البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2013-03-24
نقد القراءة الهيدغرية لنيتشه

yyy


1. التأويل الهيدغري لفلسفة نيتشه :
يرى هيدغر بأن هيمنة مفهوم القيمة على فلسفة نيتشه ، وصياغته لقضايا الفلسفة والوجود صياغة قيمية/أخلاقية ، يعتبر أبرز دليل على طابعها الميتافيزيقي ، واندراجها ضمن تاريخ الميتافيزيقا بما هو تاريخ لنسيان الوجود . ففلسفة نيتشه بالرغم من نقدها للميتافيزيقا ، وقلبها للأفلاطونية ؛ إلا أنها – في منظور القراءة الهيدغرية – تنتمي إلى الميتافيزيقا وتندرج ضمن إشكاليتها ، ألا وهي إشكالية " نسيان الوجود " ، وهي الإشكالية المحددة لماهية الميتافيزيقا عند هيدغر . وذلك من خلال الأولوية والصدارة التي منحها نيتشه لمفهوم القيمة داخل فلسفته مقابل غياب بل وانمحاء كلّي لمفهوم الوجود لديه ؛ ومن خلال مفهوم إرادة القوة الذي يجسّد عودة إلى مفهوم الذات وترسيخ لمركزيته وسلطته داخل الفلسفة ؛ ومن خلال تمجيده للإنسان الأرقى ؛ وأخيرا من خلال اللامفكر فيه الميتافيزيقي المتحكم في كامل فلسفته ؛ من خلال كل هذا اعتبر هيدغر بأن فلسفة نيتشه تعدّ تتويجا لمسيرة الميتافيزيقا وختما لها . إنها تمثّل اكتمال الميتافيزيقا وأوجها ونهايتها في الوقت ذاته .
إن التساؤل عن أصل مفهوم القيمة في فلسفة نيتشه ، هو في نظر هيدغر جزء لا يتجزأ من التساؤل عن ماهية الميتافيزيقا في تلك الفلسفة . وطرح هذا السؤال يجعلنا في نظر هيدغر نقف على الترابط القوي الذي يقيمه نيتشه بين تأسيس القيم وإرادة القوة . لأن أصل اعتقاد الإنسان في القيم الكونية والشمولية مرتبط برغبته وإرادته الملحّة في أن يتحمّل قيمته وأن يضطلع بها بذاته ، في عالم صار – "بعد موت الله "- فاقدا للقيمة ، وخال من المعنى والحقيقة ، وبدون غاية . ولهذا تعتبر إرادة القوة هي المرجع الأساسي في قلب القيم، ووضع لوحة جديدة للقيم . فالقيم كلها مؤسسة على إرادة القوة ، وبحكم ذلك فهي شروط لإمكانية الحياة .
يلخّص هيدغر هذا التداخل بين القيمة والمنظور وإرادة القوة على النحو التالي : " كل هذه القيم ، بما هي قيم ، عبارة عن بعض وجهات النظر ، لبعض حقول الرؤية ، لنموذج من إرادة القوة " [1]. وبما أن إرادة القوة هي التي تغدق على الأشياء معناها وقيمتها ، فإن كل ظاهرة أو موجود هو عبارة عن منظور ، أو هو من حيث ماهيته منظوري . مما يعني في آخر المطاف أن الواقع ذاته ليس سوى نتاج لمنظور معين . إنه من جهة محدد من قبل إرادة قوة ، ومن جهة أخرى يشكّل تشابكا للمنظورات والتقويمات . فالطابع التركيبي لتقويمات الواقع ، يعكس بدوره الطابع التركيبي لإرادة القوة ، من حيث أن هذه الأخيرة هي مركّب من قوى متصارعة ومتنازعة ؛ منها قوى ارتكاسية تنزع إلى المحافظة على الذات والإبقاء عليها حتى ولو كان ثمن ذلك التشبث بالأوهام ، ومنها قوى فاعلة تنزع إلى التوكيد والإبداع والتجاوز الذاتي [2] . إذن فالقيمة هي أساسا وجهة نظر ، تفيد في الزيادة في الهيمنة وتوسيع نطاقها ، أو في الحد منها واختزالها . وعليه فالدين والأخلاق والفلسفة والعلم والفن ، ومؤسسات المجتمع كالدولة وغيرها ، تقوم كلها مقام القيم ، بما هي شروط ضرورية لتنظيم حياة الجماعة والتحكم في الصيرورة ومفاجآت الزمن .
هيمنة مفهوم القيمة داخل الفلسفة بصفة عامة ، وترجيحه في ميتافيزيقا إرادة القوة بشكل خاص ، سيمكّن الفلسفة –حسب التأويل الهيدغري – من أداء وظيفتها المتمثّلة في قلب جميع القيم هذا من جهة أولى . ومن جهة ثانية ، سيجعلها تتحول إلى نوع من المرآة يتجلى فيها بوضوح تاريخ الميتافيزيقا ، بما هو تاريخ لتحقيق مقولات العقل الأساسية : كالكلية ، والوحدة ، والحقيقة ، وهي التي تتخد في فلسفة نيتشه – حسب هيدغر – شكل المقولات العليا . هكذا فمع نظرية القيمة النيتشوية ، سيصير تاريخ الفلسفة تاريخا لتأسيس القيم وتحقيقها [3]. ومن جهة ثالثة ، فإن التأويل النيتشوي لمفهوم القيمة ، وصياغته لمشكلات الفلسفة والكينونة صياغة قيمية ، سيجعل الميتافيزيقا أكثر قابلية للفهم مما كانت عليه سابقا . إنه سيمكّن الميتافيزيقا من وعي ذاتها ، لأنه سيلهمها القدرة لكي تقول ما عجزت عن قوله ، وعن التفكير فيما لم يتم التفكير فيه بعد . وهكذا فتكريس سيادة المنظور القيمي أو القراءة القيمية داخل الفلسفة ، سيكشف القناع عما هو مسكوت عنه وظل متواريا في الظل ، مشكّلا بذلك – كما يرى هيدغر – نوعا من اللامفكر فيه في تاريخ الميتافيزيقا . وإذا كان الأمر كذلك ، فيجب أن ننظر – كما يقول هيدغر- إلى تصور نيتشه لمقولات العقل بما هي تجسيد للقيم العليا للغرب ، باعتبارها كمحاولة لتحرير القيم الميتافيزيقية واسترجاعها لمحتواها الخلاق ؛ وهو المحتوى الذي ظل في غياهب اللاوعي . لقد صارت الميتافيزيقا بعد أن أخضعت من قبل نيتشه للقراءة القيمية ، بمثابة تأويل للوجود في كلّيته من حيث هو إرادة قوة[4].
لكن إذا كانت الميتافيزيقا هي هيمنة لإرادة قوة ، فإنها ستكون خاضعة للإرادة الأخلاقية ؛ وستصير على حد تعبير هيدغر " أنطولوجيا أخلاقية أو أخلاقا أنطولوجية " [5]؛ وبالتالي سيكون أساس الميتافيزيقا هو الأخلاق . وبحكم الطابع الأخلاقي لهذه الإرادة ، فستكون ارتكاسية عاجزة عن ممارسة القوة ، أي عاجزة عن وضع وتحديد غايات وتحقيقها ؛ وهذا ما يجعلها تقوم بعملية إسقاط – خارج ذاتها وفي عالم ما فوق حسي – لنسق من التقديرات والتقويمات المتعلقة بما ينبغي أن يكون ، وتتخذ منه مقياسا للأشياء . ويرى هيدغر بأن هذا المعنى الذي يعطيه نيتشه للميتافيزيقا ، هو ذاته المعنى الذي يعطيه للأخلاق؛ فهي تتحدد أيضا باعتبارها منظومة من التقويمات التي تتخد من العالم المفارق معيارا لكل شيء [6].
هكذا يتمثّل نيتشه – في تأويل هيدغر- الميتافيزيقا بكيفية أخلاقية ، مادام يتعامل معها كنسق من تقديرات القيم [7] . وبهذا يصبح كل تأويل للعالم هو بمثابة تأسيس لقيم معينة لتنظيم العالم وتشكيله تبعا لإرادة القوة ، أي تبعا لصورة معينة للإنسان . فتصير الميتافيزيقا مع نيتشه عبارة عن نزعة أنتروبمورفية ، أي بمثابة إدراك للعالم وفقا لصورة الإنسان . وهذا ما يجعل هيدغر يصل إلى الخلاصة التالية : وهي أن ميتافيزيقا إرادة القوة ، والتي يتأسس عليها مذهب الإنسان الأرقى ، تجعل من الإنسان مركزا للوجود ، ومقياسا مطلقا ووحيدا للأشياء . وهذا ما لم تستطع إنجازه وتحقيقه كل الميتافيزيقا السابقة على نيتشه ، والممتدة من أفلاطون إلى هيجل [8].
وإذن فإن فلسفة نيتشه – حسب التأويل الهيدغري – تضرب بجذورها في أرض الميتافيزيقا، لأنها ترتد في آخر المطاف ، إلى التأويل الميتافيزيقي الأصلي كما مارسه ووضع أسسه أفلاطون ، الذي اعتبر بأن الفكرة l’idée ، هي نموذج وماهية للوجود ، ومقياس لأشيائه وظواهره . وهذه الفكرة الأفلاطونية هي التي ستتبلور في عصر النهضة مع ديكارت ، وستتخد صورة الإدراك الواضح والمتميز للكوجيطو ؛ كما ستتخد مع ليبنتز شكل التمثّل la représentation ؛ إلى أن تعثر في فلسفة كانط على صورتها الناضجة والمتمثّلة في شروط الإمكان . وبهذا التأويل صار الطريق معبّدا وحرّا لتبلور مفهوم القيمة في الميتافيزيقا النيتشوية ، أي لتصبح الخاصية الأساسية للوجود والموجودات هي القيمة ، أي إرادة القوة [9].
والخلاصة هي أنّ التأويل الهيدغري لفلسفة نيتشه بصفة خاصة ، ولمفهومه للقيمة على الأخص ، يجعله لا يخرج عن الخط الفكري الذي رسمته الميتافيزيقا عبر مختلف مراحل تطورها ؛ مما يجعلها تتماهى مع مختلف أشكال الميتافيزيقا ، حتى وإن كان نيتشه ذاته يصرّ على اعتبار فلسفته بمثابة "قلب للأفلاطونية" التي تشكّل في نظره ميتافيزيقا للشعب .
هذه الإعتبارات هي التي جعلت هيدغر يعتبر الخط الفكري بين كانط ونيتشه هو خط موحّد بصدد مفهوم القيمة ، بعد أن بيّن وحدة تفكير نيتشه وديكارت بصدد مفهوم الذات . يقوم هذا الخط على النظر إلى الإنسان ، باعتباره خاضعا لسلطة إرادة القيم التي تشكّل "عالما موضوعيا" ؛ يتميز بالقبلية apriori ؛ ويشكّل مقياسا لتقويم الكائنات والأشياء . وهو خط يقوم في جوهره وعمقه على أساس أفلاطوني ، يزعم أنه من داخل عالم القيم يمكن تقرير مصير الكائن ، وتحديد شروط إمكان الحياة . وهو الخط ذاته الذي سيصبح فيه "الإنسان الأرقى" ، هو المعنى الأخير والقيمة العليا التي لم يكن لها على الإطلاق وجود من قبل. وبهذا تكون الميتافيزيقا قد بلغت أقصى درجة العقلانية وسيطرة القيم، ووصلت إلى منتهاها مع قلب جميع القيم transvaluation[10].
وهكذا ففلسفة نيتشه التي تظل في نظر الكثير من الباحثين المعاصرين تمثّل فجر ما بعد الحداثة الفلسفية [11]، بما حققته من زحزحة جذرية للسؤال الفلسفي حيث نقلته من المستوى الماهوي الميتافيزيقي إلى المستوى القيمي والحياتي ؛ وباستحداثها لآليات جديدة في قراءة الخطابات وتأويل النصوص تعتمد أساسا على التحليل الجنيالوجي ؛ وببلورة تصور جديد للفلسفة والتفلسف ، وإرساء منحى جديدا لمسألة الحقيقة في الفلسفة ..إلخ .
وعلى النقيض تماما من هذه الصورة ، ظل نيتشه في التأويل الهيدغري يفكر من داخل أسوار الميتافيزيقا وثنائياتها المطلقة : كالحقيقة والخطأ ، والخير والشر ، والعمق والسطح ، والمعقول والمحسوس ، والباطن والظاهر ..إلخ ؛ ولم يستطع الخروج على الأساس العام الذي اتخدته الميتافيزيقا منطلقا لقول الحقيقة وإصدار الأحكام ، ألا وهو مبدأ الذاتية أو مفهوم الذات [12].
صحيح أنّ "ميتافيزيقا إرادة القوة" – وهو العنوان الجديد الذي وضعه هيدغر لفلسفة نيتشه – عملت على الحطّ من قيمة المنطق والعقل من حيث هما السبيل الوحيد المؤدي إلى حقيقة الوجود ؛ إلا أنّ هذا النقد الموجه لهما ، ظل تبعا للمنظور الهيدغري ، نقدا لم يبارح أرض الميتافيزيقا ؛ لأنه بقي محكوما بتصور آخر للذات من حيث هي إرادة قوة [13].
صحيح أنّ نيتشه انتقد أساس الميتافيزيقا الذي هو الذات أو العقل ، والمنطق وإرادة الحقيقة، ودعا إلى إقامة أساس مغاير يردّ إليه المعنى والحقيقة ؛ غير أنّ نيتشه – حسب هيدغر – لم يخرج عن ذلك الأساس الميتافيزيقي الذي هو مفهوم الإنسان ، والذي كان وراء خلق عالم من الأفكار المفارقة التي فقدت كل صلتها بالواقع الحي ؛ فلم يستطع تجاوز المفارقة التي تحكمت في نظرة الميتافيزيقا إلى الإنسان ، وكرّست ثنائيته كحيوان وككائن عاقل .
وصحيح أيضا أنّ نيتشه ينتقد بشدة النزوع العقلاني المتطرف للذات الذي يتخد صورة المثل الأعلى الزهدي l’idéal ascétique ، ويجعلها أكثر ارتباطا بواقعها الفعلي ؛ إلا أنّ هذا النقد ظل بدوره سجينا للقسمة الأفلاطونية ، وظل يفكر من داخل ثنائياتها : كثنائية الفوق والتحت ، أو المعقول والمحسوس . يقول هيدغر : " إنّ النتيجة المترتبة عن القلب النيتشوي للأفلاطونية ، تتمثّل في كون أنّ أشياء العالم المحسوس تصبح هي عالم الحق ، ويصير عالم ما فوق الحس في مجمله عالما وهميا " [14].
عدم قدرة نيتشه على تجاوز الميتافيزيقا ، يربطها هيدغر بهيمنة مفهوم القيمة على فلسفته . وهو مفهوم شكّل عائقا وحال دون استعادة الوجود الضائع والمنسي ؛ وذلك لأنه يتخذ من الإنسان مركزا للكون ، ومقياسا لقيمة العالم والأشياء ؛ وذلك من خلال ما يتمتع به من قدرة على وضع بناء شامخ من القيم ، يشكّل بموجبه منظورا ، و يحدد من خلاله صورة العالم . وهذا ما جعل فلسفته تتحول إلى أنتروبولوجيا ، ونزعة إنسانية ميتافيزيقية . بعد هذا كله يتساءل هيدغر عن الفرق الموجود بين إنسان نيتشه (الإنسان الأرقى) الذي هو مقياس كل حقيقة وكل معنى ، وبين الكوجيطو الديكارتي الذي يتخد من الذات المفكرة مقياسا للحقيقة ، وأساسا لليقين .
إن مفهوم القيمة هو ما جعل الذاتية تبلغ في فلسفة نيتشه أوجها وتمامها ، بعد أن استنفدت – عقب المشروع الهيجلي – كل إمكاناتها . فإذا كانت الميتافيزيقا قد بلغت مع هيجل أقصى مداها حين أرجعت أساس الحقيقة إلى العقل الكلّي ، وإلى الذات المطلقة ؛ فإنها مع " ميتافيزيقا إرادة القوة" قد بلغت نهايتها ، حين انقلب الأساس من العقل أو الذات أو الروح ، إلى الطبيعة ، ممثّلة في الجسد وأهوائه وقوى غرائزه ، أو إرادة القوة بما هي قيمة القيم . وهذا ما جعل الميتافيزيقا تستنفد ماهيتها وإمكاناتها مع فلسفة الذاتية المطلقة (الهيجلية) ، ومع ميتافيزيقا إرادة القوة . وهذا ما جعلها تعيش نهايتها ليس بناء على قرار هيجلي أو نيتشوي ، بل بناء على قرار تاريخي ، " ذلك لأن الفكر الذي يفكر في حقيقة الوجود ، مرغم على أن يتجاوز الميتافيزيقا " [15] .
كان هذا مجمل تأويل هيدغر لفلسفة نيتشه بصفة عامة ، ولمفهوم القيمة لديه بصفة خاصة من حيث هو المفهوم المحوري في فلسفته . ولقد توخينا تفصيل القول شيئا ما في ذلك التأويل ، وذلك لاعتبارين أساسيين : أولهما نظرا لكونه يشكّل بدون منازع أهم ما كتب إلى حد الآن حول نظرية القيمة عند نيتشه ، من حيث هو الخيط الناظم لفلسفته . وثانيهما نظرا لما للتأويل الهيدغري لفلسفة نيتشه من سلطة وتأثير على كل قراءة ممكنة لنيتشه ؛ بحيث نستطيع أن نؤكد بأن أية محاولة تروم خلخلة علاقة نيتشه بالميتافيزيقا ، إلا ويجب أن تبتدئ بوضع موضع تساؤل جذري الصورة الملتبسة لنيتشه في القراءة الهيدغرية. وهذا ما سنحاول القيام به .
2. مضمرات القراءة الهيدغرية وهواجسها :
إن ما يثير الإنتباه في البداية ، بالنسبة للمتفحّص للعلاقة التي أقامها هيدغر بالمتن النيتشوي، هي النصوص الغزيرة والكثيفة التي خصصها له ، والتي استغرقت ما يناهز العقدين : من سنة 1936 إلى سنة1955 . تنضاف إلى هذه النصوص سلسلة من المحاضرات والدروس الجامعية حول فلسفة نيتشه ، بالإضافة إلى محاولات أخرى وشذرات ، أغلبها لم ينشر إلا بعد وفاة هيدغر . فلم يسبق في تاريخ الفلسفة – في حدود علمي – أن خصص فيلسوف كبير في مستوى هيدغر ، قراءة طويلة النفس ، مفصّلة وعنيدة في دقتها ، لمفكر وفيلسوف آخر لا يقلّ قيمة عن هيدغر. ويظل السؤال الذي يطرح ذاته بهذا الصدد ، يتعلق بسرّ هذا الاهتمام الذي لا يخلو من مبالغة ، ولماذا كل هذا التفكيك لنصوص نيتشه ؟ .
يبدو أن الهاجس الأول والذي يعلن عنه هيدغر صراحة ، يتمثّل في كون أنّ فلسفة نيتشه تشكّل قمّة الميتافيزيقا الغربية وخاتمتها . إنه يمثّل على حدّ تعبيره ، " آخر الفلاسفة " ، حتى وإن كانت هذه العبارة هي في أصلها نيتشوية . بل إنّه يشكّل المرحلة ما قبل الأخيرة، لاكتمال أكثر اتساعا وخطورة. يتعلق الأمر باجتياح منظم ومخطط له ، لقوى بربرية عدمية ، محايثة لعصر التقنية : فشمولية الدولة ، وعملية إضفاء الطابع القطيعي على الإنسان ، وشغف العلم اللامحدود بالسلطة ، وما ينجم عن ذلك من تخريب وتدمير للتوازن الإيكولوجي للبيئة .. إلخ ؛ كل هذا تتم إدارته وتوجيهه من قبل إرادة قوة هي في عمقها عقلانية وحسابية [16] .
وهذا يعني بأن هاجس القراءة الهيدغرية لنيتشه ، يرجع إلى كون فلسفة هذا الأخير قد تحققت على أرض الواقع ، وصارت فلسفة للإرادة التقنية ، وتجسيدا لقدراتها الشمولية [17].
لكن هذا المبرر المعلن عنه من قبل هيدغر ، يتلاءم مع مبررين آخرين مضمرين من قبله . أحدهما له حمولة سياسية ، يتمثّل مضمونها في كون السجال مع نيتشه يشكّل – بالنسبة لهيدغر- نوعا من المقاومة الذاتية ، وصراعا موجّها في عمقه ضد إيديولوجية القومية الاشتراكية (أي النازية) ، وضد استحواذها واستغلالها البشع لفلسفة نيتشه . ولقد أشار هيدغر إلى هذا في رسالة له إلى جامعة فريبورغ سنة 1945 ؛ حيث أعرب فيها عن الدافع الأساسي لاهتمامه بنيتشه ، والذي يلخّصه في ضرورة المقاومة وإدانة التأويل النازي للنيتشوية [18]. بل إن هيدغر يعتبر بأن فلسفة نيتشه مفتاحا لفهم الإيديلوجية النازية ذاتها ، لأنه بدون تأويل العدمية تأويلا شاملا يظهر علاقتها بالتقنية ونسيان الوجود ، فإنها – أي النازية – ستظل بمنآى عن الفهم .
لكن المبرر الأكثر إضمارا – وربما أكثرها مصداقية وتفسيرا - لاهتمام هيدغر بنيتشه ، يرجع إلى القرابة القديمة ، وإلى التعاطف والانخراط العميق في الفلسفة النيتشوية خلال مرحلة هيدغر الطلابية ، وأثناء قراءته لمؤلف "إرادة القوة" ، ما بين سنة 1910 و1914 . فكأن هيدغر قد عثر في قراءته لنيتشه عن الفيلسوف/ المقياس ، والذي لا يعدّ المفكر فيلسوفا حقا إلا إذا استطاع أن يكون ندّا وخصما عنيدا له ، عملا بذلك بحكمة نيتشه والتزاما بأحد قواعد سجاله الحربي [19].
صحيح أن هيدغر يقتسم مع نيتشه عدة أفكار ، وخاصة فكرته عن "موت الله" ، أي فكرة المحايثة الجذرية بما في شرط أوّلي لكل مسعى فلسفي أصيل ؛ هذا بالرغم من أنّ "الإلهي" في فلسفتهما ، لا يختفي بصفة نهائية ، بل يخضع لتحوّل وتناسخ ، يجعله يفلت من قبضة المؤسسة الدينية ( الكنيسة) .
وصحيح أيضا أنّ هيدغر يقدّر بشكل عال عودة نيتشه التجديدية إلى الفكر الفلسفي الماقبل – سقراط ؛ كما يثمّن لا أفلاطونيته الصارمة ، حتى وإن كان يعتبر –كما أوضحنا ذلك- بأنّ قلبه للأفلاطونية ظل سجينا لثنائيته الميتافيزيقية .
لكن يجب أن نسجّل بأن هذه الأطروحة المسرفة في إعلانها انتماء نيتشه الصريح للميتافيزيقا ، لم يدافع عنها هيدغر إلا في مرحلة وسطى ما بين سنة1940 وسنة 1946 ؛ وبالضبط في الجزء الثاني من مؤلفه حول نيتشه ، وفي الفصل الخامس . الشيء الذي يعني أنّ موقفه سيطرأ عليه تغيير وتحوّل . نلحظ ذلك في المرحلة المبكّرة من علاقة هيدغر بنيتشه ، وبالضبط خلال الجزء الأول من مؤلفه "نيتشه" ما بين سنه 1936 وسنة 1937 ؛ وكذا في المرحلة المتأخرة جدا ، وخاصة في مؤلفه" ? Qu’appelle t-on penser " [20] ،
ما بين سنة 1951 وسنة 1952 . فخلال هاتين المرحلتين نجد دفاعا عن نيتشه ، وتسويغا لمفاهيمه وموضوعاته[21]. ففي المرحلة الأولى كان موقفه يتسم بالحذر والتحفظ اتجاه إمكانية اختزال تفكير نيتشه إلى الميتافيزيقا ، حيث يؤوّل قلبه لتراتبية المحسوس واللامحسوس ، بأنه ليس مجرد تكرار للترسيمة الأفلاطونية ، بل يمثّل بحق – في نظره- طفرة نوعية ، لأنه قلب جذري للموقف الميتافيزيقي وخروج عليه ، حتى وإن كان الجنون – كما لاحظ ذلك هيدغر – لم يمهل نيتشه الوقت الكافي لإتمام مجاوزته للميتافيزيقا [22].
نفس الموقف يعبّر عنه هيدغر في المرحلة المتأخرة من تفكيره ، حيث يؤكد بأنّ "الإنسان الأرقى" – وهو أحد المفاهيم المحورية في فلسفة نيتشه – ليس موظفا للتقنية أو للإرادة المخططة لها ، ولكنه على العكس من ذلك تماما ، يجسّد نموذجا بشريا متحررا من الخضوع للآلة التكنوقراطية . وما ذلك إلا لأن الفيلسوف/ الفنان ، - وهو يجسّد في فلسفة نيتشه فيلسوف المستقبل – على النمط النيتشوي لا يمكن أن يكون متضامنا مع الآلة الشمولية للتقنية .
وهكذا فإن أخذنا القراءة الهيدغرية لنيتشه وجردناها من عامل الزمن والتاريخ ، تبدو لنا صادرة عن تأويلين مختلفين بل ومتناقضين لفلسفة نيتشه : فتارة هناك تفعيل للمفاهيم النيتشوية وتعميق لها ، يصل أحيانا إلى حد الدفاع الصريح عنها؛ وتارة يقرأها بعنف مطرقة نقده ، فيختزلها ويلقي بها في ماضي الميتافيزيقا . ويمكن أن نسوق مثالا لهذه الإزدواجية في القراءة ، بتأويله لمفهوم "إرادة القوة" .
ففي مرحلة أولى يؤوّله كشعور بتجاوز الذات وانفتاح على ما هو مغاير لها ، وذلك بواسطة الفرح التوكيدي والثمالة الخلاقة المبدعة ؛ حيث يرمز إلى العبور من حالة أدنى إلى حالة أرقى تؤدي إلى الارتقاء بالذات عن طريق التوكيد الكامل لها ، وذلك عبر التجاوز اذاتي والشعور بالقدرة على الإنكسار من أجل الإبداع. وهذا التأويل ينسجم مع قصائد زرادشت التي تقول : " ما هو عظيم في الإنسان أنه جسر لا غاية ، وما يمكن أن نحبه في الإنسان هو أنه تجاوز وفي الوقت ذاته أفول " ، " أحب اولئك الذين لا يعرفون إلا وهم يميلون إلى المغيب ، ذلك لأنهم المتجاوزون " [23].
بيد أنه في المرحلة الثانية من التأويل الهيدغري لنيتشه ، سيتم تغييب هذا البعد التوكيدي والتجاوزي لإرادة القوة لصالح مظهر آخر ، هو المظهر التسلطي/التكنوقراطي . فإرادة القوة هي إرادة حسابية لا يهمها سوى الحفاظ على قوتها والسعي إلى الزيادة في درجة هيمنتها وانتشارها . إنها تمثّل الماهية الكونية لسيادة التقنية ، وبالتالي فهي تجسيد " لشهوة السلطة وغريزة الهيمنة " [24]. كما نجد هيدغر يؤوّل من جهة أخرى ، مفهوم إرادة القوة تأويلا يجعله يعبّر عن أوج الذاتية في الميتافيزيقا وهيمنة النزعة الأنتروبولوجية .
3. نقد القراءة الهيدغرية لنيتشه :
إذا كانت القراءة الهيدغرية لا ترى في مسألة القيمة ، وفي هيمنتها على الفلسفة النيتشوية، إلا ترسيخا وتتويجا للمسيرة التاريخية للميتافيزيقا ؛ فإن هذه المسألة ذاتها – من حيث هي منظور جديد للفلسفة ، وقراءة نقدية تأويلية لنصوص وخطابات الفلسفة – هي في نظر كثير من النقاد ، المطرقة التي بواسطتها يخلخل نيتشه أركان الصروح الميتافيزيقية ، ويفكك مقولاتها المركزية ، ويقلب قيمها العليا ، ويفضح افتراضاتها الأخلاقية الغير معلنة.
ويرى كارل لوفيتش – وهو أحد المتأثرين بقوة بفكر هيدغر – بأن خطأ التأويل الهيدغري للفكر النيتشوي ، يتمثّل في كونه يؤوّله بإحالته إلى إشكاليته المتمثّلة في سؤال الكينونة ومقولة نسيان الوجود ؛ بل إنه يذهب في نقده بعيدا حيث يرى بأن هيدغر وليس نيتشه هو الذي لم يستطع إحداث القطيعة مع التقليد الميتافيزيقي[25] ؛ وهو رأي يشاطره فيه بول ريكور[26] .
وحسب فوكو فإنّ إلحاح هيدغر على استخدام مفهوم اللامفكر فيه في قراءته لتاريخ الفلسفة ، هو علامة على التعلق بمعنى أبدي - معنى يغيب ، ولكنّه يشكّل مدار التاريخ ، لأنه لا يفتأ يحضر أثناء تواريه – وعودة مقنّعة إلى فلسفة الكوجيطو ، " ما دام اللامفكر فيه مسكونا على الدوام بنوع من الكوجيطو " . ووعي فوكو بالحلقة الميتافيزيقية التي توقعنا فيها فلسفة هيدغر ، هو الذي جعله يقيم حفريات للخطاب ، ويقرأ هيدغر من خلال نيتشه " لأنه لم يستطع فهمه إلا بواسطة نيتشه وانطلاقا منه وليس العكس " [27].
ويرى "نورمان بالما" بأنّ نيتشه بجعله مفهوم القيمة محورا لفلسفته ، قد أقام إطارا مرجعيا جديدا ، يقع ضمن مستوى نفسي-اجتماعي-تاريخي لا ينتمي إلى الإشكالية الميتافيزيقية بمعناها التقليدي ، ففلسفته كلها موجّهة نحو المستقبل ، وهي على أنقاض الميتافيزيقا تسعى إلى نقل التفكير من المفارقة والتعالي إلى المحايثة [28].
أما صاحبة كتاب "نيتشه والاستعارة" ، فهي تعتبر بأنّ لعبة الاستعارات في فلسفة نيتشه تضعه خارج الميتافيزيقا ، لأنها تؤدي إلى زحزحة المعاني وتحكم عليها بالترحال والانزياح المستمر[29] .
وهكذا وفي مقابل التأويل الهيدغري الذي يعتبر بأن مركزية مفهوم القيمة لدى نيتشه هو الذي جعل فلسفته تندرج ضمن تاريخ الميتافيزيقا ومسألة نسيان الوجود ؛ يؤكد كل من دولوز ، وفاتيمو ، وفوكو ، خلال ندوتهم الأولى حول نيتشه (colloque de Royaumont) ، بأنّ منظور نيتشه للقيمة يجعله يفتتح فلسفة جديدة ، ويؤسس أنطولوجيا تضعه خارج الميتافيزيقا . فدولوز يرى بأنّ مشكلة القيمة مكّنت نيتشه من مضايقة وخنق الحقيقة الميتافيزيقية ، واكتشاف خلف الصدق والكذب لحظة أكثر عمقا[30]. وهو نفس الرأي يتبناه فاتيمو ، حين يؤكد بأنّ منظور القيمة يجعل نيتشه خارج الميتافيزيقا ، ويفلت من قبضتها ، وذلك بفضل ما يترتّب عنه من تصور جديد للفلسفة ؛ لأنّ ما يستهدفه نيتشه من خلال نظريته في القيمة هو السعي لإزالة الأقنعة عن الجذور الغريزية للقيم الأخلاقية ، والدينية ، والفلسفية ، والعلمية للغرب الحديث . ففي إحدى شذرات "فيما وراء الخير والشر" ، يعلن نيتشه بأنه "سيضع الجزء الكبير من التفكير الواعي في عداد الأنشطة الغريزية " ؛ وفي نص إرادة القوة يعرّف الأخلاق باعتبارها حالة خاصة من اللاأخلاقية . وإذا تساءلنا عن عمق الحقيقة التي يرجع إليها نيتشه الأوهام الأخلاقية والمعرفية ، سنجد بأنها الغرائز أو إرادة الحياة بصفة عامة . وأحد أكبر الأوهام التي سعى نيتشه إلى تقويضها هو وهم "الإعتقاد في الحقيقة" . ولهذا لا يتفق فاتيمو مع هيدغر ، حين يعلن بأنّ نيتشه ظل أسيرا للمفهوم الميتافيزيقي للحقيقة ؛ وهو مفهوم يقوم على المطابقة بين القضية والواقعة ، أو بين الفكر والواقع . وذلك لأنّ الحقيقة كمطابقة مستحيلة بالنسبة لنيتشه ، لأنّ الفلسفة عنده لا تقول الحقيقة ، بمعنى أنها لا تخبرنا بشكل موضوعي عن حالة الواقع والأشياء الموجودة . ولهذا يدعو فاتيمو إلى إعادة قراءة نيتشه على ضوء النتائج التي انتهت إليها فلسفة هيدغر في حهودها من أجل تجاوز الميتافيزيقا [31].
وهكذا فالقراءة القيمية للفلسفة ، بقدر ما تقتضي تعويض مفهوم الحقيقة بمفهوم القيمة ، بقدر ما تجعل من الفلسفة بما هي ميتافيزيقا ، عبارة عن حكم مسبق أو اعتقاد un préjugé ou une croyance . لأن إرادة الحقيقة لا توجد في استقلال عن الحياة التي تضعها ، وكما يقول نيتشد : " الحقيقة هي الضرب من الخطأ الذي لا يمكن للكائنات الحية أن تحيا بدونه . فالمحدد في نهاية الأمر هو قيمة تلك الحقيقة بالنسبة إلى الحياة " [32].
وعندما تصبح الحياة – على غرار المكانة التي كانت للحقيقة في تاريخ الفلسفة - هي القيمة الرئيسية والمعيار المحدد للحقيقة ، فإنّ هذه الأخيرة ستفقد دلالتها الميتافيزيقية وأساسها الأخلاقي لتتحوّل إللا منظور ووظيفة يمكن لأية فكرة أخرى أن تحققها حتى ولوكانت وهما أو خطأ ، شريطة أن تكون مفيدة ونافعة لنمو الحياة وانفتاحها . يقول نيتشه : " أن يكون حكم ما خاطئا ، فإنّ ذلك لا يشكّل في نظرنا اعتراضا على ذلك الحكم ، ربما هذا واحد من أغرب أشيائنا المؤكدة في لغتنا الجديدة . فالمسألة تنحصر في معرفة مدى صلاحية هذا الحكم في ترقية الحياة ورعايتها ، وحفظ النوع ، بل وتحسينه (…) فالإقرار بأن اللاحقيقي هو شرط الحياة ، يعني بالتأكيد أن نقاوم بخطورة الإحساس الذي اعتدناه إزاء القيم ؛ وفلسفة تسمح لنفسها بهذه الجرأة تضع نفسها مسبقا ، فيما وراء الخير والشر " [33] .
ولن نكون مبالغين إذا قلنا بأن جدّة الجنيالوجيا تتمثّل أساسا في محاولة تأسيس داخل الفلسفة لمنهج جديد في مقارية النصوص والخطابات ، يمكن الإصطلاح عليه بالقراءة القيمية/الأخلافية للفلسفة . على أن تفهم الأخلاق هنا بمعنى أوسع وأشمل ، يجعلها تنطوي في داخلها على عدة مجالات قد تبدو بعيدة عنها ، بما فيها تلك التي تنتمي إلى المجال النظري والعلمي كالفلسفة والعلم واللغة [34] . يقول نيتشه : " لقد اكتشفت شيئا فشيئا أن كل فلسفة عظيمة كانت حتى يومنا هذا اعترافا لمؤلفها ، وأنها تشكّل مذكراته – شاء ذلك أم أباه – وعرفت كذلك أن المقاصد الأخلاقية تشكّل في كل فلسفة ، البذرة الحقيقية التي تنبت النبات بكامله (…) وإذا أردنا أن نفسّر ميلاد الإثباتات الميتافيزيقية لهذا الفيلسوف أو ذاك ، فمن الأفضل والمعقول أن نتساءل نحو أي نوع من الأخلاق ستقودنا إليها تلك الإثباتات ؟ " [35] . والجواب الذي يقدمه نيتشه عن هذا السؤال يتمثّل في القول بأن جميع الفلسفات قد شيدت صرحها تحت إعجاب الأخلاق ، سواء تعلق الأمر بفلسفة كانط ، أو هيجل ، أو شوبنهاور ، أم بغيرهم . وحتى إن كان يظهر أن مقصد هؤلاء جميعا هو اليقين ، وأن مرماهم هو الحقيقة ؛ لكن سعيهم في الواقع كان ينصب على الصرح الأخلاقي السامي .
ذات المنظور يتحكم في نقد نيتشه للميتافيزيقا ، والعقل ، والمنطق ومقولاته الأساسية.فالعالم الميتافيزيقي قد بني على أساس الإيمان والاعتقاد بوجود حقائق عقلية مجردة وخالصة ، تتخذ كدعائم للوصول إلى ذلك العالم ؛ وأصل ذلك الاعتقاد وأساسه أخلاقي ، وهو ما يدعوه نيتشه بالمثل الأعلى الزهدي [36] . فبالإضافة إلى أنّ الميتافيزيقا تلخّص في نظره ، كل ما خلّفه ماضي العقل البشري من أخطاء – حيث هي" العلم الذي يبحث في الأخطاء الأساسية للإنسان ، كما لو كانت هي الحقائق الأساسية " [37] ؛ وهي أيضا وريثة للأخلاق الدينية ، ومصاحبة لها ، ومؤيدة لنتائجها ؛ إذ تؤدي إلى خلق عالم آخر مستقل عن عالمنا الأرضي ، وتضفي عليه أبهى صورة أخلاقية، من حيث هو رمز للخير والحق والكمال . وهذا الطابع الأخلاقي الذي تضفيه الميتافيزيقا على الوجود ، تهدف من ورائه – على غرار اللاهوت – إلى سلخ الإنسان من عالمه الأرضي وربطه بعالم آخر ؛ وهي إذ تفعل ذلك بكيفية أدق ، وأكثر منطقية وإقناعا من اللاهوت ، فلكي تجعل الإنسان عاجزا عن مقاومة " إغراء الالتجاء إلى مثل ذلك العالم ، وإغراق يأسه وعجزه فيه " . فالميتافيزيقا تدّعي السمو بالإنسان ، مع أنها في الواقع تبعده عن واقعه الحي ، وترسم له مثلا عليا خيالية ، ويظل هو حائرا بين هذه المثل البعيدة، وبين الواقع الفعلي الذي لا يلمس لها أثر فيه . وتتولد من حيرته هاته شتى أنواع الانحرافات .
هكذا تقتضي منا القراءة القيمية لفهم الفلسفة ، أن نهجر الأنطولوجيا ( الميتافيزيقا) باتجاه التيبولوجيا ، فتبدو لنا كسياق حياتي تحاول فيه أنواع من القيم أن تؤكد ذاتها . يقول صاحب مؤلف "فلسفة نيتشه" : " كل الفلسفات في نظر نيتشه ، ترجع المشكلات الوجودية إلى مشكلات قيمية ، فيتحراها جميعها ليكتشف فيها التقويمات غير المفضوحة التي تشكّل عصبها ، ويرى غريزة الحياة ناشطة في سائر نواحي الفلسفة " [38] .
هكذا ففي كل فلسفة يوجد قرار أخلاقي لاواعي من قبل الفيلسوف ، وهو عبارة عن حكم أخلاقي مسبق ؛ والقرار الأخلاقي الذي يكمن وراء الفلسفة الميتافيزيقية ، يتمثّل في محاولتها الهروب من الصيرورة ، باتجاه تثمين الوضع المتميز بالثبات والسكون والاستمرارية ، أو باتجاه الهروب من الحياة نحو عالم آخر غيبي ، يقدّم على أنه العالم الحقيقي والمعقول . ونيتشه إذ يقف في وجه الحياة المضاعة ، ويعود ليبلغ الابتداع المنسي الذي ترتكز عليه جميع منظومات القيم ؛ فإنما يشاهد الحياة ذاتها ، وتبدو له بمثابة "إرادة قوة تطوّق بفعل العود الأبدي دائرة الزمان . أليست القيم جميعها مجرد أشكال تجرّب فيها الحياة قدراتها إلى حين ؟ " [39] .


________________________________________
[1]- Heidegger (M) , chemins qui ne mènent nulle part , p86
Tra. Wolf gang Brokonejer , nouvelle édition , Gallimard ,1962 .
[2] - ibid , p87 .
[3] - ibid , p92 .
[4] - ibid , p94
[5] - وينغ فينك ، فلسفة نيتشه ، ص176 ، ترجمة إلياس بدوي ، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، دمشق ، 1974 .
[6]–chemins qui ne ménent nulle part , p97 , op.cit .
[7] -Heidegger(M) , Nietzsche ,T2 , p103 , tra. P.Klossowski ,éditions gallimard , 1971 .
[8] -ibid , p104 .
[9] -ibid , p185 et p186 .
[10] - ibid , p21 et p22
[11] - فعلى سبيل المثال لا الحصر ، فإن هابرماس يعتبر بأن نقد نيتشه للعقلانية يعدّ المدخل الفلسفي لما بعد الحداثة ، من حيث أنه يشكّل مفترق الطرق الذي تفرعت عنه نظرية ما بعد الحداثة الراهنة بخطيها : خط نظرية السلطة كما تطورت لدى فوكو مرورا بباطاي ، وخط نقد الميتافيزيقا الذي ورثه هيدغر ودريدا من بعده . يمكن الرجوع بصدد هذه المسألة إلى :
Habermas(J) , le discours philosophique de la modernité , p103 , trad.par Christian Bouchindhome et Rainer Rochlitz , éditions Gallimard .
[12] -Nietzsche , T2 , p263 , op.cit .
[13] -ibid , p242 .
[14] - .Heidegger,Essais et conférences,p91, trad. A.Préau ,Gallimard ,1958
[15] - عبد السلام بنعبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر ،ص39 ، دار توبقال للنشر، 1991.
[16] -Magazine littéraire , les vies de Nietzsche ,p94, n°298,Avril
[17]–Magazine littéraire , dossier Nietzsche, p29,n°141,Octobre1978 . et Magazine littéraire,dossier Heidegger aujourd’hui,p13,n°117,Octobre 1976
[18]–Magazine littéraire ,p94, n°298 , op.cit .
[19]– يحدد نيتشه في نصه "هو ذا الرجل" ، قواعد قراءته الحربية على النحو التالي : " إن تكتيك الحرب التي أشنها قائم في أربعة مبادئ : أولا أنا لا أحارب إلا الأشياء المختصرة (..) وثانيا لا أحارب سوى الأشياء التي لا يكون لي حلفاء ضدها (..) وثالثا إنني لا أهاجم الأشخاص إطلاقا وإنما باعتبارهم مرآة مصقولة للثقافة المنحطة (..) ورابعا ، لا أهاجم سوى تلك الأشياء التي يتم استبعاد كل الفروق الشخصية فيها " . Ecce Homo , aph7
[20] - Heidegger(M) , Qu’appelle t-on penser ? ,de p46 à p83 ,traduit de l'allemand par Aloys Becker et Gérard Granel , puf, 19
[21] -Heidegger(M), Nietzsche , T1, p33 , tra. Pierre klossowski , éditions gallimard , 1971
[22] -ibid , p183 , et Chemins qui ne mènent nulle part , p253 , Tra. Wolf gang Brokonejer , nouvelle édition , Gallimard ,1962 .
[23] -Nietzsche(F) , Ainsi parlait Zarathoustra , T1 , aph4, p63 , Tra.et prface de Genèviève Blanquis , Aubier-Flammarion, Paris, 1969 .
[24] - Chemins qui ne mènent nulle part , p208 ,op.cit .
[25] - ? , T2 , p233 , 10/18 , 1973 . Nietzsche aujourd’hui
[26] - Ricoeur(P), La Métaphore vive , p396 et p397,éditions du seuil,1975
[27] - جيل دولوز ، المعرفة والسلطة ، ص123 ، مدخل لقراءة فوكو ، ترجمة سالم يفوت ، المركز الثقافي العربي ، 1987 .
[28] -? , T2 , p234 .op.cit . Nietzsche aujourd’hui
[29] - .ibid , p146
30- Cahier de Royaumont , Nietzsche , p277 ,les éditions de minuits,1967.
[31] - ibid ,p206 .
[32] -Nietzsche , Par delà le bien et le mal ,aph.4 , 10/18 , Paris ,1973.
[33] -. ibid , aph.44
[34] - فؤاد زكريا ، نيتشه ، ص69 ، منشورات الجامعة ، ط3 ، 1985 .
[35] -Par delà le bien et le mal , aph.6 , op.cit .
[36] - Nietzsche , Humain trop Humain , T1 , aph.18
[37] -





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2254138 :: Aujourd'hui : 1315 :: En ligne : 15