البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2013-10-05
الأسطورة ؛ تدقيقا للمفهوم و المصطلح

yyy


مفهوم الأسطورة مفهوم ملتبس في الثقافة العربية الحديثة كما عند الثقافة الغربية ما قبل "ميرسيا إلياد[+]، فبالرغم أن عددا كبيرا من الدارسين عبروا هذا الجسر، إلا أنني سأفترض أن كل من سيقرأ هذه المقالة قد اِنطلق من نقطة قريبة من الصفر في مجال الأساطير، على أني سأشير إلى أهم المراجع التي تكفل اطلاعا أوسع على هذا الميدان، فتكون هذه الوقفة الوجيزة مدخلا للدارسين المبتدئين الباحثين عن أمهات المراجع والمصادر والمرجعيات التصورية في موضوع الأسطورة.
اِختلفَ العرب في تعريف الأسطورة كما تباينت مصطلحاتهم للتعبير عنها، فالأسطورة إما خرافات وأباطيل وأحاديث لا نظام لها عند "ابن الأثير" و"الزَبـِيدي" و"ابن منظور" ..إلخ ، أو هي أحاديث عجيبة كما نرى مع "الزمخشري"، وحتى مجيء عصر العلم والفتوحات الأنثروبولوجية، فإن كثيرا من النقاد العرب لم يكتنهوا بعد مفهوم الأسطورة وظلوا مرتدين إلى الماضي ، خصوصا أن "القرآن الكريم" استخدم مصطلح "الأساطير" في معرض سلبي، لذا فعندما قال "محمد أركون" إن "القرآن خطاب أسطوري البنية" [1] قامت الدنيا ولم تقعد، وتم تكفيره لكون الترجمة جعلت لفظة: "MYTHIQUE" تعادل لفظة أسطوري، لذا حاول بعض المفكرين العرب إيجاد بديل اصطلاحي يعبر عن المفهوم بطريقة سليمة حتى لا يقع اللَّبس، فأوجد المفكر اللامع "عبد الله العروي" مصطلح "أمثولة"، وتحمست الناقدة "نبيلة إبراهيم" لهذا المصطلح في عدد من مقالاتها. [2] لكن الباحث "يونس لوليدي" يؤكد أن على العرب البحث عن مفهوم جديد لمصطلح أسطورة عوض البحث عن بديل اصطلاحي له، ويبدو أن مصطلح " أسطورة" أكثر تداولا بكثير من مصطلح أمثولة.
وقد حدث من قبل نفس الإشكال في أوربا حيث كانت دلالة مصطلح "أسطورة" دلالة عامية قدحية وفي ذلك يقول ميرسيا إلياد "ذلك أن اللفظ ما زال يستعمله الناس في أيامنا هذه للدلالة على الخيال و الوهم" [3] .
جاء الإنسان القديم (يسميه ستراوس الإنسان غير الكاتب)*[4] منتفيَ الإدراك إزاء ظواهر الكون ولم يستطع تفسيرها، فحاول – بفضول المعرفة فيه – أن يقدم فهما مُقنِعا للحوادث الفزيائية التي كان يراها أمامه، ويبقى ذاهلا لقوتها وجبروتها وانتظامها واختلافها، فجاء الفهم الذي يسمى فيما بعد "أسطورة" فعصر العلم الذي استطاع تفسير ظواهر الوجود، وصف التفسير القديم لها بأنه أساطير والتي هي في عمق الأمر" صورة لمشاعر وأحاسيس إنسانية وتصورات وتخوفات بشرية في عصورها الأولى تنم عن تطلعات الذكاء الإنساني." [5]
من جهة أخرى يمكننا القول إن الأسطورة علم كلام بدائي غير مفسر تمت قولبته في قالب أدبي، فالإنسان غير الكاتب حار في مفهوم الله فأسطره "وفي غياب العقل يحضر الخيال" [6]،ولا ننسى أن الأسطورة بوصفها حكاية قدسية تستحضر مفهوم الله دوما تصريحا أم تلميحا،"فتصور الله على أنه موجود كامل هو في حقيقة الأمر تعبير عن رغبة تحقيق لمطلب تمن لأمل نظرة بعيدة الى هدف وسير حثيث نحو غاية وليس حكما على موجود في الخارج..فذات الله هو ذاتنا مدفوعا الى الحد الأقصى..الله المطلق هو ذاتنا نحو المطلق" [7]،فكان هذا الحد الأقصى هو الإبداع الأسطوري عند الإنسان.
أما الأسطورة نفسُها فليس لها تحديد نهائي، ففي أثناء بحثي عن تعاريفها وجدت عشرات التعاريف أهمها في نظري:
ـ تعريف ألكسندر كراب ALEXSANDAR KRAPPE: "الأسطورة حكاية تلعـب فيها الآلهة دورا أو عدة أدوار". [8]
ـ تعريف بول ريكور: PAUL RECOEUR: "الأسطورة حكاية تقليدية تتعلق بأحداث وقعت في الزمـن الأول ومخصصـة لتأسيس الفعل الشعائري وبشكـل عـام تأسيس كل الأشكال والفكر، من خلالها يفهم الإنسان داخل عالمه". [9]
ـ برونسلاف مالينوفسكي:BRONISLAV MALINOWFSKI: "الأسطورة ليست حكاية، لكنها واقع معيش ، إنها حـدث وقع فـي فترة قديمة جدا، ولا يزال يمارس تأثيرَه على العالم وعلى المصائر البشرية". [10]
ـ كانط KANTE: "الأسطورة فن ودين وعلم وفلسفة، إنها مجموع الحكمة التي اكتسبها الإنسان وصاغها في قالب سردي يتحدث عن الخلق، الموت، البعث، ونجد فيها الكائنات الخارقة التي هي مزيج من الألوهية والإنسانية والحيوانية..." .[11]
ـ ميرشيا إلياده MIRCEA ELIADE " تروي الأسطورة تاريخا مقدسا، إنها تخبر عن حدث وقع في الزمن الأول، زمن البدايات العجيب." .[12]
إذن تنطلق تعاريف الأسطورة، إما من زاوية علمية أو فلسفية ملحدة، أو اتجاه ديني توحيدي، لذا فإن مستويات قراءتها تختلف، فتنطلق من المستوى السردي مع اللسانيين والأنثروبولوجيين، والمستوى الرمزي مع الفلاسفة وعلماء النفس، والمستوى السببي مع علماء الأديان و الاجتماع و الأجناس.

4 ـ وجـهـات نظر عربية و غربية :
يرى الدارس د."عبدُ المالكِ مرتاض" أن الأساطيرَ عند العرب أوجزت، وأن الشخصية الأسطورية العربية باهتة الملامح، شاحبة البناء، غامضة التمثل. [13]
أما الباحث د."حسين الحاج حسن"، فقال بكون العرب لديهم قابلية التأثر بجيرانهم، وأنهم تميزوا بخيال تصويري لا إبداعي، ومن الخيال التصويري تولد الأسطورة التصويرية.
ويرى المتخصصُ د."جعفرٌ ابنُ الحاجِ السلمي" أن العرب والمغاربة عرفوا الأسطورة في الشعر والمقامات والرسائل [14] ولايقلون في ذلك عن بني يونان .
في حين يورد الباحث"يونس لوليدي" تسع أساطير عربية شعرية فقط ، ويدعو إلى دراسة هذه الأساطير القليلة عوض أن نأتي بكل شيء وندعي أنه أساطير. [15]، وفي حكمه الوثوقي هذا الكثير من التجني والتسطيح للثقافة العربية القديمة من جهة مما سنحاول تفنيده في بحثنا هذا، وفي كونه لا يعترف إلا بالأسطورة حينما تستحضر شعرا من جهة ثانية.
عمومًا اختلف الباحثون العرب اختلافا كبيرا بين تأكيد حضور الأساطير وغيابها، مع العلم أن بعضهم خلط بين الأسطورة والخرافة والساجا، واختلاف الباحثين يعضده الندوة التي أقيمت تحت عنوان: "الأسطورة والتاريخ في المشرق العربي القديم" وطوال هذه الندوة لم يتفق البحاثة عدنان البني وفراس سواح وعلي أبو عساف و عبد الرحمن الحلبي على شيء، اللهم اتفاقهم على التفريق بين الملحمة والأسطورة، فينتهي النقاش بقول رئيس الندوة "أردنا أن نبحث في مسألة الصراع في الأسطورة، فإذا بنا نصطرع واقعيا". [16] .

هوامش :

[+] كثير من الباحثين العرب لم يلتفتوا إلى أن مفهوم الأسطورة في الثقافة الأوروبية كان مفهوما قدحيا مثل الثقافة العربية بالضبط، انظر في ذلك كتاب المقدس و المدنس ص 4 ميرسيا الياده .
[1] الفكر العربي: ص: 56 محمد أركون، ترجمة عادل العوا، منشورات عويدات بيروت 1983.
[2] انظر مثلا: الرمز والأمثولة في التعبير الشعبي مجلة ألف، 1993، لكنها أخذت المصطلح و غيرت المفهوم.
[3] ملامح من الأسطورة ص 5 ميرشيا إلياده، ترجمة حسيب كاسوحة،منشورات وزارة الثقافى السورية دمشق 1995.
[4] أنظر مثلا كتابه "الأسطورة والمعنى" ليفي ستراوس ترجمة: صبحي حديدي.
[5] السمات الأسطورية محمد كنون ، ص: 13.
[6] من العقيدة الى الثورة : المقدمات النظرية 1/178 ،حسن حنفي دار التنوير ط 1 بيروت 1988 .
[7] المرجع نفسه 1/83 ،ونختلف كليا مع ما يسقطه حنفي على أمتنا،وقد تصلح فينومينولوجيته في مفهوم الله على الإنسان غير الكاتب.
[8] الأسطورة : يونس لوليدي ، ص 07.
[9] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
[10] نفسه 08.
[11] نفسه ص: 12.
[12] ملامح من الأسطورة ميرسيا إلياد ص 11 .
[13] الميثولوجيا عند العرب: دراسة لمجموعة من الأساطير والمعتقدات العربية القديمة ص 88 عبد المالك مرتاض الدار التونسية للنشر 1989.
[14] فصول في نظرية الأدب المغربي والأسطورة : جعفر ابن الحاج السلمي ص : 14
[15] الأسطورة ليونس لوليدي ص: 105،و الرجل دخل إلى مجال الأساطير من المسرح اليوناني،و ليس متخصصا.
[16] المعرفة السورية عدد 329 فبراير 1991، أشغال ندوة، وقد فرق د/ "جعفر ابن الحاج السلمي" بين هذه الأجناس وبين الأسطورة في كتابه"الاسطورة المغربية" أنظره من صفحة 112 الى





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1980194 :: Aujourd'hui : 359 :: En ligne : 5