من قراءته نقد العقل الخالص لكانط هي محاولة فهمه له بشكل جيد. فهما أكثر مما فهمه كانط نفسه، إلا أن هذا الفهم بهذه الكيفية لا يمكن أن يتم إلا إذا كان الذي نريد فهمه بكيفية جيدة يسمح بذلك. وهذا امتياز للشيء الذي نريد فهمه وليس نقصا.إن فهم كانط بكيفية جيدة حسب هايدجر يعني السعي إلى بلوغ ما أراد كانط قوله، لكن ليس من أجل الوقوف عند أوصافه بل العودة إلى الأسس الأصيلة لما يريد قوله.
يرمي نقد العقل الخالص، حسب هايدجر، بنور جديد على الفلسفة السابقة حتى العصور القديمة، كما أنه أعطى للعصور المقبلة نقطة انطلاق لإشكالية فلسفية جديدة. إن فهم النص الكانطي يتطلب الاستئناس به. يقول كانط لا أحد يستطيع أن يقدم معرفة إلا إذا كانت له عليها فكرة أساسية لكنه يكون من النادر أن يتطابق التعريف الذي يعطيه لهذه المعرفة في بداية الأمر، لأنها تكون في الذهن كالبرعم كل أجزاءه تكون لا تزال مختفية.
ويرى هايدجر أنه لا يجب علينا أن نقف عند المعنى الخارجي لكلام كانط باعتباره مؤسسا للفلسفة المتعالية، ولكن يجب علينا أن نفهم هذه الفكرة. إن الفهم الجيد لا يمكن أن يتم إلا إذا كان الذي يرغب في فهمه يحتوي ما يمكن معرفته، إن تأويل كانط حسب هايدجر يعني الدخول معه في مناقشة. إن فهم المسائل الأساسية لعمل كانط الفلسفي يعني حسب هايدجر تعلم التفلسف.
يمكننا أن نفهم أن غاية هايدجر من قراءته هذه لنقد العقل الخالص تجمع عدة غايات يمكن إجمالها كالتالي:
1- تكوين معرفة عن نقد العقل الخالص
2- ولوج المشاكل الفلسفية الأساسية
3- التمرس على التأويل الفينومينولوجي
4- دراسة الأبحاث الفلسفية بكيفية فلسفية ( أي ممارسة التفلسف)
إن خاصية التأويل كتأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص تهدف إلى إثارة نقاش تأويلي مع كانط من خلال الإشكالات الفلسفية التي انشغل بها هايدجر.
قبل أن يمر هايدجر إلى تأويل محتوى نقد العقل الخالص يقدم إشارة مختصرة للأدوات المهمة: طبعات مؤلفات كانط، والطبعات المختلفة لنقد العقل الخالص ، والتعليقات الأساسية.
وفي المقدمة يعلن أن \"نقد العقل الخالص ليس شيئا أكثر من إعادة تأسيس الميتافيزيقا كعلم. \".(7)
ويمكنا أن نستشف من هذا القول أن الهدف من هذا الكتاب لا يخرج عن نطاق الهدف من الكتاب المشار إليه آنفا كانط ومشكل الميتافيزيقا. هناك وحدة بين الكتابين على مستوى الموضوع والمنهاج ، وهذا واضح من خلال ما يصرح به هايدجر نفسه في الكتابين حيث يعتبر نقد العقل الخالص إعادة تأسيس للميتافيزيقا باعتبارها علما، بل هناك تكامل بين الكتابين.
ينقسم كتاب تأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص لكانط إلى مقدمة وقسمين:
المقدمة تحمل العنوان التالي: نقد العقل الخالص كإعادة تأسيس الميتافيزيقا كعلم
والقسم الأول يحمل عنوان: الإستيتيقا المتعالية.
وينقسم إلى فصلين: الفصل الأول يحمل عنوان: وظيفة الحدس في المعرفة التركيبة القبلية.
والفصل الثاني يحمل عنوان: تأويل فينومينولوجي للإستيتيقا المتعالية.
وينقسم إلى جزأين، الجزء الأول يحمل عنوان: تحليل المفاهيم في المنطق المتعالي.
وينقسم إلى فصلين الفصل الأول يحمل عنوان: دلالة المنطق المتعالي.
والفصل الثاني يحمل عنوان: دلالة التحليل المتعالي.
أما الجزء الثاني فيحمل عنوان: تأويل فينومينولوجي للتحليل المتعالي للتصورات
وينقسم هو أيضا إلى فصلين، الفصل الأول يحمل عنوان: مجال أصل المقولات وارتباطه بالأحكام كوظيفة للربط.
والفصل الثاني يحمل عنوان: كشف أصل المقولات كإظهار لخاصيتها الأنطولوجية.
وللإشارة فالكتاب لا يحتوي على خاتمة ولكنه مذيل بملحق للناشرة الألمانية ،وهو ما سبق أن اشرنا إليه لما تعرضنا للعلاقة مابين تأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص وكانط ومشكل الميتافيزيقا.
1 - نقد العقل الخالص كإعادة تأسيس للميتافيزيقا كعلم
في مقدمة هذا الكتاب \"تأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص\" التي تندرج تحت هذا العنوان نفسه \"نقد العقل الخالص كإعادة تأسيس للميتافيزيقا كعلم\" يعرض هايدجر توجه تأويله في درسه هذا الذي ينضاف لخاتمة سابقه أي لكتاب المشاكل الأساسية للفينومينولوجيا. إلا أنه يقترح تحديدا أكثر تفصيلا للعلاقة بين العلم الوضعي و الفلسفة العلمية أو الأنطولوجيا، والأنطولوجيا الأساسية. وفي المقدمة عرض بشكل واضح للعلاقة التي تجمع فهم الكينونة ما قبل - الأنطولوجية للدازاين مع مشروع تشكل كينونة أي مجال محدد للكائن، حيث تتم معاملة هذا الكائن كشيء. إن تكون الموضعة « L’objectivation » يتم التمثل لها بناء على تكون العلم الحديث ،أي الرياضيات، للطبيعة. هذه الموضعة مثلها مثل الكائن \"الطبيعة\" يجب أن تأسس في أونطولوجيا كموضعة لكينونة هذا الكائن. وهكذا يتجلى مشكل \"نقد العقل الخالص\" كإعادة تأسيس للميتافيزيقا الخاصة كعلم للكائن ما فوق الحسي، بارتباط مع ذلك مثل مسألة شروط إمكانية قيام علم للكائن بوجه عام. كل معرفة أنطولوجية مؤسسة تتضمن توسيعا لمعرفة الكائن ولكن مستقلة عن التجربة أي خالصة (الأحكام التركيبية القبلية). كيف يمكن لفهم كينونة الكائن، وللأحكام التركيبية القبلية، وللمعرفة الأنطولوجية المتعالية أن تكون ممكنة؟. هذه الأسئلة تشكل المشكلة الأساسية لنقد العقل الخالص. بالنسبة لكانط ليست إعادة تأسيس الميتافيزيقا كعلم مجرد إعادة تأسيس للأونطولوجيا، بل تظهر في تنفيدها ذاته في الوقت ذاته كتقليص للمعرفة الممكنة قبليا بواسطة العقل الخالص،أي كنقد.
إن كتاب هايدجر السالف الذكر أي كانط ومشكل الميتافيزيقا يترك جانبا ، في عرضه المركز، تقسيمات هذه المقدمة المرتبطة \"بدلالة تأسيس علم\" و \"العلاقة الموجودة بين تأسيس علم والفلسفة\"، بحيث يقدم هذا الدرس مدخلا أكثر شساعة بالنسبة لهايدجر في تأويله لكانط.
يستهل هايدجر مقدمة الكتاب بالتذكير بتاريخ صدور نقد العقل الخالص (1781) وبعلاقة كانط بمؤلفه هذا، الذي وقف منه معاصروه حائرين، أمام تساؤلاته السامية، ومفاهيمه الدقيقة، ولغته الجديدة، وإشكاليته المعقدة التي جعلته يتجاوز كل الكتابات الفلسفية السائدة. رغم أن مقاصد هذا الكتاب الأساسية لم تفهم فإنه أثار ردود فعل أدت بكانط إلى كتابة كتابه \"مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علما\" سنة 1783 وذلك من أجل مساعدة قرائه على فهم كتابه \"نقد العقل الخالص. وفي سنة 1787 أصدر كانط الطبعة الثانية وأضاف إليها تصديرا جديدا ومقدمة أكثر تفصيلا من اجل إغناء وتوضيح محتويات كتابه. ويصرح هايدجر أنه سيتخذ الطبعتين كقاعدة. كما يقول إن التصدير والمقدمة لا يكتبان عادة إلا بعد الانتهاء من كتابة مضمون الكتاب، ولذلك فإنه يفضل ألاشتغال مباشرة على المضمون، وهذا ما يؤكده حين يقول: \"إن تأويلنا لا يتوقف عند التصدير والمقدمة، ولكنه يبدأ من الجزء الذي يشكل المبحث الحقيقي للكتاب\".(8)
وبعد ذلك يتساءل عن معنى نقد العقل الخالص، ثم يضيف قائلا إن الجواب عن هذا السؤال يستوجب معرفة مقصد الكتاب أولا. إذا كان هذا الكتاب هو المؤلف المركزي لأعمال كانط الفلسفية، فإنه ينبغي أن يكون قد نتج عن مجهوداته الفلسفية الأكثر أصالة.
يمكن تلخيص اعتقاد كانط الأساسي بصدد جوهر الفلسفة؛ بكيفية مختصرة؛ على الشكل التالي: الفلسفة ميتافيزيقا. نقد العقل الخالص ما هو إلا إعادة تأسيس للميتافيزيقا كعلم.
وبعد ذلك يتساءل: ما هي الميتافيزيقا؟ ماذا تعني إعادة تأسيس العلم بصفة عامة؟ لماذا إعادة تأسيس العلم هو نقد للعقل الخالص؟.
يرى هايدجر أن الأجوبة على هذه الأسئلة ستمكنه من إعطاء توضيح مركز لإشكالية نقد العقل الخالص.كما أنه سيعتمد التأويل الفينومينولوجي كمنهجية لمقاربة هذا المؤلف. وهكذا سيتناول الميتافيزيقا وأساسها وشكلها العلمي، وهنا سيتساءل عن الحدود التي تجعل الميتافيزيقا تشكل مركز الفلسفة، وعن الشكل الذي ستكون عليه باعتبارها هذا المركز.
ما يحدده كانط كمنهاج للفلسفة المتعالية ليس إلا بلورة التحديدات الأنطولوجية لميدان أو أكثر، من ميادين الكائن، أي بلورة الأنطولوجيا الجهوية. وذلك ما يقوله كانط بشكل مباشر: \"إن الأنطولوجيا هي ذلك العلم الذي يقدم نسقا يضم كل التصورات المتعلقة بالفهم وكل المبادئ، ولكن فقط في الحدود التي تربط فيها بأشياء يمكن أن تدركها الحواس وبالتالي يمكن تبريرها بالتجربة\"(9). وبالمقابل يسمي كانط بشكل مباشر الأنطولوجيا التقليدية باسم \"الفلسفة المتعالية للقدماء\" إن عبارة الفلسفة المتعالية ليست إلا تعيينا آخرا للأونطولوجيا وتحديدا آخرا للمسلك الأونطولوجي.
والحال أن نقد العقل الخالص الذي يهتم بشكل عام بتأسيس إمكانية الأحكام التركيبية القبلية، ليست بعد بذاتها هي الفلسفة المتعالية، ولكنها ترسم بشكل معماري، أي انطلاقا من المبادئ الخطاطة الكاملة للفلسفة المتعالية(10). إن العقل الخالص موجود في الحقيقة لأجل الأحكام التركيبية ومن اجل إمكانية هذا التركيب، ولهذا يقول كانط في تمهيد الطبعة الثانية لنقد العقل الخالص \"إن النقد معالجة منهجية وليس نسقا علميا (للفلسفة المتعالية) ذاتها\". إنه يعالج مدى إمكانية قيام معرفة أونطولوجية بشكل عام والكيفية التي يمكن أن تطبق بها هذه المعرفة الأنطولوجية في مجال الفلسفة المتعالية بكامله.
إن نقد العقل الخالص هو إعادة تأسيس الميتافيزيقا كعلم مما ينجم عنه أن الميتافيزيقا هي إعادة تأسيس لعلم بالكائن بشكل عام، وذلك يتطلب أن تكون الميتافيزيقا إعادة تأسيس الجزء الأساسي من العلم بالكائن بشكل عام، أي إعادة تأسيس للمعرفة القبلية بشكل عام، أي إعادة تأسيس ماهية هذا الجزء الأساسي: العلاقة بالأشياء، أي أن تكون بحثا متعاليا باعتبارها إعادة تأسيس للفلسفة المتعالية أو أونطولوجيا، أن تكون إعادة تأسيس متعالي للأونطولوجيا.
لا تنحصر مشكلة النقد في إطار المعرفة العامة بل تتحدد في إطار الجزء الأساسي لكل معرفة بالكائن، المعرفة التركيبية القبلية في منظورها المتعالي أي الأنطولوجيا. ومن هنا مصدر تسمية الإستيتيقي والمنطقي المتعالي، الذي يعني أننا في نفس الوقت أمام إستيتيقا ومنطق أونطولوجي. ونجد أخيرا أن الإستيتيقا المتعالية تنقسم بدورها إلى قسمين يتعلق الأول بالمكان والثاني بالزمان. فبأي معنى تشكل معالجة هاتين الظاهرتين الإستيتيقا المتعالية؟ يبقى هذا الأمر غامضا أما بالنسبة للمنطق المتعالي فهو الجزء الثاني من مقولة العناصر التي تنقسم على قسمين: التحليلية المتعالية وبعدها الدياليكتيك المتعالي. هذا التقسيم للمنطق بالإضافة إلى باقي انقساماته سيخضع بدوره للتأويل بشكل تفصيلي.
2- الإستيتيقا المتعالية
في تقديمه للإستيتيقا المتعالية يحدد كانط مهمة هذه \"لأخيرة بمصطلحات لا تقود بشكل مباشر إلى فهم ارتباطها بالمشكل الأساسي للنقد. ولن يتبين هذا الارتباط إلا في الخاتمة التي أضافها كانط للطبعة الثانية. في هذه الخاتمة يحدد كانط الدور العام للفلسفة المتعالية. يقول هايدجر: \"وهذا الدور وهذه المهمة هما المشكل الذي سبق أن حددناه ولو بشكل مؤقت وهو أن كانط ينعث الإستيتيقا المتعالية باعتبارها إحدى الأدوات المقترحة لحل هذا المشكل\". ولذلك يلزم أن نتساءل حول مدى ما تضيفه هذه الإستيتيقا المتعالية لهذا الحل.(11)
يقسم هايدجرالجزء الذي يعنونه بالإستيتيقا المتعالية إلى فصلين: الفصل الأول يخصصه لوظيفة الحدس في المعرفة التركيبية القبلية، والفصل الثاني يخصصه للتأويل الفينومينولوجي للإستيتيقا المتعالية.
في الفصل الأول يتعرض للعناصر التالية:
- الحدس كخاصية جوهرية أولية للمعرفة بشكل عام.
- الحدس كخاصية للمعرفة بشكل عام.
- دلالة الحدس (عملية الحدس كفعل متناهي أو لا متناهي).
- الحساسية والفهم باعتبارهما أصلين للمعرفة البشرية.
- المعرفة التركيبية القبلية ومطلب الحدس الخالص القبلي.
- الحدس التجريبي والحساسية.
- الفينومين كموضوع لحدس تجريبي وما يميزه عن الشيء في ذاته.
- الزمان والمكان كشكلين من الأشكال الخالصة للحدس.
يتبين من خلال هذه العناصر التي يعالجها هايدجر في هذا الجزء من القسم الأول من كتابه \"تأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص لكانط\" أنه يفسر الجزء الخاص بالإستيتيقا المتعالية من كتاب كانط \"نقد العقل الخالص\" وقد كان لا يفوته أن يقدم بعض التعاليق أو بعض الشروحات من اجل توضيح موقف كانط أو نقده أحيانا. وفي هذا الإطار نجده يقول عن المكان والزمان عند كانط: سيكون من اللازم من اجل توضيح كيف يتم عرض المكان والزمان بنفس الطريقة عند كانط وذلك من خلال أربعة توضيحات متوازية. ولذلك أهميته أولا من اجل فهم التصور الكانطي للزمان. إن الزمان ليس مطابقا بأي شكل من الأشكال للمكان، وعلى العكس من ذلك يتبين في الإيستيتيقا أن هناك أسبقية نوعية للزمان على المكان. وحتى في باقي الأجزاء الداخلية للنقد يتجلى الزمان إنما باعتباره الجزء الأساسي للإشكالية المتعالية أي الأنطولوجيا. ومع ذلك نجد في البداية أن الزمان يتم النظر إليه بالموازاة مع المكان: إن الكائن الذي يتم إدراكه يوجد داخل الزمان. إنه زماني: عندما يتحول الزمان عند كانط إلى مشكل فإنه لا ينظر إليه إلا كما ينظر للكائن الذي تم إدراكه داخل الزمان.
ويضيف هايدجر قائلا :\"إن النتائج الأساسية حول ماهية المكان والزمان توصل إليها كانط مند رسالته لسنة 1770\".(12)
3- تأويل فينومينولوجي للإستسيقا المتعالية
يقسم هايدجر تأويله الفينومينولوجي لنقد العقل الخالص إلى ستة عناصر:
1- توضيح العرض الميتافيزيقي للمكان والزمان.
2- تحليل المكان والزمان باعتبارهما شكلين خالصين للحدس.
3- تحديد الفرق بين صورة الحدس والحدس الصوري.
4- التفسير المتعالي للمكان والزمان.
5- أسبقية الزمان كصورة للحدس على المكان
6- خلاصة مجموع خصائص المكان والزمان: حقيقتهما التجريبية، مثاليتهما المتعالية.
يعلن هايدجر أنه سيعتمد في تأويله، عرض الطبعة الثانية والذي لا يضيف حسب رأيه جديدا للطبعة الأولى، ما عدا تمييزه الواضح للعرض الميتافيزيقي والمتعالي.
ما يمكن استخلاصه من هذا العرض هو:
أن المكان هو الشكل الخالص للحدس الخارجي وأن الزمان هو الشكل الخالص للحدس الداخلي، إن الزمان لا يمكن أن يكون تحديدا من تحديدات الظواهر الخارجية \"إنه لا ينتمي لا إلى شكل ولا إلى وضعية\". وذلك لأن الحدس الداخلي لا يفضي إلى أي شكل. إننا نتمثل نتائج الزمان كخط يمتد إلى ما لا نهاية حيث يشكل المتعدد والمختلف سلسلة واحدة ذات بعد واحد ونتوصل إلى خصائص هذا الخط في علاقتها بخصائص الزمان علما بان خصائص الزمان متتالية وخصائص الخط متزامنة، ومن هنا يتبين أن تمثلات الزمان هي بدورها عبارة عن حدس لأن كل هذه العلاقات يتم التعبير عنها في الحدس الداخلي.
ويمكن أن نحتفظ بالقضية التي تقول إن الزمان لا يمكن أن يكون محددا للظواهر الخارجية، غير أن كانط يقول بعد ذلك أن الزمان هو الشرط الصوري القبلي لكل الظواهر في كليتها، أي للظواهر الداخلية والخارجية معا. ومن هنا فإن الزمان له الأولوية على المكان، إن هذا الأخير ليس شرطا صوريا إلا لما هو فيزيائي، أما الزمان فهو على العكس من ذلك شرط لما هو فيزيائي ونفسي في آن واحد. كيف يمكن للأطروحتين أن تكونا منسجمتين ؟على أي أساس يؤسس كانط أسبقية الزمان على المكان؟
هناك أمر مثير عند كانط حين يعترض على كون الزمان محددا للظواهر الخارجية، في حين إننا حينما نقول أمرا عن الطبيعة ؛ نقول عن النجوم مثلا إنها تتحرك في الزمان، ونقول عن التغيرات الطبيعية إنها تجري في الزمان؛ مثل الولادة والانقراض والنمو والانحطاط ...إلخ) من جهة أخرى يصعب علينا أن نقول بشكل واضح إن كانط يريدنا أن ندرك ظواهر الحدس الخارجي باعتبارها خارج الزمان ما دامت أطروحته الثانية تثبت على النقيض من ذلك أن \"الزمان هو الشرط الصوري والقبلي لكل الظواهر عامة\". إن الأطروحة الأولى تنتزع من الكائن الفيزيائي الخاصية التي تجعله داخل الزمان، بينما الأطروحة الثانية تثبت هده الخاصية للكائن الفيزيائي.
كيف يمكن أن نوفق بين هاذين التصريحين المتعارضين؟ هل ينحي الإثبات الأول الذي يؤكد أن الزمان لا يمكنه أن يكون محددا للظواهر الخارجية الإثبات الثاني الذي يؤكد أن الزمان يحدد كل الظواهر، الداخلية منها والخارجية؟ بالنسبة للمكان إنه حقيقي ومحدد باعتباره شرطا صوريا وأوليا للظواهر الخارجية، هذه الخيرة وحدها توجد في المكان بمعنى الامتداد المكاني والتحفيزي، مكان مفكر فيه مكانيا. وبالمثل هل يتحدد الزمان بواسطة تمثلاتنا وحالاتنا الداخلية؟
أعطى كانط ،ابتداء من الإستيتيقا المتعالية ،الأسبقية للزمان.
إن الأطروحة التي تتمحور حول الزمان باعتبارها شكلا كونيا لكل ما يتم تمثله لا يأخذ معناه إلا داخل المنطق المتعالي وامتداده الأونطولوجي الأساسي.
4- تحليل التصورات في إطار المنطق المتعالي
يلجأ هايدجر في هذا القسم أيضا إلى توضيح وتفسير القسم الثاني من كتاب كانط. نقد العقل الخالص المعنون ب \"المنطق المتعالي\" ويركز على العنصر الخاص بتحليل التصورات، أما تحليل المبادئ فلا يتعرض له هايدجر في كتابه هذا كما سبق أن أشرنا إلى ذلك سابقا، إلا بشكل مختزل لا يتعدى الإشارة فقط. على خلاف ما سيفعله لاحقا في كتابه \"السؤال عن الشيء\".
يتعرض هايدجر في الفصل الأول من الإستيتيقا المتعالية إلى تحديد دلالة المنطق المتعالي وفي الفصل الثاني يتعرض إلى تحديد دلالة التحليلية المتعالية ليخلص بعد ذلك في الجزء الثاني إلى تأويل فينومينولوجي للتحليلة المتعالية للتصورات.
5- التأويل الفنومينولوجي للتحليلية المتعالية للتصورات
لقد توصل هايدجر من خلال تأويله لتحليل التصورات عند كانط إلى أن هذا الأخير يريد أن يبرز أين تتواجد التصورات الخالصة للفهم في خدمة الفهم الخالص، نفس الأمر ينطبق على التصورات الخالصة. غير أن هذه التصورات لكي تؤدي وظيفتها؛ يجب على الحدس الخالص في علاقته بمختلف التصورات التي تنجم عنه؛ أن يتم تصوره قبليا بالنسبة للتصورات التي يمكنها أن تؤدي وظيفتها في تحديد خصائصه الخالصة.
هذا ما يقود كانط إلى أن يبرز كيف تندرج التصورات الخالصة لفهم، بناء على وظيفتها الخدماتية، في إطار التركيب الخالص للخيال. وبعبارة أخرى، إذا كان ما يجب تحديده هو محتوى هذه التصورات الخالصة، فمن الضروري أن يتم الرجوع إلى هذا التركيب الخالص للخيال. بعد ذلك فإن التفكير الذي أورده كانط والذي بناء عليه يعتبر محتوى التصورات الخالصة للفهم تفكيرا (ما أو آخر) يجب أن يتلقى تشكلة جديدة وواضحة قائمة على هذا التأويل: إن محتوى التصورات الخالصة للفهم هو هذا التركيب الخالص أو ذاك غير أنه بناء على التأكيد الكانطي، فإن وحدة التركيب تصادف وظيفة وحدة إشكال الأحكام التي إذا أخذت في مجموعها وفي اقتصاديتها، يمكن أن تكون مؤشرا على تكاملية، وعلى انقسام التصورات الخالصة للفهم. ذلك هو المعنى الوحيد والمشروع لتسمية اكتشاف التصورات الخالصة للفهم المطبقة على لوحة الأحكام \"الخيط الهادي\": Fil conducteur أما أصلها فهو على خلاف ذلك يتم التوصل إليه انطلاقا من التركيب الخالص المرتبط بزمن الخيال. وذلك هو ما يجعل كانط يستمر قائلا \"بهذه الكيفية ينشأ بالضبط عدد من التصورات الخالصة للفهم والتي تنطبق قبليا على موضوعات الحدس بشكل عام، بقدر ما يوجد بالضبط من الوظائف المنطقية في كل الأحكام الممكنة في اللوحة السابقة. لأن هذه الوظائف تستنفد الفهم بشكل كامل وتشكل مقاييس قدرته الشاملة\"(13).
هكذا تم أخيرا التوصل إلى ما توضحه لائحة المقولات، ويتمثل ذلك في أمرين أساسين: يتجلى أولهما في أن كانط يريد أن يبرز المصدر الأصلي الوحيد لتصورات الفهم الخالصة بشكل عام. وهو التركيب الخالص. والثاني يتمثل في كون كانط يرغب في التأكد من كمالية وانقسام تصورات الفهم التي تنشأ عن ذلك المصدر الأصلي الوحيد(14). في المقابل لم يكن غرض كانط إطلاقا هو أن يستنتج بشكل فوري تصورات الفهم المأخوذة بشكل خاص من مصدرها الأصلي – إذا أخذنا بعين الاعتبار المهمة المركزية الوحيدة لأبحاثه-، أي الكشف عن أسس أونطولوجية عامة، فإن كل ما يشغل بال كانط هو تحديد الآفاق الموجهة للإشكالية الأنطولوجية، غير أن تحديد أونطولوجيا بهذا الشكل، والتي يقلل كانط من قيمتها، حينما يتكلم بنوع من الاستخفاف، هي عبارة عن عقوبة لا تخلو من فائدة. إن نية كانط هي إقامة أونطولوجيا على أسس جديدة تيسر إنجازها اعتمادا على الدراسات الأنطولوجية، ويرى بالفعل أن الخانات الفارغة موجودة، ولا يتبقى أمامنا إلا ملأها.
هكذا يتبين أن توظيف نسق التصورات الخالصة للفهم لا يشكل حسب كانط، كما يتجلى في نقد العقل الخالص، هدفا أساسيا .هذه التصريحات تبرز في نفس الوقت ثقة كانط الكاملة في المعطيات التقليدية للأنطولوجيا.
لا يتبقى إلا أن نضيف ملاحظة واحدة: إن التصورات الخالصة للفهم والتي يرتبط مصدرها الأصلي مع وظائف الحكم قد أصبحت حاليا واضحة، وقد أصبح كانط يسميها مقولات \"نسمي هذه التصورات حسب أرسطو مقولات ما دام أن هناك تطابقا تاما بين هدفنا وهدفه رغم التباعد الموجود بيننا على مستوى التنفيذ\"15).

لنأكد مرة أخرى أن كانط في تحليله المتعالي للتصورات لا يولي أهمية للكشف عن أصل المقولات. وفي هذا الإطار يقول \"إني أتخلى في هذه المعالجة عن تقديم تعريف لهذه المقولات رغم قدرتي على ذلك\" ويتساءل هايدجر لماذا يضع كانط مسافة بينه وبين الكشف عن أصل هذه المقولات؟ هل يرجع ذلك إلى أن هذا العمل قد يذهب به بعيدا، الأمر الذي ليس ضروريا؟ أم أن هناك دوافع أكثر عمقا وراء ذلك؟ وقد يكون من الحسن أن نقول هل لو كان كانط يرغب في ذلك لقام بهذا الكشف عن أصل تلك المقولات؟ والجواب بالنفي، لأن كانط لم يتجاوز البعد العام للموطن الأصلي، فهو لم يتمكن من إبراز الكيفية التي يرتبط بها التركيب الخالص للخيال مع التعددية الزمانية ولا لماذا يلزم أن يرتبط بها.
كل هذا لم يحدده كانط إلا بشكل غامض وممنهج ومع ذلك فإن هذا هو ما يجب أن نسلط عليه الأضواء كي يصبح المصدر الأصلي للمقولات محددا بشكل واضح، والذي بناء عليه يمكن أن نتمكن من تعيين المقولات.
أما بخصوص الفصل الخاص بالتخطيطية فيقول هايدجر \"لقد عالجنا مسألة التخطيطية بنفس الكيفية التي أولنا بها الإستيتيقا المتعالية والتحليلية المتعالية، وبشكل خاص، الجانب المتعلق بالاستنتاج المتعالي، وحسب التقديم الكانطي، فإن التخطيطية تعتبر أساسا للاستنتاج المتعالي، رغم أن كانط نفسه لا يدرك الأمر على هذه الشاكلة، أما إذا نظرنا إلى التخطيطية من منظورنا الخاص فإنها تمثل العلامة التي تبين الإطار الأصلي للتأسيس الراديكالي لإمكانية المعرفة الأنطولوجية. (16)
يمكننا أن نستنتج أن كتاب تأويل فينومينولوجي لنقد العقل الخالص لكانط يندرج ضمن المؤلفات التي كتبها هايدجر قبل1930 إلى جانب كل من كانط ومشكل الميتافيزيقا والمشاكل الأساسية للفينومينولوجيا. هذه المؤلفات التي خصصها هايدجر، كما سبق أن أسلفنا، لقراءة كتاب كانط نقد العقل الخالص والتي تدور كلها في فلك الكينونة والزمان حيث كان هايدجر يسائل الإنسان للوصول إلى الكينونة وهذا ما نلمس فيه اعترافا ضمنيا من طرفه لكانط بالأسبقية الأنطولوجية للسؤال عن الكينونة كما أنه يرى فيه الفيلسوف الوحيد الذي كان في الطريق للتفكير في الكينونة كزمان. وهذا ما يتبين مما من خلال ما صرح به هايدجر نفسه حين قال: \"لما رجعت منذ بضع سنوات إلى قراءة نقد العقل الخالص لكانط على خلفية فينومينولوجيا هوسرل انفتحت عيناي وتأكد لي بذلك سلامة الطريق الذي كنت أبحث من خلاله\"(17).
ولعل هذا ماجعل \"ألان رينوAlain Renaut \" يقول عنه :\" إن هايدجر بتأويله للعقل الخالص لكانط تأويلا فينومينولوجيا ، جعل من كانط فينومينولوجيا قبل الأوان\".(18)


من المغرب، باحث في الفلسفة بجامعة هنريش هاين ، دوسيلدورف،ألمانيا.*

هوامش

1-Heidegger : La thèse de Kant sur l’Etre, in Question II, Gallimard.19868.p.379
2-Henri Declève : Heidegger et Kant. Martinus Nijhof/LA HAYE/1970.P.21
3-4- Heidegger : Interprétation phénoménologique de la critique de la raison pure de Kant-(trad. Emmanuel Martineau)-Gallimard-1982.p :375
5-6- Ibid. p :2
أورده هايدجر في نفس الصفحة *
7-8- Ibid. p :32
9-هذا القول أورده هايدجر في كتابه: تأويل الفينومينولوجي لنقد العقل الخالص لكانط .ص:70-71
10- Ibid. p :71
11- Ibid. p.93
12- Ibid. p:117
13- E.kant : Critique de la raison pure. Trad: Jules Barni. Flammarion: 136
14-Heidegger : Interprétation…Op.cit.p:263
15-Kant. Critique de la raison pure Op.cit.p:136
16- Heidegger: Interprétation...Op.cit.p:372
17- Heidegger: Interprétation….Op.cit.p.p:372.373
18-Alin Renau : Kant aujourd’hui. Flammarion: 31





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
2014-10-02
anass lehkim

تحية أستاذي الرائع
anass_lehkim_best@hotmail.fr
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1867265 :: Aujourd'hui : 652 :: En ligne : 7