البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2013-03-24
حوار مع هيدغر

yyy

الفلسفة والمجتمع والتقنية والكائن
هيدجر والوجود
كانت العلوم الحديثة تنفذ عبر طرائق مختلفة ومسارات متعرجة إلى تصور خاص للموجود , وتباينت هذه العلوم – بل وتفننت – في إزجاء نظرة خاصة لهذا الموجود , نفذت إلى السمة الأساسية للحقيقة التي وفقها يتسم كل موجود بإرادة القوة ( إرادة الاقتدار عند نيتشه ) , على اعتبار أن إرادة القوة هي الفعل الذي بزغت منه جميع الظواهر.
ويحكم هايدجر بالعلوم جميعاً على أنها لا تخدم الميتافيزيقيا في شيء , فالعلم غير قادر على إدارك الحقيقة بذاتها , فكل ما يفعله العلم إذن هو إحالة الموجود إلى لغة حسابية وقياسية وموضوعية , وهذا يفضي إلى معرفة الموجود لا الوجود .
وهذا لا يساعد هايدجر على التحقق بنفسه من صدق هذه المعرفة , لأن الحقيقة العلمية هي حقيقة عن الموجود , والميتافيزيقيا هي تاريخ ومسيرة هذه الحقيقة , فهي تُحيل ماهية الموجود إلى تصوّر في كينونته . إن حقيقة الوجود كما يفهمها هايدجر , هي نفسها "وجود الحقيقة" وهذا يرغمه على السؤال : ماهي الميتافيزيقا ؟ ولا يتوانى عن الإجابة " لا بد أن تظل مثل هذه الأسئلة غامضة غموضاً جوهرياً " .
إن ما لا يوجد في مكان ما , يكشف نفسه في مكان آخر بوصفه موجوداً , ومهما تعمّق العلم في بحثه عن الوجود , فإن ما يلاقيه ليس سوى الموجودات , فالعلم محكوم عليه أبداً بعدم المعرفة الضمنية للذات , والغرض التفسيري والاستقرائي العلمي يجعله يلح باستمرار عن ماهية الموجود وحده , فالوجود إذاً على خلاف الموجود لا يمكن أن يتم تأسيسه موضوعياً , إنه الشيء اللامتحدد أبداً كما وصفه فريدريك هيجل . إن الوجود بوصفه شيئاً آخر غير كل ماهو موجود يتأتى إلينا في القلق , فالإنسان يستمع إلى من يناديه بلا صوت , ولو فصلنا ما بين القلق والشعور بالعدم لوجدنا أن القلق في هذه الحالة يصبح عاطفة منعزلة ومحصورة في سياق سيكولوجي محدد , لكن ما يمنع القلق الوجودي من التبوتق في هذه الخانة الضيقة هو امتيازه بالأصالة المنتسبة إلى تعلّقه بالعدم , والعدم هو ما عرّفه هايدجر بقوله ( السلب الخالص للوجود).
ولا يمكن تعريف الوجود إلا على صيغته المتعالية transcendental form فهو يعلو كل المتقابلات والمقولات , وسابق على كل فصل , ومفترض في كل وصف , ولا يوجد فوق الوجود أي تصور أعلى منه يمكن أن يندرج تحته !
ولكل وجود أحواله ودرجاته التركيبية داخل وجودنا , كالوجود المادي والعضوي والحيواني والنباتي على سبيل التمثيل , ويجد هايدجر أن الفرق واضح بين الوجود والموجود , لأن الموجود هو الكائن المتحقق والمتصف بالماهية والوجود معاً , أما الوجود فهو وصف عام لجميع الموجودات بغض النظر عن تعيناتها , كذلك الموجود يكون في حالة دائبة من الصيرورة المستمرة , وهو – وجود – في – العالم – ومع – العالم .
ويميّز هايدجر بين الآنية والماهية , فالآنية Dasein هي الإمكانية العينية الكاملة لوجود الإنسان . أما الوجود الماهوي فهو إلقاء الماهيات قبل تحققها بالفعل على شكل آنية , وجوهر الوجود الماهوي لا يكون سوى ( الحرية).
ويربط هايدجر بين وجود الإنسان واللغة ربطاً وثيقاً لا انفصام له , فالإنسان بلا لغة يصبح بلا ماهية بتاتاً , فاللغة هي الإنسان بنظره , فالإنسان سامع ومصغي وساكت ومتكلم لأنه "موجود" , ولأن الجماد والحجر والحيوان أشياء لا تتكلم ولا تفكر كما الإنسان , فهو – والكلام عن الإنسان – قادر على الإفصاح عن نفسه , وهذا الإفصاح والإنكشاف لا يكون إلا عبر اللغة !
كذلك يعتبر هايدجر اللغة سبيلاً لإقامة العلاقات بين الذوات الوجودية , فالمتكلمان ينكشفان أمام بعضهما , ولكن في بعض الأحوال يتحول هذا الإنكشاف إلى مجرد تعبير فارغ , فالسامع والمتحدث يركزان اهتمامهما على فهم اللغة على حساب المعنى المضمر . فتستحيل اللغة من كاشف عن الموجود إلى ساتر , ثم إلى موضوع مستقل تماماً يحجب هذا الوجود , فتنشأ ظاهرة "الثرثرة" أو الحديث الأجوف , كأن يتكلم الإنسان رغم خرسه , وأن ينطق الرجل وهو تافه , فالكلام الضحل هذا لا ينفذ إلى ماهية الأشياء , وهو ما يجعل اللغة غاية بدل أن تكون وسيلة كاشفة للوجود .
ويوازي الثرثرة الكلامية الثرثرة الكتابية , وكلاهما يسبب الوهم , فالإنسان في هذه الحظات يتوهم إدراكه لكل شيء , دون أن ينفذ إلى باطن أي شيء , وهذا يقف حائلاً بين الموجود وإدراك حقيقته , وهو سبب رئيس في سقوط الوجود الإنساني واضمحلاله .
بينما القلق الحقيقي ينجم عن الشعور بالوجود في الباطن , وهو قلق نادر الوقوع , لأنه أصيل وغير متحقق على الدوام , فاللغة حجاب , والقلق مطرقة تكسر هذا الحجاب , ولا سبيل للوصول - حقيقةً - إلى الوجود إلا عبر اللغة الحقيقة وغير المزيفة , وهتك حجاب الثرثرة , عبر القلق , والإحساس بالوجود اللامتناهي في الذات المتناهية .
هيدجر والعدم
إن العدم هو النتيجة البديهية التي نجيب بها على أية سؤال يطمح للوصول إلى ماهو معاكس للوجود , إلا أن العدم أمر يرفضه العلم الحديث , بوصفه مكوناً للسلب الخالص Pure Negative بيد أن العدم حال استبعاده على هذا النحو , فإن هذا يعني الشك به , وواقع الحال أن العدم كان مصدر فزع وإيهام للعلم , فالعلم لا يهمه أمر العدم ولا يريد أن يعرف عنه شيئاً , وفي هذه المرحلة ينتصب الفيلسوف متصدياً لهذه المهمة الميتافيزيقية .
إن الميتافيزيقيا هي جذر الفلسفة وجذعها , أما أغصان الفلسفة فهي العلوم الأخرى ( من رسالة كتبها ديكارت إلى مترجم كتاب مبادىء الفلسفة بيكوم ) , ولقد تصورت الميتافيزيقيا اليونانية العدم على أنه اللاموجود , أي المادة المفتقرة إلى صورة والتي لا تستطيع أن تتشكل بنفسها إلى شيء موجود وله صورة , إن الموجود هو الصورة التي تشكل نفسها , والذي يتمثل من حيث هو كذلك في الصورة ( أي فيما نشاهدة ) أما أصل هذا الوجود فلا يهم الفيلسوف بقدر ما يهمه فهم الصورة ميتافيزيقياً , تمهيداً لما هو أكثر علمية .
والعدم في التاريخ كان مرادفاً للمعنى النقيض من الوجود , أي باعتباره نفياً وإعداماً له , لكن العدم لم يظل بنفس المكان والموضع التقليدي , وقد قال هيجل عنه ( إن الوجود الخالص والعدم الخالص هما شيء واحد ) وهي مقولة صحيحة تماماً , فالوجود والعدم يؤلف كل منهما صاحبه , لأن الوجود نفسه متناه في ماهية ومنسوج بخامة العدم , ولا يتبدى الوجود إلا في علو الآنية التي تظهر في العدم عبر الموجود .
إن ما تشير إليه العلاقة بالعالم هو الموجود ذاته ولاشيء سواه , وما يتلقى منه كل موقف توجيهاته هو الوجود ذاته , ولا شيء أكثر منه , وما به يتأرخ التحليل ويواجه في الاقتحام هو الموجود ذاته ولا شيء خارجه , والضروري هو .. أن ما يخلص إليه الباحث هو ( الموجود ) وخارج هذا الموجود لا شيء , وخلاف الموجودات يوجد ( العدم ) .
فالسؤال عن العدم عند هايدجر يهدف إلى كشف ما هو غير مألوف , فهايدجر يتسائل على هذا النحو , مسلطاً ضوءه على العدم , ليس بوصفه شيئاً قائماً بذاته , أو شيئاً نشير إليه هناك بوصفه موجوداً , بل يرى هايدجر أن الاختلاف يكون أساسياً جداً في هذه النقطة , ذلك أن السؤال عن ماهية وكينونة العدم يقلب السؤال إلى عكسه ويصبح مجرداً من موضوعه الخاص , ويترتب على هذا فقدان الجواب واستحالته , فالجواب يتمثل على أن العدم هو هذا أو ذاك , بينما الإجابة الحقيقية تنطوي على ( الخلف ) نفسه .
يعرّف هايدجر العدم في كتابه "ما الفلسفة" على أنه ( السلب الأساسي لجملة الوجود ) وهو بهذا التعريف يوحّد الجهد ويختصره في اتجاه واحد للبحث عن كينونة العدم . فيسأل هايدجر ( كيف نستطيع نحن الفانين أن نجعل مجموع الوجود في جملته ميسراً في ذاته ولنا في نفس الوقت ؟ ) : إن كل ما نستطيع فعله – إزاء العدم – أن نفكر في ( فكرة ) الموجود بجملته , وأن ننفي بالفكر ما نتخيله على هذه الصيغ , ثم أن نفكر فيه بوصفه منفياً , وبهذه الطريقة نصل إلى العدم الصوري ( المتخيَّل ) ولكن هذا لا يعني أبداً أننا وصلنا إلى العدم نفسه !
ومن ثم يسترسل هايدجر ( لا فرق بين ماهو حقيقي وما هو متخيَّل حينما يتعلق الأمر بالعدم ) ذلك لأن العدم ليس موجوداً تنطلي عليه شروط الوجود التقليدية , لنا أن نقول ( لن ندرك جملة الموجود في ذاته ) مع أننا ندرك ( أننا موجودون وسط هذا الوجود وهو ينكشف لنا في مجموعِه بطريقة أو بأخرى ) . إن الاختلاف بين العبارتين يكمن في استحالة تحقيق العبارة الأولى المتعلقة بإدارك ذات الموجود من حيث المبدأ , وفي العبارة الثانية يكون الانكشاف ويكون معه الشعور من قبل الموجود إذ يعي نفسه في خضم الوجود في مجموعِه فهذه واقعة مستقرة في آنيتنا .
ولعل هايدجر في فلسفته الوجودية يبحث عمّا هو أصيل في النفس البشرية , وهذه المرة يقوم بالتحليل السابر لمكمن العدم داخل الفرد , ومنه يستكشف ويلمح العدم , لكنه لا يدركه قطعاً , إذ يقول ( في الملال الحقيقي , وهو الملال الذي يكون بعيداً عن الحالة التي نمل فيها من هذا الكتاب أو تلك المسرحية , ويكون مختلفاً عن هذا الانشغال أو ذاك الفراغ , يتنفس العدم , ويبزغ من حيث نمل بوجه عام ! ) إن الملال المعتم المفرط في لونه الداكن , رانقاً كالغمامة الصامتة في الغور الآني , ما هو إلا حالة تقريبية تصل الناس بالأشياء والذات , فهذه الصلة تعبر عن سوية عجيبة , وهذا الملال يكشف عن الموجود في جملته .
القلق عند هايدجر يملك تعريفه الخاص , ومختلف عن المعنى الشائع , فالقلق لدى الكثيرين ينطوى على استعداد للخوف , والقلق الذي يعنيه هايدجر يملك جوهراً آخراً , فالخوف يكون إزاء موجودات بعينها , إزاء إنسان ما , أو صورة ما , أما القلق المقصود عند هايدجر فيرنو فيه ضرب من الهدوء العجيب حسب قوله , إنه قلق إزاء الوجود برمته , قلق ( إزاء ... ) وليس معنياً بشيء محدد , وهو من ( أجل ... ) وليس لأجل شيء ما , وعدم التحدد هنا ليس اعتقاداً مطلقاً للتعين وإنما ينبع من استحالة قبول أي تعين يكون .
إن القلق لا يمنح الفرصة لنا أن نقول ما هو الشيء الذي نشعر إزاءه بالضيق , فالأشياء كلها , بما فيها نحن , تغوص في نوع من الاستواء , ومع هذا لا يحدث ذلك بمعنى اختفاء الأشياء بطريقة خالصة وبسيطة , ولكن في انسحابها على هذا النحو تستدير الأشياء صوبنا , وإن انزلاقات الموجود في جملته يسيطر علينا في القلق , فهو المسؤول عن إثارة ذلك الضيف فينا , إذ لا يبق لنا شيء نستند إليه ، وفي انزلاقات الموجود بأسره لا يبق لنا سوى هذا ( اللاشيء ) العدم الخالص والصاف الذي يقول عنه هايدجر ( القلق يمسك بنا مرنقين على هذا النحو ) لهذا السبب لا يظل القلق مسألة فردية , فالكل يشعر به على هذه الصفة وفق فلسفة هايدجر , فالقلق يميط الحجاب عن وجه العدم ويكشفه , وهو ما يؤكده الإنسان نفسه حين ينحسر عنه القلق فكل ما يقلق لأجله هو لاشيء , والواقع أن العدم هو من كان موجوداً وحاضراً بكثافة , ومسبباً لهذا القلق .
يحاول هايدجر الشرح وبطريقة أكثر وضوحاً ( العدم يكشف عن نفسه في القلق , لكنه لا يكشف عن نفسه بوصفه موجوداً , كما أنه لا يُعطى لنا بوصفه موضوعاً , وليس القلق هو فعل تصور العدم , ومع ذلك فإن العدم ينكشف بواسطة القلق وفيه ) . ويسهب ( بدون الكشف الأصيل عن العدم , لن يكون ثمة وجود ذاتي , أو حرية ! ) .
إن العدم ليس شيئاً , كما يقول هايدجر ( إن العدم ليس موجوداً بوجه عام ) والعدم لا يظهر لذاته , وإنما بالتحام العدم مع الموجود , لأن العدم هو الشرط الذي يجعل الكشف عن الوجود ممكناً بالنسبة للآنية , ولهذا لا يؤلف العدم تصوراً مقابلاً للتصور الوجودي كما يظن البعض , لأن ماهية الوجود تتضمن العدم , إذ يقبع العدم والجود معاً في سيرورة واحدة , وفي وجود الوجود ينشأ العدم .
ينص تعريف هايدجر للآنية , أو الدازاين , بقوله ( إن يجد الإنسان نفسه واقعاً داخل العدم ) وهذا يعني فيما يعنيه انبثاق كل آنية عبر الموجود , وإذا لم تبق الآنية داخل العدم فإنها لن تستطيع مطلقاً إقامة أي علاقة مع الموجود , وتبعاً لذلك مع نفسها , ومادامت الآنية عالقة في العدم , وما دام القلق يكشف ملامحه , فإن هذه المقدمات لا تنطق بشفاة باردة عن أن ماهية الوجود هي القلق فحسب , وإلا لأمكن القول دعونا نحلق باستمرار في القلق كي نوجد على الإطلاق , وهذا ما استوضحه هايدجر في تسلسل منطقي محكم ( إن هذا القلق الأصيل نادر الحدوث ) ومن الممكن أن تكون هناك نوبات تعمل على إيقاظ الحس القلق من فراشه , وحين تجد الآنية نفسها داخل القلق يصبح الإنسان حارساً للعدم , ووقتها تتجاوز الآنية الموجود برمته وتصل إلى ما أسماه هايدجر ( العلو ).





الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي ملتقى ابن خلدون للعلوم الفلسفة والأدب بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.
 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2809500 :: Aujourd'hui : 1104 :: En ligne : 5