البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2013-11-03
بحث في مدي تأثير سقرط في الفكر الأفلاطوني

yyy


فيم تتمثّل قيمة حضور سقراط داخل النصّ الأفلاطوني. هل أنّ سقراط يعبّر عن أفكاره وتصوّراته هو أم أنّه يعبّر عن مواقف أفلاطون الفلسفيّة فحسب؟ هل يمكن اعتبار سقراط سقراطيا أم أنّه ليس سوي أداة ليمرّر من خلالها أفلاطون أفكاره وتصوّراته الخاصّة به؟

إنّ الظهور الفعلي للفلسفة كان علي يد سقراط ،وهو فيلسوف يوناني من مواليد 469 ق.م. وقد منع من التدريس أثناء حكم الطّغاة الذي عرف "بحكم الثلاثين". وهو ما جعله يجوب شوارع أثينا محاورا الجميع، أملا في جعلهم أكثر حكمة وذلك بالكشف عن جهلهم. كما أنّه قد عرف بنقده لممارسات السفسطائيين وتصوّراتهم. تتلمذ علي يديه الكثيرون أمثال كسينوفون وأفلاطون وألسيبياد.
إنّ نقد سقراط للسلطة السياسيّة في تلك الفترة قد أزعج السلطة الأثينيّة فحاكمته وأعدمته سنة 399 ق.م.
لم يترك سقراط أثرا مكتوبا ذلك أنّه كان يحاور النّاس في الساحات العامّة، غير أنّنا لم نعرفه إلاّ من خلال تلاميذه وخاصّة أفلاطون.
تتلمذ أفلاطون علي يد سقراط من سنة 407 ق.م. إلي حدود سنة 399 ق.م. تاريخ اعدام سقراط. وقد ألّف أفلاطون مؤلّفات في شكل محاورات، جعل خلالها سقراط الشخصيّة الرّئيسيّة في محاوراته. أي أنّه جعل سقراط الشخصيّة التي تمثّل التصوّر والموقف الفلسفي في محاوراته.
إنّ ذلك ما يدعونا دائما إلي التساؤل عن معني حضور سقراط داخل النصّ الأفلاطوني. هل أنّ سقراط يعبّر عن أفكاره وتصوّراته هو أم أنّه يعبّر عن مواقف أفلاطون الفلسفيّة فحسب؟ هل يمكن اعتبار سقراط سقراطيا أم أنّه ليس سوي أداة ليمرّر من خلالها أفلاطون أفكاره وتصوّراته الخاصّة به؟
إنّ المتأمّل في الفكر الفلسفي يجد ذلك الترابط الوثيق بين كلّ من أفلاطون وسقراط إلي حدّ نجد فيه صعوبة في التمييز بينهما.
إنّ سبب هذا الترابط بينهما يعود أساسا إلي حادثة موت سقراط، حيث كان يمثّل مقتل سقراط، الحدث الأبرز في حياة أفلاطون والذي دفع أفلاطون سنة 399 ق.م، وهو لا يزال في سنّ الشباب إلي السفر والترحال بعد حادثة موت سقراط من سنة 399 ق.م. إلي حدود سنة 395 ق.م.
عاد أفلاطون إلي أثينا سنة 395 ق.م. وأقام فيها إلي حدود سنة 388 ق.م.وقد كتب في هذه الفترة كتبه الأولي التي تسمّي بالمحاورات السقراطيّة والتي تتناول بشكل مباشر حادثة موت سقراط، وهذه المحاورات هي:
* هيبياس الأصغر أو عن الخطئ.
* هيبياس الأكبر أو عن الجميل
* محاورة ألقيبيادس Alcibiade أو عن طبيعة الإنسان.
* محاورة الدّفاع عن سقراط.
* محاورة أوتيفرون أو الشفقة.
* محاورة أقريطون أو عن الواجب.
* محاورة خرميدس أو عن الحكمة الأخلاقيّة.
* محاورة لاخيس أو عن الشجاعة.
* محاورة ليسيس أو عن الصداقة.
* محاورة بروتاغوراس أو عن السفسطائيين.
* محاورة غورجياس أو عن الخطابة.
* محاورة مينون أو عن الفضيلة.
لقد جعل أفلاطون في هذه المحاورات أو ما اصطلح علي تسميته "بالمحاورات السقراطيّة" من سقراط الشخصيّة الرئيسيّة التي تمثّل التصوّر الفلسفي. وذلك دليل علي مكانة سقراط وأثره علي الأفلاطونيّة، إضافة إلي ذلك فإنّ هذه المحاورات لها ارتباط وثيق بسقراط، باعتبار أنّها تتعلّق في مجملها بقضيّة موت سقراط. وهي عبارة عن بحث في جميع الأسئلة التي اعترضت أفلاطون بعد محاكمة سقراط. والتي يمكن تلخيصها في السؤال التالي: ماهو النّظام السياسي الذي يمكن أن يجعل من الفلسفة الصناعة الرّئيسة؟ ماهو النّظام السياسي الذي تكون فيه ممارسة الفلسفة أمرا ممكنا؟
إنّ حادثة موت سقراط اذن دليل علي وجود أزمة داخل المدينة حسب أفلاطون، والتي تتمثّل في عدم امكانيّة ممارسة الفلسفة داخل مدينة تسيطر عليها السفسطة. لذا يبدو أنّ مجمل الأسئلة الأفلاطونيّة ستتمحور في البحث عن نظام المدينة الذي يجعل تواجد سقراط ممكنا. أي بعبارة أخري ماهو نظام المدينة الذي يتحمّل الفيلسوف فلا يموت فيها، ويجعل من ممارسة الفلسفة أمرا ممكنا؟
يبدو حسب أفلاطون أنّ مأساة موت سقراط تكمن في كون العدالة هي التي أدانت العادل ومن هنا تفترض قراءة الأفلاطونيّة للفلسفة قدرا سياسيا . أي أنّ الأمر يتعلّق بأن نفعل ما يجعل سقراط إن عاد فإنّه لن يدان غدا. إنّه يتعيّن اذن أن تسود العدالة بصورة فعليّة، إلاّ أنّه يلزم لهذا الغرض معرفة ما تكون الحقيقة ومعرفة ما تكون العدالة ومعرفة ما يكون الواقع.
إنّ الفلسفة الأفلاطونيّة في مجملها هي نتيجة لحادثة موت سقراط والتي تكشف بوضوح عن أزمة داخل المدينة وهذه الأزمة هي أزمة فكريّة تتمثّل في هيمنة القول السفسطائي من ناحية وأزمة سياسيذة و هي تتمثّل في كون النّظام السياسي لا يسمح بحريّة القول والإختلاف.
إنّ البحث الأفلاطوني سيحاول إيجاد حلول لهذه الأزمة، ذلك أنّ أفلاطون يعتبر أنّه من الضروري أن يتوافق النّظام السياسي السائد في المدينة مع القول الفلسفي حتي يكون تواجد الفيلسوف في المدينة أمرا ممكنا. علي أنّ النّظام السياسي الذي يسمح بتواجد الفلسفة حسب أفلاطون هو النّظام الديمقراطي، لأنّه النّظام الذي بفضل الحريّة يكون قابلا لتعديل ذاته. كما أنّ القول الفلسفي كقول جزئي سيكون قابلا للتعديل باستمرار وسيكون بذلك مظهرا للحريّة في مجال القول، علي أنّ التلازم بين الفلسفة والديمقراطيّة يكمن في اعتبار الحريّة خاصيّة مميّزة لكليهما.
يبدو أنّ الغاية من حضور سقراط داخل النصّ الأفلاطوني تكمن في عرض قضيّة موت سقراط، أي في عرض أطوار محاكمة سقراط. إضافة إلي البحث في الأزمة الفكرية والسياسيّة التي تعيشها أثينا في تلك الفترة. وهو ما جسّده أفلاطون في كتاباته الأولي أو ما يسمي بالمحاورات السقراطيّة التي أشرنا إليها سابقا.
غير إنّ الفكر الأفلاطوني سيتبلور بوضوح في المحاورات اللاّحقة للمحاورات السقراطيّة والتي تقسّم إلي ثلاث مراحل حيث نجد :
*محاورات النّضج: وهي مجموعة من المحاورات التي تحتوي علي نظريّته الخاصّة في الوجود والمعروفة بنظريّة المثل ومن بين محاورات التي تميّز هذه المرحلة نذكر محاورة الفيدون، محاورة المأدبة.
* المحاورات الميتافيزيقيّة: هي مجموعة من المحاورات وموضوعها الوجود ونذكر من بين المحاورات التي تميّز هذه المرحلة : محاورة بارمنيدس، ومحاورة السفسطائي.
* المحاورات المتأخّرة: وهي محاورات ضخمة حول الطبيعة والسياسة ونذكر من أهمّ المحاورات التي تميّز هذه المرحلة: محاورة الطيماوسTimée، محاورة النّواميس، محاورة أقريتياس.
لقد واصل أفلاطون عرض سقراط كشخصيّة رئيسيّة في المحاورات اللاّحقة للمحاورات السقراطيّة،غير أنّ أفلاطون سواء في محاورات النّضج،أو في المحاورات الميتافيزيقيّة، أو في المحاورات المتأخّرة، يظهر أكثر استقلاليّة عن فكر سقراط. حيث وضع فيها أفلاطون مجمل تجربته الفكريّة والسياسيّة. ففي محاورة بارمنيدس وهي من المحاورات الميتافيزيقيّة لأفلاطون، لم يكن سقراط إلاّ أداة للتعبير عن أفكار أفلاطون حول نظريّة المثل. حيث ينشأ في هذه المحاورة حوار بين سقراط وبارمنيدس حول طبيعة وجود المثل وطبيعة المشاركة.
يبدو إذن أنّ توافق أفلاطون وسقراط يعود بالأساس إلي وحدة المبحث وهو الفلسفة حيث واصل أفلاطون عرض الفلسفة وجعلها مبحث له أسسه ومناهجه. كان خلالها أفلاطون متأثّرا أشدّ التأثير بسقراط خاصّة في المحاورات السقراطيّة. غير أنّ الفكر الأفلاطوني سيظهر بجلاء في المحاورات الميتافيزيقيّة والمحاورات المتأخّرة. حيث يخوض في مسائل سياسيّة وميتافيزيقيّة وفي ذلك دليل علي فرادة وتميّز الفكر الأفلاطوني. والتي لا يظهر فيها سقراط سوي محاور يعبّر عن المواقف الفلسفيّة الأفلاطونيّة.
لقد نجح أفلاطون في جعل الفلسفة تبدو علي ما هي عليه اليوم. غير أنّ هذا البحث الأفلاطوني لا يمكن أن نفصله عن تجربة سقراط وتضحياته في سبيل نشر فكر يقبل الإختلاف والتنوّع ويسمح بحريّة الرّأي المخالف. إنّنا يمكن أن نتبيّن بوضوح فرادة الفكر الأفلاطوني وجماليّة أسلوبه وعمق تحليله للقضايا المطروحة في محاوراته. غير أنّ أفلاطون يبقي وفيا لسقراط الذي دفعه لا إلي تعلّم الفلسفة فحسب، بل إلي أن يسخّر حياته في سبيل الفلسفة والدّفاع عن القضايا التي دافع سقراط عنها من قبله.
إنّ علاقة أفلاطون بسقراط هي علامة علي تواصل الفكر وانتقاله من دائرة الإستماع والحوار في الساحات العامّة،إلي دائرة التأليف والكتابة. غير أنّ هذه الكتابة ولئن كانت نتاج عمل أفلاطون، إلاّ أنّها لم تقطع مع الحوار. وكأنّ كتابات أفلاطون هي تواصل للحوار في الساحات العامّة، ودليل علي أنّ الفلسفة هي نتيجة حوار مفتوح مع الآخر سواء كانت في شكل شفوي أو كتابي، وتأكيد علي أنّها شأن مشترك.
إنّ رفض سقراط للكتابة دليل علي صعوبة تعبير الكلمات عن كلّ نريد الإفصاح عنه. ودليل علي أنّ اللّغة أداة للتواصل المباشر مع الآخر، حيث تكون الأفضليّة فيه للحجّة والبرهان. في حين أنّ اصرار أفلاطون علي الكتابة متجاوزا بذلك سقراط هو محاولة منه حتيّ تتجاوز الفلسفة حدود أثينا إلي العالم المعروف في تلك الفترة. إنّ هذا التجاوز من حوار شفوي إلي طور الكتابة، هو ما جعل الفلسفة تصمد أمام التيارات الفكريّة المتنوّعة وتجعل منها مبحثا خاصا له فرادته واستقلاليّته.
إنّ الحديث عن جدليّة العلاقة بين أفلاطون وسقراط قد أنتجت بحثا مستحدثا، وفلسفة شفويّة في البداية ثمّ اتخذت شكلا كتابيّا. إلاّ أنها لم ترتقي إلي درجة الإختلاف والقطيعة مثلما هو الشأن بين أفلاطون و أرسطو، والتي يصطلح علي تسميتها في تاريخ الفلسفة بالخصومة الأفلاطونيّة الأرسطيّة، حيث يظهر فيها بوضوح تخلي أرسطو عن الفكر الأفلاطوني في مواضع عديدة . بل ونقده لنظريات أفلاطون والتي يمكن أن نتبيّنها بوضوح في كتابه "الميتافيزيقا".
إنّ الفكر أرسطي هو بمثابة تواصل للبحث الفلسفي ولكن في شكل جديد يقطع مع التصوّر السقراطي والأفلاطوني في نواحي عديدة خاصّة فيما يتعلّق بنظريّة المثل الأفلاطونيّة.





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2254136 :: Aujourd'hui : 1313 :: En ligne : 19