البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2013-09-24
نقد كارل ماركس لهيجل

yyy


كان هيجل أول من ادرك ان "اية فلسفة تعود لزمانها الخاص وهي مقيدة في نطاق ذلك الزمن". لكن ذلك يثير سؤالاً وهو: كيف يمكن للرؤية الفلسفية ان تبقى حيةً بعد انقضاء زمانها؟ الجواب لهذا السؤال يأخذنا الى ما وراء الجدال الفلسفي في تغلغل أعمق في زمان الفلسفة وزماننا، الامر الذي يجعل العنصر الرئيسي لفكر هيجل الحي يكمن في نقد ماركس له.
اولاً، لنوضح ما قصدهُ ماركس بمصطلح "النقد". هو مصطلح مرتبط بإحكام بفكرة هيجل عن "التناقض" او sublation: بمعنى نفي ومن ثم تأكيد الحقيقة الداخلية للشيء. انها عملية مشابهة لموقف ماركس من الدين: هو ليس رفضاً للعاطفة الدينية لأنها "غير حقيقية" او لا اساس لها، ومن ثم البحث عن شكل جديد من الدين. بل، علينا ان نكشف تلك المظاهر في طريقة الحياة التي ادّت لظهور الدين – ومن ثم نغيّر جذريا تلك المظاهر. الدين كان يمثل القلب في عالم لا قلب له. القضية هي ان نؤسس عالماً ذو قلب. بدلاً من الحل المخادع، يجب علينا، عند التطبيق، ايجاد حل واقعي.
ان عمل هيجل الفلسفي كان محاولةً لتلخيص جوهر التاريخ الكلي للفلسفة، وبالنسبة له كان ذلك يعني التاريخ بأكمله. لذا فان نقد ماركس لهيجل كان نقداً لمثل هذه العلوم الفلسفية. هو استنتج ان الفلسفة لا تستطيع الاجابة على الاسئلة التي افرزتها هي الى السطح. وفي النهاية، تلك الاسئلة هي ليست فلسفية وانما تطبيقية. عندما ادّعى ماركس ان عملهُ كان علمياً، فهو لم يقصد انه كان يطور عدداً من المذاهب او النظريات، وانما، هو من خلال تعقبّه للتناقضات في العلوم القائمة الى جذورها في الطريقة اللا انسانية التي عاش بها الانسان، استطاع القاء الضوء على ضرورة التغيير الثوري لطريقة الحياة تلك، والانتقال من التأمل الى حلول ثورية"تطبيقية حاسمة".
ليس لهذا علاقة بالقصة القديمة حول هيجل المثالي وماركس المادي، او حول تحول ماركس من المثالية و الديمقراطية الى المادية والشيوعية، او عن اسقاط ماركس لنظام هيجل المحافظ كي يرسخ طريقته الثورية. لو اننا قبلنا بمجموعة الأحكام المسبقة التي اُطلق عليها عادة بالماركسية، فاننا سوف نُمنع حتى من البدأ في الاجابة على سؤالنا الاصلي.
طوال حياته، عاد ماركس باستمرار لهيجل، في كل مرة يعمّق من اتفاقاته واختلافاته معه. ماركس بدأ نقده لهيجل في تاريخ الفلسفة اليونانية، في اطروحته للدكتوراه. هو استمر في فحصه النقدي لخلاصة هيجل عن تاريخ الفلسفة السياسية،"فلسفة الحق". بعد ان اوضح ماركس ان تصور هيجل عن الدولة الحديثة كان مرتكزاً على العلاقات الاقتصادية البرجوازية، فهو استطاع تشخيص ميول هيجل لذلك الاقتصاد السياسي.اصبح الان بامكانه البدأ بنقده لانجازات الفكر الاقتصادي البرجوازي، باعتباره أعلى تعبير عن لاإنسانية المجتمع البرجوازي. في كل مرحلة من عمله، استخدم ماركس دراسته عن هيجل لوصف الارتباط الجوهري بين الموقف الفلسفي تجاه العالم وبين الطبيعة اللاانسانية، الاغترابية، الاستغلالية القمعية، للاشكال الاجتماعية.
رسالة ماركس في الدكتوراه، التي انجزها بين 1839 و 1841 كانت عن "الفرق بين فلسفتي الطبيعة الايبوقورية والديمقراطية". طريقته في التعامل مع هاتين الذريتين اليونانيتين اصطدمت مع افكار هيجل – وربما مع كل شخص آخر – كونها اكدت على اصالة الايبوقورية. ماركس اعلن ان هدفه هو الكشف عن مصدر الوعي الذاتي الانساني وافكار عن الواقع المادي. هو يجادل ان الفلسفة يجب ان تتحول نحو الخارج باتجاه العالم. الكشف عن ذلك الوجود لا يرقى الى الجوهر، انها يجب ان تصبح تطبيقية، كذلك، ان "العالم المواجه للفلسفة هو كلي في ذاته، هو ... عالم شديد المعاناة . هذا يعطي اتجاهاً لنقد ماركس للدين. وبالضد من كانط، يؤكد ماركس ان العقيدة الدينية ليست مجرد اوهام.
"الآلهة والاديان بما فيها المسيحية، امتلكت وجوداً واقعياً ....."
في عام 1843، بدأ ماركس عمله محللاً سطراً سطراً لتلك الاقسام من فلسفة الحق المتعلقة بالدولة. هذه قمة أعمال هيجل الاخيرة، التي سعا فيها لتفسير الكيفية التي ادركت بها سلطة الدولة الحديثة ،ووفقت بين التناقضات في المجتمع المدني او المجتمع البرجوازي. ومتى ما كان المجتمع المدني "ساحة معركة للمصالح الخاصة"، فان الفلسفة تبيّن كيف تعبّر الدولة عن وحدة حياة الامة. انها كانت "واقع الحرية الملموسة". ان نقد ماركس لفلسفة هيجل في الدولة سمحت له ليرى ان كل من المجتمع المدني والدولة كانا غرباء عن الحياة الانسانية الحقيقية، التي سماها في ذلك الوقت "الديمقراطية الحقيقية".
بعد وقت قصير من تخلّيه عن عمله حول الدولة، قام ماركس بثلاث قفزات الى الامام، والتي غيرت مجرى حياته: هو رأى الأهمية الثورية للبروليتاريا، حيث اكتشف ان ما قصده بـ "الديمقراطية الحقيقية" كانت تتعلق بما يسميه الاخرون "شيوعية"، وهو ادرك ان عليه ان يقوم بدراسة حاسمة للاقتصاد السياسي. اما هيجل رأى ان "الروح" تتطور كالتالي: في كل مرحلة من انكشافها تجد الروح (شمولية الحياة الانسانية والفعالية) ذاتها في تناقض مع ما انتجتهُ هي ذاتها، الذي تواجههُ الآن كشيء غريب.الفلسفة تتأمل هذا الاغتراب،وتتغلب عليه من خلال هذا التأمل، وهذا حسب ادعاء هيجل هو الكيفية التي خلقت بها الروح ذاتها.ان العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني كان مثالاً رئيسيا لهذه الحركة. في عام 1844، بلغ نقد ماركس لكل من الفلسفة والاقتصاد السياسي ذروته حينما اكتشف في تصنيفات هيجل تعبيراً عن شيء آخر: الانسانية بالتأكيد خلقت ذاتها – كان هذا اكتشاف هيجل العظيم – لكنه لم يكن فعل الروح التي كانت اساسية، ولا هو من عمل الفلسفة، وانما العمل المادي.
ان نقد ماركس لهيجل انتقل من تاريخ الفلسفة القديمة الى تصور الدولة. ثم اتضح ان "الأشكال السياسية تبرز في المجتمع المدني وان هيكل المجتمع المدني يجب العثور عليه في الاقتصاد السياسي". ان نقد الاقتصاد السياسي هو الذي ركز عليه ماركس في بقية حياته، لكن هذا يمكن اساءة فهمه. لم يكن ماركس منشغلا في "نقد الرأسمالية"، كما نسمع عنه. لأن ذلك سيكون سقوطاً في فخ الطوباوية. مهمته كانت دراسة أعلى التعبيرات النظرية للعلاقات البرجوازية، ويبين كيف ان هذه النظريات تُخفي الطريقة التي ترفض بها هذه العلاقات ما هو انساني في الجوهر. ان علاقات تبادل الملكية الخاصة التي عرضها التنوير كاساس للحرية والمساواة والاخاء ، هي في الحقيقة" المضاد للعلاقة الاجتماعية". النقود ورأس المال يربطان الناس الى بعضهم، ولكن فقط عبر الفصل بينهم. وبما ان المجتمع منقسم، فان علاقات البرجوازية الاجتماعية تمارس السلطة تجاه الافراد الذين يرتبطون بها. الناس يعاملون بعضهم البعض – وانفسهم – كأشياء، بينما رأس المال يصبح هو الموضوع الحقيقي الذي يحكم حياتهم.
لقد كافح هيجل للتعبير عن الطريقة التي تطورت بها الحرية فقط في مستوى المجتمع ككل، وهو ما سماه "الروح". اما ماركس، الذي ذهب الى ما وراء الاهداف التقليدية للفلسفة، سعا لكشف امكانية الفرد الاجتماعي، الذي كان تطورهُ الحر شرطاً، بدونه لا يتحقق"التطور الحر للجميع".
....................................................................................................
Marx’s Critique of Hegel paper by Cyril Smith for Hegel seminar 18th June 1999





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2745433 :: Aujourd'hui : 2147 :: En ligne : 16