البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2013-07-26
جنوح الفلاسفة الشعري

yyy

جنوح الفلاسفة الشعري" للباحث الفرنسي كريستيان دوميه، ترجم من الفرنسية إلى العربية، وقامت بترجمة دقيقة وشفافة ومريحة ريتا خاطر (صادر عن المنظمة العربية للترجمة). مقاربات مهمة، وجريئة، تخترق علاقة الفلاسفة بالشعر، منذ افلاطون ونيتشه وديكارت وكانط وهايدغر وباشلار ودريدا وصولاً إلى باديو..
وفي هذه التقاطعات الوعرة، والمتوغلة، تطرح الأسئلة الكبرى، من أي باب يدخل الفيلسوف إلى الشعر، ومن أي نظرة "سابقة"، أو "ايديولوجيا"، أو تحليل يفكك الفيلسوف؟ الاحتمالات الدلالية، الفكرية، علاقاتها بالبنى الشعرية، واللغة (سواء داخل اللغة)، والطبقات، والأفكار وحتى النظريات!
عناوين لافتة لكتاب كريستيان دوميه ذي العنوان الفرنسي "La deraison poetique de philosophes ، ولكن هل يمكن اعتبار تعاطي الفلاسفة القدامى والمخضرمين والمعاصرين مع الشعر، جنوحاً، أم ان هذا الجنوح قد يضع الشعر على "مشرحة مطلقة"، أو في أداة ذهنية... أو على مساحة مأسورة، محدودة... وخاصة، ومطلقة... تهدد السر الشعري نفسه.
يذكر ان دوميه هو استاذ في جامعة باريس، وفي المعهد الدولي للفلسفة، نشر دواوين شعرية عديدة، وأبحاثاً حول الشعر والموسيقى.
اما المترجمة فحائزة دكتوراه في الترجمة وأستاذة في جامعة الروح القدس الكسليك، من ترجماتها "المضمر" و"أجمل قصة عن اللغة" و"المعنى في علم المصطلحات".. ولا بد هنا ان ننوه بجهودها الدؤوبة، وبجديتها وبإلمامها، ودخولها إلى عمق المعنى البحثي، ومصطلحاته.
اخترنا هنا التوطئة التي وضعها المؤلف.
لا تُكتب حول المسائل الجوهرية إلاّ المقدّمات. ويخال إلينا أنّنا حدَّدنا غرضاً ما وأمسكنا بثبات بخطوطه الاساسية وطوقنا حدوده أكثر فأكثر. ولكن، كم اننا واهمون! فمن فرط ما نضاعف المقاربات نراه على العكس ينأى ويبعد، وفي الوقت نفسه تدلهم المسافة التي تفصلنا عنه. هكذا تجري الامور هنا. ففي محاولاتنا المتكررة لإدراك الامور من كثب، لا بد لنا من ان نلاحظ سريعاً ان امتداداً آخر يتكشف امامنا وأن تفكراً جديداً يلوح في الافق وان غرضاً جديداً حتى يرتسم فارضاً ارجاء الالتقاف المتخيل. ومن شأن هذا التقدم الذي يسير القهقرى، اي هذا المشي الذي يشبه رقصة مشية القمر (Moonwalk)، أن يحدد على النحو الامثل الطريقة التي نعتمدها للتعامل مع ما أطلقت عليه، عن غير معرفة متبحرة، اسم المسائل الجوهرية، أي: تلك التي كلما خطونا خطوة باتجاهها نكتشف بانوراما ذات طابع إشكالي اكثر اتساعاً.
ان هذه المسائل التي يدور في فلكها كل الجهد الذي نبذله لنحيا هي قليلة العدد. ولكنها تتفرد بخاصية انها لا ترد أبداً على ذهننا بصيغة تدعو فعلاً الى طرح التساؤلات. بل انها تصنف بالاحرى في خانة الاجوبة التي تفرض نفسها بقوة. انها اجوبة لا تفصل نهائياً في اللغز الوحيد الذي تحيط به، فتقينا انطلاقاً من هنا بلا ريب الشعور بالقنوط واليأس. وكما يكتب جيورجيو اغامبين (Giorgio Agamben): "ان انعدام وجود غرض معرفة نهائي هو بالضبط ما يخلصنا من الشعور بالتعاسة الذي لا ترياق له والذي تكتسي بحلته الاشياء. كل مسلمة اخيرة ترضي نفسها بصياغة تشيئية وإن كانت تبدو موفّقة ظاهرياً تتسم دوماً بطابع الادانة القدرية، والحكم الذي يسجننا الى الأبد في حقيقة الواقع(1). ويردف قائلاً: "ان الانسياق نحو هذا الاقفال النهائي للحقيقة هو ميل يمارس في اطار اللغات التاريخية كلها، وهو أمر يحاول الشعر والفلسفة سدى التصدي له".
فقد كان القرن الماضي حافلاً بـ"المسلمات الأخيرة" وبـ"الصياغات المجسمة"(*) مع ما ينتج من ذلك، على الصعيد السياسي والاخلاقي والجمالي، من مفاعيل ليس عنها أحد بغافل. ولم يتألق كل من الشعر والفلسفة باندفاعات أقل جذوة في هذا الصدد. علماً بأن لا هذا ولا تلك جسَّدا بنسق واحد الجهد المبذول للتصدي لمسألة "إقفال الحقيقة إقفالاً نهائياً" التي تحدث عنها اغامبين. وبالعكس، كانا يقدمان لها احياناً عضداً غير مألوف وحَمِساً. فلُبان الصيغ والأنظمة والصور(2) هذا الذي يُحرَق من أجل قضايا تدعو للرثاء او تتصف بالرداءة، قد اتخذ في زمن قوائم الجرد قيمة التيه؛ وبات هذا التيه يلقي بظلاله من الآن فصاعداً على الأحكام الصادرة ليس فقط بحق هذا العمل الأدبي المعين أو ذاك، بل بات يوجه بشكل فضفاض وملح أكثر وتهكمي بمكر أكثر، بحق فعل ممارسة الشعر والفلسفة بحد ذاته، اللذين يتهمان دائماً بمساومتهما المحتملة مع الأسوأ.
يستوجب الأمر ان تراود المرء الكثير من الأوهام وأن يتحلى بالكثير من البراءة ليصدق تلك الحقبة التي ولّت. ويكمن هنا بالضبط أحد موروثات القرن العشرين: والمتمثل في هذا القلق من أن احداثاً نستمد منها جزءاً من القوة التي نفرضها في مجال الفكر، وكنا احياناً شهوداً علينا، أضحت وثيقة الصلة بشكل لا يمكن الرجوع عنه في استعمال اللغة. وأحد أكثر المؤلفات النيرة في هذا الصدد هو بلا ريب المؤلف الصادر عام 1956 والذي يحمل عنوان عصر الريبة (Lere du soupcon)، وفيه توضح ناتالي ساروت (Nathalie Sarraute)، في خضم الحديث عن وضع الشخصية الروائية، وأبعد من نطاق كلامها بكثير، العلاقة التي تربطنا بالواقع، وهي توضح بادئ ذي بدء دلالة هذا المرجع نفسه، أي الواقع، وقيمته. وعليه، ليس أكيداً البتة ان الفلسفة والشعر يثابران دائماً على "التصدي" للميل الى الحقائق المقفلة. وكلنا يعرف منذ بنيامين بيريه (Benjamin Peret) ان ما كان يشكل في أحد الأزمنة الغابرة مجد الشعراء قد ينقلب سريعاً الى ما يشكل خزيهم.
لم يكفّ إجمالاً زمن الصراعات العالمية عن اعادة وضع العلاقة التي تربط كل خطاب بمرجع الحقيقة على بساط البحث. وهو، من خلال اجراء عمل تشكيك معمم طويل، انتزع من اقوال اللغة هذا الايمان بوجود معنى ثابت ومشترك. وهذا سعي بدأ لا جَرَم منذ فجر عصر الأنوار، ولكنه يبلغ أوجه مع تحليل الخطاب، وكذلك في ظل مختلف اشكال النسبوية المحيطة بنا. والحال انه في الوقت نفسه، ساهم انهيار التجاوزات المؤسسة الكبرى في ارجاع كل ما نصنفه تحت خانة مصطلح الحقيقة الشمولي إلى خانة مثولية الكلام. كما ساهم في تحويل وضوح الأشياء إلى مفعول كلام، وفعل المعرفة الى اجراء كلامي. ففي طور تكثف الكلام، يغدو أيضاً هذا الأخير مادة البناء الوحيدة التي تصلح لتشييد عوالمنا الحميمية والجماعية. وان النشاطات الاكثر انطباقاً على التعبير الشفهي كالشعر والفلسفة من جملة امور اخرى قد وضعت في صلب حقل التناقضات هذا. فمن جهة، بطل بوضوح نفوذها الناظم في ترتيب الاشياء، والذي غذت العصور القديمة فكرته منذ هوميروس وافلاطون. بيد ان فرصة إلقاء بعض الضوء على الظلام المحدق بوضعنا لم تكن متوقفة من جهة اخرى إلا على هذه الاشارات التي لم تكن تكل أو تمل من إعادة تنظيمه وطرح الأسئلة بشأنه. ويخرق هذ التمزق الداخلي جدار الوعي المعاصر. ويجعل العلاقتان الفلسفية والشعرية بالعالم علاقتين صنوان لا تفصم عراهما في سياق هذا الوعي المفكك. فتصبحان أختين توأم متحدتين، ونادراً ما كانتا كذلك حتى في اطار الدراسات المطوبة او المساهمات الخبيثة التي تغلفها خيوط المنطق السائد بين الناس. وبالتالي، يقتضي أكثر من أي وقت مضى أن نعيد التفكير في هذا الرابط بينهما والذي يعيد الحاضر شده، في حين لم يكف التاريخ الماضي عن فصمه.
في البدء، فرض خلاف نفسه بينهما. ونقصد بعبارة في البدء ان الأساليب كلها التي "نظر" بموجبها الفلاسفة إلى الشعر تحيل، بشكل ضمني أو صريح، الى مشهد صوّره افلاطون في الكتيب الثالث من كتابه الذي يحمل عنوان الجمهورية (Republique). ويعرض هذا المشهد، كما نعلم، عملية طرد الشعراء خارج المدينة بذريعة انهم يحرفون الفكر عن درب الحقيقة من خلال اخضاعه لاغراء الصور المضللة. فحين تم ابتكار الفلسفة بوصفها احد انظمة الفكر، عمدت مباشرة الى ادانة نقيضها المتمثل بأوباش الشعراء الدخلاء. وكانت تعتبر انه ينتمي الى عالم الرؤيا الخارقة مبعدة اياه عن قضية الحقيقة العظمى التي تكرس نفسها لها. والأمور هي اكثر تعقيداً بكثيراً مما يوحي به هذا الملخص. ومرد ذلك اولاً الى ان افلاطون لا يستخدم مصطلحي شاعر وشعر وفق المفاهيم نفسها التي نعرفها، وثانياً الى ان هذه الادلة قد شجبت في الواقع من خلال اللجوء المتكرر، في الخطاب السقراطي، الى الاحالات الشعرية والاسطورية. بيد ان الآثار التي تتركها هذه الفقرات القليلة المعدودة في كتاب الجمهورية، وغيرها أيضاً لدى افلاطون، لا تحتمل الالتباس، إذ: انها تميل الى الاشارة بوضوح الى وجود استعمالين للغة، وإلى تعزيز التعارض القائم بين الكينونة والظاهر، والى التفريق بين الشعر والفكر والى تجزئة الفكر الى منطقتين متنافرين، والى رسم جغرافيا دقيقة عبر العالم تمر حدودها في اماكن غير متوقعة ولا تكف عن التقلب مظهرة حالات عدم فهمنا الى ما لا نهاية له.
إلا ان غيرية(3) الشعر هذه تشكل ايضاً شرط الحوار الذي ينشأ بين الفلسفة والشعر. زد على ان كلمة حوار ليست الكلمة المناسبة لنستخدمها في هذا الموضع. فأن نتحدث، كما نفعل بكثرة في ايامنا هذه، عن "حوار الثقافات" يعني ان ندّعي وجود حوار مفترض بين الفلسفة والشعر. وفي الواقع، تستلزم الحوارية استيفاء شرطين على الاقل، ألا وهما: تكافؤ الاصغاء بين المتحادثين ولغة مشتركة. وهما شرطان لا يجتمعان برأيي في أي من هاتين الحالتين. وانه لمن العسير في الواقع، مكتفين بمعالجة الحالة الثانية، ان نقف على الأسباب التي تتضمن بموجبها الممارسة العملية التي ينتهجها الفيلسوف بذاتها اصغاء محدداً الى الشعر. أما اللغة، فيعلم القاصي والداني انها تشكل في كل من الحالتين موضوع استعمالات متناقضة كلياً، وان ذلك يعد احد اسباب الخلاف. "فلقد آن الأوان"، كما يقول هايدغر (Heidegger)، "بأن نتحرر من الرأي القاضي بأن حوار الشعر والفكر يستوفيه مزيج صيغتي القول هاتين الغامض والذي يكثر عنه الحديث مما يوجد امكانية تبادل الاقتباسات الغامضة بينهما (...). فحقيقة، يصار لدى عرض كل من الشعر والفكر الى الابقاء على المسافة التي تفصل بينهما، فيلبث كل منهما في الغموض الخاص الذي يكتنفه بواسطة اختلاف هش إنما واضح"(4).
يعزى رابط الغيرية هذا (الذي يمثله لاختلاف الهش انما الواضح) إلى التذكر أكثر منه الى الحوار. ففي خضم التبعثر العام للخطابات ووسط بطلان الكلام، تمثل القصيدة مجدداً للمفكر وكأنها قضية ملحة. انها غرض مباغت يطرأ على تدفق الفكر ويقف حجر عثرة في وجه التراكيب المشكلة سلفاً والتيارات المنطقية والصياغات بمختلف أنواعها؛ كما يحول دون القدرة على اقامة هذا التشابه الذي تتصف به الأفكار سواء في عرض تسلسل أحداث حياة ما أو انتاج أدبي معين. وان انبثاقها، على غرار انبثاق مقتطفات أبيات الشعر التي تصدر عن صوت داخلي يسمعه مالارميه (Mallarme) على حين غرة وهو يمشي في الشوارع، يقطع حبل الأفكار ويثير لساعته التساؤلات حوله. ويكشف فيه وجود تيارات اخرى اقل قابلية للتنبؤ ولكنها ليست أقل فاعلية، كما يظهر جانباً لا واعياً بأكمله من جوانب الفكر.
فجائية القصيدة: يفرض إذاً زمن آخر نفسه في قلب ما كنا نخاله زمن التدرج الواضح والمشارك. ويكشف زمن آخر، أو عدة أزمنة أخرى في الحقيقة، طبيعة التدفق الذهني المتعددة الأصوات، أي تعدد الأصوات الخاص بالأساليب التي ننتهجها للمناورة في المجهول وللتقدم فيه بواسطة ضربات مرجاس متعددة، من فرط ما فيه من تناقضات. فما يثيره بيت شعر واحد مدسوس في النثر، وما يفرضه فجأة على واقع التيار الفكري، انما هو نوع من الاعتراض. انه غرض مثقل بعتامته وبصمته الخاصين وبجمادته المقاومة لكل شكل من اشكال الحيوية. فهو يعارض من خلال زنته أو فكرته فهاتان الكلمتان وجهان لعملة واحدة. وليست طريقته في التفكير في مجال الفكر إلا عبارة عن هذه الزنة التي تشحن فيه مع الوقت. انه صيغة زمنية فجائية تؤثر وتفكر على حين غرة، مما يجعل ممكناً حدوث تدخلات اخرى من النسق نفسه، أي تقاطعات زمنية اخرى.
وعليه، ان عملية إدخال القصيدة في النثر المفكر ليست سوى التجلي المنظور للتذكر وللعمليات المعقدة التي يستوجبها. فهي تقدم دليلاً على الطريقة التي تعمل بموجبها بعض مناهج تفكيرنا العقلية التي تتوسل حالات الجمع وحالات المقاومة لأي شكل من أشكال الجمع، بقدر ما تلوي القصيدة التي تكون في غير موضعها، والمضافة ان جاز التعبير بسبب طابعها الشعري نفسه، الروابط التي يخلقها الفكر معها من خلال استحضارها. ويؤثر هذا الالتواء بطريقة غير مباشرة في ترقي الفكر نفسه الذي يجد نفسه مضطراً بغية مواصلة العمل وهذه تحديداً وظيفته ان يتفاوض مع صورته غير المتجانسة التي تتحدد هنا، وهلم جرا.
فكيف يحدث ان تأتي قصيدة، أو بيت شعر أحياناً، أو جزء من بيت شعر، أو حتى محاولة نظم الاوزان والقوافي لتلازم الفكر في نزعة غامضة لادراك ما لا يمكن هضمه واستيعابه؟ فأي نوع من انواع الجذب يعمل حينئذ؟ وما الفائدة التي ترتجى منه؟
ان نتكلم أو أن نكتب في مجال الفلسفة يعني ان نتعرّف على كلية قدرة اللغة على الأفكار. ويعني ذلك ان نختبر نشوة السلطة في الكلمات وأن نحب هذا التفوق الفكري. "أنا مغرم بعض الشيء بطريقتي في الترقي في الأفكار عندما أفلسف"(5)، كما أكد فتغنشتاين (Wittgenstein). وفي الواقع، ان نفلسف يعني ان نأخذ في الحسبان هذا النفوذ وان نستكشفه وأن نمارسه: وكلما مارسناه، يتسع نطاق ممارسته. وجل ما يعنيه التعلم هو ان نقوم بهذا الاستكشاف. إذ تتمتع الفلسفة بقدرة انها تملك القدرة على صعيد الفكر. فهي قادرة. انها قادرة على كل شيء، ما عدا على شيء واحد، ألا وهو: ان تلزم الصمت.
ما الذي يعنيه فعل لزم الصمت (se taire) بالنسبة إلى الممارسة الفلسفية؟ لا تتوافق كثيراً كلية القدرة على الكلمات مع المعنى الضميري الغريب لهذا الفعل في اللغة الفرنسية. كأن يطبق المرء على نفسه فعل الصمت، وان يجعل من نفسه هذا الصمت، أي كتلة السكوت هذه، كما لو ان الكلمات تنقصه فجأة أو ان السلطة التي كان يمارسها عليها تخور. وان الفيلسوف الذي يستسلم لمثل هذا الاغراء، إن كان من الممكن ان يبدو كذلك بنظره، ينتقل إلى موقع آخر تماماً، ونعني به: الحكمة أو الجنون ربما؛ وهو شكل من التأمل التمهيدي ولكنه لا يمهّد لأي شيء مطلقاً. وعلى أي حال، تنشأ فجأة مسافة بين الشخص نفسه واللغة. والحال ان الفلسفة، مثلما يذكّر به جورج آرثر غولدشميدت (Georges-Arthuer Goldschmidt)، "لا ترمي إلا إلى إزالة هذه المسافة أو ردمها وإلا لما كانت تتكلم عنها بهذا المقدار. ولكنها تخفق في بلوغ غرضها لأن هذا الاخير يمتاز بخاصية انه لا يتألف من مادة"(6).
ان نصمت إذاً. ويعني ذلك ان ندخل في صمت الأشخاص الحبيسين كصمت بودلير (Baudelaire) أو صمت نيتشه (Nietzshe)، أو في صمت البهائم، أو في "الوطن الصامت" للأشياء. ويعني ذلك بتعبير آخر ان ندخل إلى عوالم الصمت هذه مع اللغة وعبرها. هذا ما تعجز عن فعله الفلسفة وان الصفحات التي يكرسها المؤلف العظيم الذي وضعته اليزابيت دو فونتينيه (Elisabeth de Fontenay) للتحدث عن عالم الحيوان لدى هايدغر على سبيل المثال، هي مثقفة في هذا الصدد(7). ومرد ذلك بلا ريب الى ان الصمت الذي نتحدث عنه هنا لا يختبر بوصفة حالة، ويتعذر ادراكه في اطار اي انطولوجيا، بل انه على العكس يحيل الى تجارب والى لحظات فريدة. فيما يعكر صفو الفلسفة، ما ان تستحوذ على كلما يأبى هايدغر اعطاءه وضع "العالم"، يتجلى في أن العالم الخاص بشيء ما أو ببهيمة ما يضعنا في حالة استنفار أحياناً. وان هذا الصمت الفجائي يتملكنا. ويركن اذاً هذا الاستنفار وهذا التملك إلى خصوصية لحظة معينة: إنه "صمت العالم قبل باخ" (Le silence du monde avent Bach) للشاعر لارس غوستافسون (Lars Gustafsson)؛ إنه الوقت المتوقف في قصيدة الخطوات (Les pas) لدى بول فاليري (Paul Velery)؛ أو صمت قصيدة ناقوس التنبيه (Gong) لدى ريلكه (Rilke).
لا شيء يبقى غريباً عن النيّة الفلسفية أكثر من ما يستعصي على عملية اشتماله في تصور، على غرار: تذبذب الأحداث والوجه غير المتوقع لما سيطرأ والإلهام... وتستند الفلسفة، التي تطرح منذ نشأتها كمسلمة فكرة الادراك المشترك، الى الطبيعة القابلة للمشارطة لما هو خطي من اجل بناء ما هو كلي. إلا ان هذه الكلية لا يتم ارساؤها أبداً بشكل مطلق. فالطابع الماورائي للرموز أي واقع انها لا تشير الى هذا الأمر أو ذاك في الظرف الراهن، بل الى كل ما يكون هذا الأمر تجلياً خاصاً له لا يكون مثبتاً بشكل تام ونهائي. إذ لا يتكوّن أبداً اليقين بوجود هذا الأمر وراء ذلك الأمر بشكل كلي؛ وبتعبير آخر، لا تترسخ مطلقاً الفكرة في كلامي بشكل تام أو عفوي. إذ يستوجب ذلك اجراء عمليات لا تتعلق بالادراك فقط، بل أيضاً بقدرة الخطاب على حض الآخرين على الإيمان به وعلى كسب تأييدهم.
تتجلى فرضيتي فرضية هذا الكتاب برمته في أن الفلاسفة يميلون، بمقتضى طرق وأساليب خاصة بكل ظرف تاريخي، إلى ملاقاة القصيدة الشعرية، من أجل تحقيق غاية وحيدة تهدف إلى تقليص هذا الظن، وبذلك الى اعادة بناء السحر الخاص الذي تعد به كلية الخطاب. انه توق مجنون بلا ريب، ولا عقلاني بلا أدنى شك، ولكنه ثابت حتى في أشكاله الأكثر صرامة. لشدة ما يكون صحيحاً ان التجربة الفريدة تستعصي تسميتها على الصعيد الفلسفي. فسواء اتخذت القصيدة الشعرية شكل الحلم أو الخيال المبدع أو الحنين، فانها تضع دائماً في مقابل اللوغوس (Logos) اصطلاحها التعبيري الخاص في اللغة، أي سذاجتها (idiotie). والحال انه، أن يكون الشخص فيلسوفاً لا يعني ذلك ان يناضل ضد السذاجة، بل ان يعيد توطينها في أرض الادراك العقلي.
يعرض هذا البحث مغامرة إعادة التوطين هذه، وهو يتضمن ما يناهز العشرة أبحاث يتم تنظيمها في كل مرة حول شخصية أو شخصيتين تؤديان دور نقاط الاستدلال. وتطالعنا فيه قصائد شعرية. ونصادف فيه فلاسفة مثابرين على قراءة القصائد الشعرية. وسنحاول في سياقه معرفة ما الذي يكلمهم من خلال هذه الأصوات الغريبة. وسنحاول أن فهمها. وان نحلم معها. وأن نمررها قدر المستطاع في نبرتهم الخاصة. او ان نبعدها بشكل مسرحي أو بالعكس. وسنضطلع اجمالاً بدور التأليف، ولكن توليفتنا لا تنتمي إلى أسلوب النظم نفسه الذي يستخدمه هؤلاء، أي انها معزوفة متعثرة إنما ثاقبة. وسنبحث من دون كلل أو ملل عن السبب الذي يدفع بهم إلى القيام بهذا العمل. فنجده حيناً ونفقده أحياناً.
[ الحواشي
Giorgio Agamben, ldees de la prose, trad. Par G. Mace (Paris: Christian BourgoisK 1998), p. 38.
(*) أي التي تُجسّسم أو تُسقط الأفكار في كلام.
(2) "كم من الثنائيات الوبيلة، بين حياة دنيا نقيصة وحياة آخرة تعتبر الخيرة، وكم من المعارف الروحية التي يتعذر تنفيذها، وكم من الكلام المحال قد تم نشره هكذا بواسطة العبقرية السوداوية التي تتحلى بها الصورة منذ انبلاج فجر غربنا (...)! وأي اداة هي تلك الأحلام بالنسبة الى الايديولوجيات التي تقول بالعدمية دوماً، وبالنسبة الى نهم السلطة التي ستحولها إلى شعارات ترفها! نقلاً عن: Yves Bonnefoy, La presence et Limage (Paris Mercure de France, 1083), p.34.
(3) ما يخص الآخر في مقابل الأنا.
(4) Martin Heidegger: "Le deploiement de la parole", dans: Acheminement (4) vers la parole, trad, par J.Beaufret, W.Brokmeier et F.Fedier (Paris: Gallimard, 1976), p.180.
(5) انظر ص 231 232 من هذا الكتاب.
(6) Georges-Arthur Goldschmidt, Le poing dans la bouche (Lagrasse: Verdier, 2004), p.80.
(7) Elisabeth de Fontenay, Le silence des bêtes: La philosophie a Lepreuve de Lanimalite (Paris: Fayard, 1998), pp. 661-675.

كريستيان دوميه





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2807604 :: Aujourd'hui : 2010 :: En ligne : 16