البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2013-11-03
أعلام الفلسفة الحديثة

yyy


رينيه ديكارت ( 1596 - 1650 ) 

يُعرف ديكارت على أنه «أب الفلسفة الحديثة»، وذلك أنّ بحثه الفلسفي قد شكل قطيعة مع فلسفات العصور الوسطى، وأحدث تأثيراً بالغاً في الفلاسفة المحدثين اللاحقين. والغريب أن ديكارت فى عمله الفلسفي الأساسي وهو «تأملات في الفلسفة الأولى» لا يبدو منه أن هدفه فلسفي تماماً، ذلك لأن العنوان الفرعي للكتاب هو «وفيه تتم البرهنة على وجود الله والتمييز بين العقل والجسد». هذا العنوان الفرعي لا يجعل من كتاب التأملات كتاباً فلسفياً بل كتاباً لاهوتياً يثبت صحة الإيمان والعقيدة، الإيمان بوحدانية الله وبعقيدة البعث والخلود بما أنه يثبت إمكان انفصال الروح عن الجسم وبقائها بدونه. بهذا الشكل يكون كتاب «التأملات» تبريراً للإيمان عن طريق العقل، وبذلك لن يكون مختلفاً عن أي من فلسفات العصور الوسطى التي اتبعت نفس الطريق، بل سيكون مشابهاً لأعمال فلاسفة الإسلام في الدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية. والأكثر من ذلك أن ديكارت يهدي كتاب «التأملات» هذا لمدرسة اللاهوت بجامعة السربون. لكن يجب على المرء أن يستوعب جيداً دوافع ديكارت في فلسفته وفي إهدائه الكتاب إلى علماء اللاهوت. لقد كان هدف ديكارت الأساسي الوصول بالعقل إلى الاستقلال في الأمور الميتافيزيقية، وهذا الاستقلال من شأنه بأن يجعل العقل والتفكير العقلاني مستقلاً عن سلطة الكنيسة. إذا اخذنا بعين الإعتبار أن الكنيسة في ذلك الوقت لا تزال تحتكر الإيمان والموضوعات الميتافيزيقية، ومن ثم أراد ديكارت أن يثبت إمكان توصل العقل انطلاقاً من مبادئه الخاصة إلى الإيمان والعقيدة دون الاعتماد على سلطة مسبقة من كتب مقدسة أو رجال دين. وهذا الهدف كان كفيلاً بأن يثير ضده ثورة رجال الدين، ومن ثم كي يحمي ديكارت نفسه أهدى كتابه لهؤلاء أنفسهم منعاً لاحتمال مقابلتهم لكتابه بالرفض.
لم يكن ديكارت يرفض وجود الله أو خلود النفس، بل على العكس، إذ أثبتهما بمنهجه العقلى في «التأملات». وما كان يرفضه ضمناً هو إمكان الوصول إليهما بطرق أخرى غير العقل والبرهان. فحسب منهج ديكارت، فإن أحد أهم قواعده تنص على أنه لن يسلم بأي شئ ما لم يكن واضحاً متميزاً ويتمتع بصحة عقلية عن طريقة البرهان العقلي. ومعنى هذا أن ديكارت يعتقد ضمناً أن سلطة الكتاب المقدس لا تكفي لتقبل الإيمان والعقيدة، إذ هما في حاجة إلى برهان عقلي، وبالتالي تكون الفلسفة أعلى وأهم في إثباتهما. ومن أجل هذا المضمون الثورى لفلسفة ديكارت فقد حرص على إهداء «التأملات» إلى رجال الدين تقرباً منهم واتقاءً لاحتمال معارضته ومواجهة فلسفته. 
وعلى الرغم من أن ديكارت يهدف في «التأملات» إلى إثبات وجود الله وخلود النفس، إلا أن ذلك لم يشكل كل أهدافه، إذ كانت أوسع من ذلك بكثير. اعتقد ديكارت منذ تأليفه لكتاب «مقال عن المنهج» أن المعرفة الحقة لا يمكن تأسيسها إلا بالأفكار الواضحة، ولا يمكن الوصول إلى هذا الوضوح إلا إذا تخلى المفكر عن كل الأفكار المسبقة، ذلك لأن كل ما يرثه الإنسان من أفكار عن طريق أسلافه أو محيطه الاجتماعي لا يتوفر فيه الوضوح، بل غالباً ما يكون غامضاً بسبب عدم خضوعه لمحاكمة العقل. ولذلك يبدأ ديكارت تأسيسه للمعرفة الحقة بشك منهجي يستطيع به فحص الأفكار المسبقة والوقوف على بداية أولى واضحة بذاتها ويقينية عقلياً تكون ثابتة للمعرفة. 
وهكذا يمارس ديكارت في التأمل الأول شكاً منهجياً، وهو منهجي لأنه لا ينتمي إلى رفض كل المعارف أو التوصل إلى استحالة وجود أساس ثابت لليقين بل إلى التوصل إلى يقين أول يؤسس عليه الصدق في المعرفة. والملاحظ أن اليقين الأول الذي يتوصل إليه ديكارت بعد الشك هو وجود الذات المفكرة أو الأنا أفكر، وذلك انطلاقاً من الشك نفسه. إذ يذهب إلى أنه ما دام يشك فهو يفكر، وطالما يفكر فهو موجود. فعلى الرغم من أن هدف كتاب «التأملات» هو إثبات وجود الله وخلود النفس، إلا أن الهدف الحقيقي لديكارت الوصول إلى يقين أول يسبقهما معاً، وهذا اليقين هو إثبات وجود الذات أو الأنا أفكر، وعن طريقها يتم إثبات وجود الله، من منطلق أن هذا الأنا أفكر لم يكن موجوداً دائماً، وبالتالى فهناك سبب لوجوده، وسبب الوجود يتمثل في الخلق من العدم، وهكذا فإن وجود الأنا حادث ومخلوق وفي حاجة إلى خالق وهو الإله. كما أن في الفكر الإنساني فكرة واضحة متمايزة عن الكمال، وبما أن الإنسان ليس كاملاً فلا يمكن أن يكون هو مصدر فكرة الكمال، وبالتالي يجب أن يكون هناك كائن كامل هو مصدر هذه الفكرة لدى الإنسان وهو الإله. وهكذا يتوصل ديكارت إلى إثبات وجود الله عن طريق وجود الأنا. وهذا هو الجانب الثورى في فلسفة ديكارت، إذ يجعل الأنا هي الأساس والنقطة الأولى التي يبدأ بها لإثبات وجود الله. 
ومعنى هذا أن وجود الأنا هو اليقين الأول الذي يتمتع بأقصى درجات الصدق والمعقولية، ثم يكون وجود الله تالياً وتابعاً له. وهنا اختلفت فلسفة ديكارت عن فلسفات العصور الوسطى التي كانت تبدأ من وجود العالم منطلقة منه إلى إثبات وجود خالق لهذا العالم، وهو ما يسمى بالدليل الكوسمولوجي. لكن شك ديكارت في وجود العالم ولم يعتقد في إمكان إثبات وجود الله عن طريقه لأن وجود العالم لا يتمتع باليقين والوضوح الذي تتمتع به الأنا أفكر أو الكوجيتو. وعندما وضع ديكارت وجود الأنا باعتباره اليقين الأول الذي يؤسس عليه وجود الإله ذاته كان محدثاً لثورة في الفكر الأوربي، إذ كان بذلك مفتتحاً لعصر يعطى الأولوية للإنسان وللذات الإنسانية ويعلي من شأن الفردية، تلك الأفكار التي لم يكن لها حضور في لاهوت العصور الوسطى والتي غابت فيها الذاتية الإنسانية في أنساق لاهوتية.

* ديكارت حياته وأعماله: 
ولد رينيه ديكارت في 31 مارس سنة 1596 في مدينة لاهي بفرنسا، لكن أسرته كانت ترجع في أصلها إلى هولندا. ينتمي ديكارت إلى أسرة من صغار النبلاء، حيث عمل أبوه مستشاراً في برلمان إقليم بريتانيا الفرنسي. وكان جده لأبيه طبيباً، وجده لأمه حاكماً لإقليم بواتيه. وفي سنة 1604 التحق ديكارت بمدرسة لافلشي La Fliche ، وهي تنتمي إلى طائفة دينية تسمى باليسوعية، وقد تلقى ديكارت فيها تعليماً فلسفياً راقياً يعد من أرقى الأنواع في أوربا وبدأ فيها ديكارت في تعلم الأدب، ثم الفلسفة وأخيراً الرياضيات والفيزياء. وتخرج ديكارت من الكلية سنة 1612 حاملاً شهادة في القانون الديني والمدني من جامعة بواتيه سنة 1616.
وعلى عادة النبلاء في ذلك العصر، نصحه أبوه بالالتحاق بالجيش الهولندي، إذ كان هذا الجيش أفضل جيوش أوروبا نظاماً وخبرة، وكان يشكل مدرسة حربية لكل من أراد أن يتعلم فن الحرب. وبالفعل رحل ديكارت إلى هولندا سنة 1618 وتعرف هناك على طبيب هولندي يدعى اسحاق بيكمان، وكان علي معرفة ودراية





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2184106 :: Aujourd'hui : 70 :: En ligne : 9