البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2014-01-05
مقابلة مع الأستاذ الدكتور هشام غصيب

yyy

حاوره: طلال عبدالله

سؤال: بعد نهاية العام 2013، ما هي الصورة العامة لخريطة القوى العظمى في العالم بين الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة من جهة، ومحور البريكس من جهة أخرى؟

جواب: في اعتقادي كان العام 2013 حاسماً في التاريخ الحديث، أو في تاريخ العالم الحديث، وذلك لأن الأحداث التي جرت على مدار العام جعلت الأمريكيين يدركون حدود قوتهم، وبالطبع كان الملف العراقي أو ما حصل في العراق أول من جعلهم يدركون حدود قوتهم إلى حد ما، ولكن العام 2013 كرّس إدراك الأمريكيين لحدود قوتهم. وفي الواقع جاء ذلك ليمسح أوهامهم حول امتلاكهم للقوة المطلقة، وبأنهم القوة الوحيدة الحقيقية في العالم، … الخ. ولكنهم أدركوا وبالأخص في سورية -التي كانت المحك الحقيقي- قوتهم الحقيقية، وقد عبّرتُ عن ذلك سابقاً بالقول أن الأمريكيين هُزِموا على أسوار دمشق.

كان المرحوم صدام حسين يقول بأن الإمبريالية العالمية ستُهزَم على أسوار بغداد، حقيقة هي هُزِمت على أسوار دمشق، هُزِمت بمعنى أنها أدركت حدود قوتها، وأدركت أنها لا تستطيع أن تتورط أكثر من حد معين في المنطقة، أدركت أن هنالك قوى أخرى، واعترفت بوجودها، روسيا وإيران تحديداً، وأدركت أيضاً عدم إمكانية تجاهل تلك القوى، ولذلك فتحت حواراً مع كل من روسيا وإيران، وباعتقادي كان موضوع إدراك أمريكا لقوتها هو الحدث الأكبر في العام 2013.

كما وأدركت الولايات المتحدة أن هذا العالم لم يعد مسرحاً لها وحدها، وأن هنالك قوى أخرى ينبغي أن تأخذها بعين الاعتبار ولا تستطيع أن تتعدى عليها ولها مجالها، وفي مقدمتها روسيا والصين، وإيران إقليمياً، بالطبع هنالك قوى أخرى، ولكن هذه القوى كانت محور الحديث بشكل أساسي، وقد شهدنا بالفعل خلال العام 2013 ولادة عالم متعدد الأقطاب، وذلك في حد ذاته تحولاً كبيراً، من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب، ذلك انقلاب كبير، والعام 2013 كان عاماً متميزاً في التاريخ الحديث، لأنه أعادنا ليس فقط إلى أجواء الحرب الباردة، وإنما إلى أجواء ما قبل الحرب العالمية الأولى حتى، ولكن بالتأكيد بصورة أخرى.

سؤال: في العام 2013، أطلقت كوريا الشمالية تهديدات واضحة للولايات المتحدة، أخذها الجميع على محمل المزاح، هل تتفقون مع هذا الطرح؟

جواب: بالتأكيد لا، لأن الولايات المتحدة تراجعت، أولاً بيّنت هذه التهديدات بأن الولايات المتحدة براغماتية ولا تفهم سوى لغة القوة، لا تفهم لغة الشرعية الدولية، ولا تفهم لغة الأخلاق، ولا تفهم خطاب حقوق الشعوب، هي لا تفهم سوى لغة القوة، والكوريون الشماليون في الواقع يدركون ذلك تماماً، كان تحركهم في غاية الذكاء، لأنهم أدركوا طبيعة الأمريكيين، بعكس العرب الذين لا يعرفون خصمهم.

الكوريون الشماليون يعرفون خصمهم تماماً، وجعلوا بذلك الولايات المتحدة تتراجع أمامهم، وبالتأكيد فإن ما يساعد كوريا الشمالية أولاً أنها دولة مستقلة بمعنى الكلمة، وأنها دولة شيوعية عريقة، وثانياً أنها تعيش في وسط هُزمت فيه الإمبريالية الأمريكية، وسط روسيا والصين وفيتنام، وبالتالي فإن بيئتها مناسبة جداً لكي تشهر موقفها بهذه الصرامة، أضف إلى ذلك أن أمريكا لا تستطيع أن تتورط مجدداً في شرقي آسيا، أو جنوبي شرقي آسيا، وبالتأكيد، مع صعود روسيا والصين كقوى بارزة، كانت الأجواء مناسبة جداً لكي تتراجع أمريكا.

الأمريكيون يحترمون علاقات القوى، وحساسون جداً لعلاقات القوى، ويتراجعون قبل حلفائهم في الواقع، وبمجرد أن يشعروا باهتزاز قوتهم، يقومون بالتراجع فوراً، براغماتيون، وبالتالي لا يمكن أخذ التهديدات الكورية على سبيل المزاح، أبداً، وبالأخص أنها قوة نووية، وهي جادة في مجابهتها للولايات المتحدة.

حبذا لو تعلم العرب قليلاً من كوريا الشمالية.

سؤال: البحرية الروسية في العام 2013 قامت بمناورات هي الأوسع منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، كيف تقرأون المشهد؟

جواب: أيضاً في السياق نفسه. في الحقيقة، بعد ما حصل في ليبيا أدرك الروس أن العالم لم يعد كما كان، وأن الأمريكيين وصلوا إلى حدودهم، بمعنى أنهم لم يعودوا قادرين على ممارسة هيمنتهم المطلقة في الساحة الدولية، وبدأ بوتين بناءً على هذا الإدراك بالتحرك وخصوصاً فيما يتعلق بسورية، فوقف في مجابهتهم من خلال الفيتو الروسي-الصيني، ومن ثم بدأ يصعد، فور إدراكه من الداخل بأن الأمريكيين فيهم “عوامل وهم”، وبالأخص إذا ما تحدثنا عن الصراعات الأفغانية والعراقية، ناهيك عن الصراع السياسي مع إيران، تلك الصراعات أنهكتهم، ونالت هذه الصراعات من القوة الأمريكية بلا شك.

الأمريكيون يريدون أن ينسحبوا من هذه المناطق، يريدون أن ينسحبوا من الصراع العسكري المباشر، بوتين أدرك ذلك جيداً، وأدرك أنهم ما عادوا قادرين على ممارسة عدوانهم كما في السابق، كما فعلوا في أفغانستان والعراق ويوغسلافيا، وأدرك أنهم اهتزوا عسكرياً، واقتصادياً.

اقتصادياً، هم يمرون بأزمة طاحنة جداً، أزمة خطيرة في الواقع تمر بها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية على حد سواء، وعلى العكس من ذلك، لم تضعف الأزمة الاقتصادية العالمية روسيا والصين كما أضعفت الغرب، فقد ازدهرت روسيا اقتصادياً إلى حد ما في الآونة الأخيرة، كما الصين، وبذلك فقد شعر بوتين بقوة روسيا بالنسبة للولايات المتحدة، وبأن قوة الولايات المتحدة بدأت تنحسر، وبأن قوة روسيا تشهد تصاعداً، فعبر عن ذلك بالمجابهة، وعندما هددوا سورية، أرسل بقطع بحرية إلى المتوسط، وكان بشكل يومي يرسل البوارج، كما وجابههم في مسألة الدرع الصاروخية.

تلك الأمور تعكس بشكل مباشر علاقات القوى الجديدة، وتعبير عن علاقات القوى الجديدة، أنا أفهمها هكذا، أفهمها في السياق نفسه، على أساس أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت حدود قوتها، وأدركت وجود قوى أخرى غيرها، واعترفت بذلك، بوجود قوى أخرى غيرها تتصاعد، لم تعترف فقط بوجودها، بل بكونها صاعدة أيضاً، هكذا أفهم تلك المناورات.

سؤال: ما هو المصير الذي ينتظر سورية بعد مرورها بسلام من العام 2013؟

جواب: في اعتقادي يكمن التحدي الأكبر في سورية حالياً في موضوع إعادة الإعمار، طبعاً أقول ذلك والصراع لم ينتهي بعد، ما زال الصراع مستمراً، ولكن، أعتقد بأن الدولة السورية فرضت حضورها، وما هي إلا مسألة وقت وستستعيد سيطرتها على كافة الأراضي السورية، ربما بتفاهمات مع هذه الجهة أو تلك.

قد تحدث مفاجآت بالتأكيد، هل ستتفاهم الدولة السورية مع المملكة العربية السعودية أم لا؟ لا أدري! هل سيؤدي عناد المملكة العربية السعودية إلى انهيار النظام السعودي؟ ربما! قد يحمل لنا العام مفاجآت، هذه ليست أمنيات فقط، وإنما احتمالات. ولكنني أعتقد أن الدولة السورية انتصرت على قوى ما قبل الدولة، أولائك الهمجيون الذين يريدون تفكيك الدولة السورية والمجتمع السوري، أصحاب الأجندات الطائفية، باعتقادي، لن ينجحوا في ذلك، وأنهم هزموا، حتى أن مشروعهم هزم، وإن استمروا في عملياتهم الإرهابية.

الشعب السوري المتمدن والعريق لا يمكن أن يقبل بهؤلاء الهمج، سورية هي أعرق حضارة في التاريخ، وبالتالي فالشعب السوري لن يقبل بهؤلاء، وبالتالي فإن مشروعهم قد هزم، ولم يعد يخدع غالبية الشعب السوري حتى. السوريون اليوم أمام خيارين، إما قوى التفكيك والهمجية، وإما الدولة “بعجرها وبجرها”، وبالطبع فإن الشعب السوري سيختار الدولة “بعجرها وبجرها”، ولكن، على القيادة السورية أن تدرك أن ما حصل لا يلغي ضرورة الإصلاح، على العكس تماماً، يجب أن تسرع القيادة السورية في عملية الإصلاح، وأن لا يكون الإصلاح شكلياً، بمعنى أننا لا نريد إصلاحاً فقط على مستوى الدستور والقوانين، بل إننا ننشد إصلاحاً يتبنى نهجاً اقتصادياً اجتماعياً مختلفاً.

ذلك بأن النهج الاقتصادي الاجتماعي الذي سارت عليه السلطة السورية في آخر خمس سنوات كان كارثياً؛ النيو-ليبرالية، كان عليها أن تتراجع عن هذه السياسات، وأن تفكر في بدائل اجتماعية، وبالذات إذا ما تحدثنا عن وجود عدد كبير من المهمشين في سورية، هذه السياسات الليبرالية الجديدة (النيو-ليبرالية) مع الحرب، أدت إلى تهميش ملايين السوريين، وبالتالي فعلى الدولة السورية أن تعيد استيعاب هؤلاء المهمشين في العملية الانتاجية نفسها، هذا هو التحدي الكبير أمام الدولة السورية اليوم لكي تستعيد قوتها، وعليها أن لا تقع في فخ المديونية الغربية، هذا أهم ما في الأمر، هل سيحصل ذلك؟ هذا يعتمد على القوى المتصارعة في داخل السلطة السورية نفسها، والجواب لا ندري، هناك بالتأكيد تيارات في داخل السلطة السورية، نتمنى أن يكون التيار الاجتماعي هو من يفرض أجندته على الدولة السورية.

بعبارة أخرى، الدولة السورية أثبتت حضورها ووجودها، وفي اعتقادي ما هي إلا مسألة وقت، وستستعيد السيطرة على كل التراب الوطني السوري، لكنها تحتاج إلى إعادة إعمار، أولاً عليها أن لا تقع في فخ المديونية الغربية، ومؤسسات رأس المال العالمي، وثانياً يجب أن لا تستمر في السياسة النيو-ليبرالية، وإنما أن تعكس هذه السياسة صوب سياسة اجتماعية تستوعب المهمشين وتعيد الاعتبار للقطاع الزراعي بالتحديد.

سؤال: مع تغير موازين القوى العالمية في العام 2013، هل باتت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تنظر إلى الكيان الصهيوني على أنه عبء عليها؟ أم أنها ما زال بحاجة إليه كذراع في المنطقة؟

جواب: هنالك جزء من الطبقة الحاكمة الأمريكية يشعر بالحاجة إلى الكيان الصهيوني، وذلك الجزء مرتبطٌ بالصهيونية، هنالك جزء صهيوني في داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية، تحالفات صهيونية، هذه التحالفات تشعر بالحاجة إلى وجود الكيان في المنطقة، وبالتالي يمكننا اعتبار أن الكيان الصهيوني هو امتداد للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة، إلى هذا الحد أو ذاك، لجزء من الطبقة الحاكمة الأمريكية، وبالتالي هم يشعرون بالحاجة إلى وجود هذا الكيان، وبالطبع فإن المطامع الاستعمارية الأمريكية لم تزل موجودة، وقد تتجدد، ذلك بأنها دولة استعمارية، وما لم تتغير طبيعتها، فستظل كما عبر عنها جورج غالاوي، عندما قال بأن العقرب بطبعه يلسع، وينتهز الفرصة لكي يلسع، وهنا كذلك الحال، بمعنى أن الإمبريالية الأمريكية لم تزل موجودة، تراجعت قليلاً، ولكنها تغتنم أي فرصة للانقضاض مجدداً، من أجل أن تحقق أهدافها.

وبالتالي فإن الكيان الصهيوني هو امتداد لجزء من الطبقة الحاكمة الأمريكية كما أسلفنا، ويشعر هذا الجزء بالحاجة إلى وجود مثل هذا الكيان في المنطقة، ولكن من جانب آخر، ومن دون شك، أن الولايات المتحدة ومع تطور التكنولوجيا العسكرية ووجود صواريخ وما شابه ذلك وبروز قوى مثل حزب الله وسورية وإيران أدركت أن الكيان الصهيوني لم يعد قادراً كما بالأمس على أن يهزم محيطه عسكرياً، على العكس من ذلك، أصبحت تحسب حساب أي تحرك خوفاً من القوى الصاعدة في المنطقة.

التكنولوجيا العسكرية ما عادت تسمح للكيان الصهيوني بالهيمنة، ومن هذا الباب يمكننا القول بأن الكيان الصهيوني أصبح عبئاً على الولايات المتحدة، تذكر أن أمريكا حينما أرادت ضرب سورية، لاحظ كيف كانت ردة الفعل، كلها كانت موجهة باتجاه “إذا ضربتم سورية، فنحن سنطلق صواريخنا باتجاه الكيان الصهيوني”، من إيران إلى سورية نفسها، بمعنى أن الانتقام من الولايات المتحدة يأتي عبر ضرب الكيان الصهيوني، نظراً لكون هذا الكيان يعيش بيننا، في حين أن الولايات المتحدة بعيدة عنّا، ولأن هذا الكيان يشكل جزءاً من الطبقة الحاكمة الأمريكية، فإن موضوع ضرب الكيان الصهيوني لا يؤخذ من قبلهم على سبيل المزاح أبداً، يشعرون بمسؤولية كبيرة، وبذلك يمكننا اعتبار الطبقة الحاكمة الأمريكية (جزء منها وليس بأكملها طبعاً) موجودة في فلسطين المحتلة، وبالتالي فهي “تحت رحمتنا” إلى حد ما، لم نعد نحن نقبع “تحت رحمتهم”، العكس هو الصحيح في هذه الأيام وبعد كل هذه المعاناة، هم أصبحوا “تحت رحمة” صواريخ الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، وحتى الإيرانيين.

نعم، علينا أن نأخذ المسألة بجدليتها، من جهة هم حريصون على وجود الكيان لأن هذا الكيان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجزء مهم من الطبقة الحاكمة الأمريكية، ولأنه كذلك، فقد أصبح عبئاً على اعتبار أن هذا الامتداد يتعرض بسهولة للخطر من جانب قوى المقاومة العربية.

سؤال: ما هو موقع تركيا في المنطقة بعد سلسلة الأحداث التي عمّت العام 2013؟ وبالأخص حين نذكر الوضع الداخلي التركي أيضاً، المظاهرات المستمرة وتهم الفساد التي تلاحق الطبقة الحاكمة في تركيا.

جواب: أعتقد بأن المشروع الأردوغاني يُهزَم حالياً، بل وانهزم خلال 2013، المغامرات الأردوغانية انهارت وانهزمت. طبعاً تركيا بلد ضخم، والأمة التركية أمة قوية، صاعدة في الكثير من الأمور، وبالأخص تكنولوجياً وعلمياً، وبالتالي لا يمكن تجاهلها كقوة، ولكن المشروع الأردوغاني وإثر ارتكاب أردوغان للخطأ تلو الخطأ وبعدما كانت تركيا ماضية بهدوء في اتجاه الهيمنة، انهار، وبالأخص إذا ما ذكرنا استعجاله، وعلينا أن نفهم لماذا استعجل بهذه الصورة الرعناء؟

نعم، يمكنننا القول أن أردوغان أرعن، عداؤه لسورية دل على أن قراءته للواقع خاطئة، وحتى فيما يتعلق بمصر، أو بتحالفه الكبير مع حركة الإخوان في المنطقة العربية، لقد جعلوه تائهاً، وهو كذلك جعلهم تائهين، وكانت النتيجة هزيمة حلفائه الإخوان في سورية وفي مصر، أكبر هزيمتين، وباعتقادي فإن هذا الأمر جعل تركيا تضعف كثيراً في المنطقة العربية، بعكس إيران، التي برزت كقوة رئيسية في المنطقة العربية، بل وحتى عالمياً، أما تركيا التي كان من الممكن لها أن تكون القوة المهيمنة، انهزمت، وانهزم المشروع الأردوغاني، وتبين بأن أخطائه الكثيرة نتجت عن سوء قراءة وعنجهية وغرور، وبذلك انحسر النفوذ التركي من المنطقة العربية، وعاد كما السابق، وذلك بالطبع نتيجة هزيمته في أكبر ثلاث دول عربية، في سورية ومصر والعراق، انهزم وعرّى نفسه وكشف نفسه وكشف عداءه للأمة العربية.

كل ذلك حرّك القوى الداخلية ضده، وبالأخص القوى العلمانية واليسارية، نظراً لكون الأمور اتضحت لديهم بأن تركيا وعلى الرغم من كونها دولة قوية، إلا أنها لا تزال تابعة، برنامج أردوغان هو برنامج تبعية للناتو والرأسمالية العالمية، واتضح أيضاً حجم الفساد في تركيا .. إلخ، وباعتقادي فإن تركيا الآن سوف تنكفئ إلى حد كبير، لاحظ بأن البرجوازية التركية دائماً أمامها خياران، أوروبا أو العالم العربي والإسلامي، كانت حائرة في ذلك، ميلها كان أوروبياً، ولكن نظراً لكون أوروبا لم تقبلها، ووقفت في طريقها، بدأت تفكّر جدياً بالتوجه نحو العالم العربي والإسلامي، وبالأخص العالم العربي، أردوغان حسم ذلك بتوجهه نحو الخيار العربي، بعدما انهزم في أوروبا.

سار في الخيار العربي، لكنه لم يعرف كيف يتصرف، ومطامعه كانت فجّة، والنتيجة كانت هزيمته في الوطن العربي إلى حد كبير، وفي اعتقادي ونظراً لتلك الظروف فالخيار الأوروبي سيعود مجدداً، وذلك عقب سقوط حكومة أردوغان، باعتقادي هذه الحكومة ستذهب، وستأتي حكومة بعدها تحاول إعادة الجسور مع أوروبا لعل وعسى أن تدخل في الفضاء الأوروبي بدلاً من الفضاء العربي.

الفضاء العربي لن يقبل تركيا بسهولة، فتركيا دولة استعمارية بالنسبة للعرب، وكونها إسلامية لم يغير كثيراً من نظرة العرب لها. هي دولة استعمارية، 400 عام عرضت العرب للتخلف والقمع، ولذلك لن يقبل العرب بها، سواء بلاد الشام أو العراق أو مصر، لن يقبل العرب بعودة الهيمنة التركية من جديد.

إيران تقبل، في العراق هي غير مقبولة، ولكن في سورية ومصر ليس هناك أي مشاكل من هذا النوع، أما تركيا فهي مرفوضة في سورية والعراق ومصر، ولذلك أعتقد بأننا سنشهد انكفاءً للدور التركي، انكفاءً عن العالم العربي، والتوجه نحو أوروبا، هل سينجحون في أوروبا أم لا؟ لا ندري!

سؤال: في العام 2013 شهدنا انتخابات كثيرة، في أمريكا وألمانيا وإيران .. إلخ، ماذا تعني نتائج الانتخابات الرئاسية في كل من أمريكا وإيران تحديداً خلال هذا العام؟

جواب: بالنسبة للولايات المتحدة وفوز أوباما، تعني أن حجم الأزمة التي تعرض لها المجتمع الأمريكي نتيجة العوامل الاقتصادية المعتادة ونتيجة مغامرات اليمين الأمريكي جعل حتى الطبقة الحاكمة الأمريكية تسعى إلى وجه آخر غير الوجه اليميني المتطرف، ولذلك من الواضح أن أوباما في هذه المرحلة اسم تجمع عليه الطبقة الحاكمة وغيرها من الطبقات.

سياسة أوباما في الواقع كانت سياسة تعامل مع الأزمة بنوع من الحكمة، لك أن تتخيل لو كان ماكين بدلاً من أوباما، كان بالتأكيد سيعرض العالم كله للخطر ويعرض الولايات المتحدة الأمريكية لانهيار، وكأن الطبقة الحاكمة الأمريكية تدرك أن هذه المرحلة -مرحلة التأزم على كل صعيد- بحاجة إلى شخص مثل أوباما، يريد التفاهمات ويريد الحوارات أكثر مما يريد الصدام، ذلك بأن الطبقة الحاكمة الأمريكية أدركت بأن الصدام لن يكون مفيداً لها في هذه المرحلة، ولذلك فقد لجأت إلى اختيار أوباما، ولكن أوباما يدرك حدود سلطته، ولذلك كان حذراً، كما كان واضحاً تجاه الكثير من المسائل، مثل عدم ضرب سورية عسكرياً، كان واضحاً ويناور ويحاول أن يتحدث من هنا وهناك، وقد يكون هو أيضاً من حرّك الانجليز ليصوتوا ضد قرار التدخل في سورية، لأنه لم يكن يريد الحرب في سورية، ولكن كان يدفع دفعاً إلى هذه الحرب، وهو كان يقاوم بأساليبه وطرقه، وبذلك فمن الواضح أن لديه قناعة تتلخص في كون الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع أن تستمر في سياستها العدوانية، وحتى من الناحية الاقتصادية أدرك أنه لا بد من تقديم تنازلات للطبقات الشعبية بصورة أو بأخرى، وإن كان لم ينجح حتى الآن تماماً.

هذه السياسة يبدو وأنها ما زالت مقنعة لجزء كبير من الطبقة الحاكمة الأمريكية في تحالفاتها مع الطبقات الأخرى، هذا فيما يتعلق بأوباما، أما فيما يتعلق بروحاني، أعتقد أن الإيرانيين أدركوا أن سياسة المجابهة المباشرة مع الصهيونية ومع الولايات المتحدة كلفتهم الكثير، الحصار كان صعباً جداً على الاقتصاد الإيراني، وكان من الممكن أن يؤدي المزيد من هذا الحصار إلى حدوث اضطرابات في إيران، ولذلك انا أعتقد بأن الطبقة الحاكمة الإيرانية أيضاً -تماماً كما حصل في أمريكا بالنسبة لأوباما- أدركت حدود قوة إيران، كما أدركت أمريكا حدود قوتها، ولذلك لم يعد من الممكن سوى التسوية.

فعقب الأحداث التي جرت وكان فيها “تكسير عظام”، أدرك الطرفان أنهما لا يستطيعان أن يلغيا بعضهما بعضاً، أمريكا أدركت أن إيران قوة حقيقية موجودة ينبغي أخذها بعين الاعتبار، وإيران أدركت أن أمريكا قوة موجودة مع حلفائها على الأرض وعليهم أن يتعاملوا معها، وبالتالي أدركوا أن الاستمرار في حدة الصراع سيؤدي إلى حرب ربما كونية، وبالأخص في سورية، كان الأمر واضحاً عندما هددت أمريكا سورية، وبالطبع لو مضت أمريكا في العدوان، كانت المنطقة ستشتعل بطريقة من الصعب التنبؤ بنتائجها، وبذلك أدرك الأمريكيون بأن مجابهة من هذا النوع خاسرة لكلا الطرفين، وكذلك الحال بالنسبة للإيرانين، الذين كانوا يسعون إلى تخفيف هذا الضغط عليهم، ولذلك جاءت الانتخابات الإيرانية بوجه قابل لأن يتفاوض، قابل لإدارة التفاوض وليس لإدارة النزاع والصراع، وباعتقادي فإن هذا أمر طبيعي، أن يؤتى بشخص كروحاني.

سؤال: عقب رحيل القائد البوليفاري هوغو تشافيز في العام 2013، وعقب نتائج الانتخابات الفنزويلية الأخيرة، وفوز مادورو بفارق ضئيل عن منافسه الليبرالي، ما التحديات التي تقف أمام فنزويلا اليوم؟

جواب: هي ذات التحديات، لم تتغير، ما زال الاشتراكيون هم المسيطرون على فنزويلا، وهي ليست بالسيطرة الكاملة، ولكنهم على رأس الهرم، وفي اعتقادي المسألة مفتوحة، وبلا شك أن مادورو اشراكي يسير على خطى هوغو تشافيز، هكذا ألاحظ، صحيح بأسلوب مختلف قليلاً، ولكن هي ذات الخطى، المشكلة أن مادورو ليس له هذه الكاريزما التي كانت لدى تشافيز، كما وأنه ليس صدامياً كتشافيز، كما أن الأمر يعتمد على البيئة أيضاً، ما يحصل في أمريكا اللاتينية وفي العالم.

أعتقد بأن الوضع في فنزويلا يعكس، ليس فقط توازناً داخلياً، وإنما توازناً عالمياً، لاحظ أن الأمر لم يحسم بعد في فنزويلا، على سبيل المثال كان التروتسكيون يدعون إلى حسم الأمور قائلين: “دعوا الطبقة العاملة تحتل المصانع وتشكل سوفيتات وتدير البلاد”، هوغو تشافيز كان صديقاً لهم ولكنه لم يصغِ إليهم، وذلك لأنه أدرك أن ميزان القوى لا يسمح بذلك، كان لديه هذا الحس.

ميران القوى ما زال متأرجحاً، بمعنى أن القوى الرأسمالية فقدت بعض المواقع، ولكن وفي ذات الوقت، ما زالت القوى الاشتراكية غير قادرة على الحسم، وبذلك لم يحسم الأمر، ما زالت فنزويلا تتأرجح ما بين المنهج الرأسمالي الصارخ وما بين نوع من المنهج الاشتراكي، لا هذا الطرف قادر على الحسم، ولا ذلك الطرف قادر على الحسم، وباعتقادي فإن الأمر لا يعتمد فقط على وضع القوى الداخلية، وإنما أيضاً على الوضع العالمي والأمريكي اللاتيني، كلما سار الوضع العالمي في صالح القوى الاشتراكية سنجد مزيداً من الحسم في اتجاه الاشتراكية في فنزويلا، وبذلك فإن القضية مفتوحة، وبذلك لن اتفاجأ إذا استعادت الرأسمالية بعضاً من نفوذها السابق، ولكن أيضاً لن اتفاجأ إذا استطاعت القوى الاشتراكية أن تحرز مزيداً من التقدم على الصعيد الفنزويلي، المسألة مفتوحة كما قلت، ولكن تحتاج إلى دراسة عيانية في داخل فنزويلا لكي يكون جوابنا أدق، ولكنني هكذا ألاحظ، هنالك نوع من التوازن حالياً، عدم حسم، ليس هنالك قدرة على الحسم، المسألة ليست ذاتية كما يعتقد التروتسكيون، وإنما هي مسألة موضوعية، نظراً لكون علاقات القوى لا تسمح بذلك، ولكننا نتأمل مع اشتداد الأزمة العالمية وبروز قوى على الأقطاب الأخرى أن تخلق البيئة المناسبة لكي تستمر التجربة الاشتراكية الفنزويلية وتتعمق أكثر في المجتمع الفنزويلي.



العدد الثاني والأربعين 01-15 كانون الثاني 2014





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807578 :: Aujourd'hui : 1983 :: En ligne : 12