علوم

عناصر المنطق الرياضي
مدخل عام
جملة
الجملة في مجموعة حروف و رموز لها معنى, مثال:
2+3=5
5+9=48
من الممكن دراسة هذه العبارات من وجهات نظر مختلفة, مثلا المتغيرات تأخد قيما متعددة نرمز لها عادة ب x . كما يمكن دراسة صحة أو خطأ العبارة.

عبارة
تصبح الجملة عبارة إذا أمكن معرفة صحة أو خطأ العبارة نسمي عبارة كل نص رياضي له معنى و يكون إما صحيحاو إما خاطئا أما الدالة العبرية ( خاصية لمتغير) فهي كل نص رياضي له معنى و يحتوي على متغير و يصبح عبارة كلما عوضنا المتغير بقيمة معينة


جًمل منطقية [الجمل الفعلية مفيدة] يمكن الحكم عليها بالصح أوالخطأ وليس كليهما القضية المنطقية { تعريف} هي جملة خبرية مفيدة يحتمل معناها الصواب أو الخطأ وليس كليهما من أمثلة الجمل التي تكون قضايا 1) 2+3=7 2) صنعاء عاصمة اليمن 3) مجموع زوايا المثلث 250 ْ ملاحظة : ليس من الضروري أن تكون الجملة صحيحة جًمل ليست منطقية [الجمل الإسمية] والتي لا يمكن الحكم عليها بالصح أوالخطأ من أمثلة الجمل التي لا تكون قضايا الجمل التي تيدأ أستفهام – سؤال – تعجب – نداء – طلب ... بصورة عامة كل الجمل التي لا يمكن الحكم عليها بالصح أوالخطأ مثل : 1) ما أجمل السماء ! 2) كم الساعة ؟

النفي
نفي العبارة P هي عبارة صحيحة إذا كانت P خاطئة, و خاطئة إذا كانت P صحيحة. و نرمز لنفي P ب .
جدول الحقيقة P
0 1
1 0

العطف
عطف العبارتين p و Q تكون صحيحة فقط إذا كانت العبارتين معا صحيحتين. ونرمز له ب
جدول الحقيقة P Q
0 0 0
0 1 0
1 0 0
1 1 1

الفصل
فصل العبارتين p و Q تكون صحيحة فقط إذا كانت إحدى العبارتين صحيحة. ونرمز له ب
جدول الحقيقة P Q
0 0 0
0 1 1
1 0 1
1 1 1

الاستلزام
تكون العبارة P تستلزم Q ، خاطئة فقط إذا كانت P صحيحة و Q خاطئة.
و نرمز لها ب: و هي تكافئ العبارة: .
جدول الحقيقة P Q
0 0 1
0 1 1
1 0 0
1 1 1

[تحرير] التكافؤ
تكافؤ العبارتين و هو , و نرمز له ب:
جدول الحقيقة P Q
0 0 1
0 1 0
1 0 0
1 1 1

القوانين المنطقية
القوانين المنطقية عبارة عن جمل مكونة من عدة عبارات مرتبطة فيما بينها بروابط منطقية و تكون دائما صحيحة بغض النظر عن صحة أو خطأ العبارات المكونة لها.
أمثلة:




المثالين الأخيرين, يعرفان بقوانين مرجان morgan.

الدوال العبارة. استعمال الكموميات
دوال العبارة
الدالة العبارة, هي تطبيق من مجموعة قيم المتغيرات نحو مجموعة مكونة من العنصرين صحيح و خطأ.
مثال:
بالنسبة للعبارة: "x عدد صحيح طبيعي, x+3=10." نحصل على دالة من إلى بحيث:


الكموميات
هناك نوعان وجودية و كونية.
الوجودية تعني وجود عناصر تحقق عبارة ما, مثل يوجد x من بحيث:
نرمز للوجودية بالرمز .
الكونية تعني أن عبارة ما تكون دائما صحيحة مهما تغيرت قيمة المتغير, مثل كيما كانت قيمة x من لدينا
نرمز للكونية بالرمز .

الكموميات و الروابط المنطقية
عندما يكون هناك وجوديات, النفي يعبر عنه ب:


مع E مجموعة تتضمن الخاصية A.

تطبيق على نظرية المجموعات
هناك علاقة بين نظرية المجموعات و المنطق.

الاستلزام و التضمن
نسمي جزء A(أو مجموعة صغرى) لمجموعة E كل عناصر المجموعة A التي تنتمي إلى E.
و نكتب:

نقول أن المجموعة A ضمن المجموعة E, يكافئ أن كل عنصر x من A, يستلزم أن xينتمي إلى E.

مجموعة الأجزاء
مجموعة الأجزاء
كل مجموعة لها عدة أجزاء, و هذه الأجزاء تكون مجموعة الأجزاء.

التساوي و التكافؤ
المجموعة A تساوي المجموعة B, تكافئ لكل x من x :E من A يكافئ x من B.

المتمم و النفي
متمم الجزء A, هو الجزء B الذي عناصره لا تنتمي إلى A.
x ينتمي إلى A, يكافئ x لا ينتمي إلى B.

التقاطع و العطف
تقاطع المجموعتين A و B, هي مجموعة العناصر المشتركة C, التي نرمز لها ب: .
x من C يكافئ: x من A و x من B.

الاتحاد و الفصل
اتحاد المجموعتين A و B, هي المجموعة C التي عناصرها تنتمي إلى أحد المجموعتين, و التي نرمز لها ب: .
x من C يكافئ: x من A أو x من B.

خاصيات عطف التقاطع و الاتحاد في مجموعة الأجزاء
الفرق
الفرق المتماثل
تطبيق في البرهنة الرياضية
A^(B+c)=(A^B)+(A^C)>>> برهن
المنطق الرياضي والدوائر الكهربية
بمكن تحويل كل جمل المنطق الرياضي إلى دوائر كهربية تستخدم في الحاسب الآلي لإجراء العمليات الحسابية والمنطقية ويمكن الاطلاع على تفاصيل ذلك هنا لمزيد من المعلومات

المنطق الرياضي والبرمجة
يفيد فهم المنطق الرياضي في إجراء عمليات البرمجة المعقدة والتي تحوي الجمل الشرطية المتداخلة اللازمة لتحقيق هدف معين أو حل مشكلة محددة بواسطة البرنامج.
 

 

نمذجة الإنترنيت

المهندس : فايز فوق العادة



غدت شبكة الإنترنت أشبه ببنية عصبية أساسية لكوكب الأرض. لقد جرت أكثر من محاولة لنمذجة هذه الشبكة بشكل نظري. واقع الأمر أن التكنولوجيا تتسارع في ارتقائها بمعدلات عالية جدّاً. يتعرّض المشرفون على عمل وتوسيع شبكة الإنترنت بسبب ذلك إلى ضغوط متزايدة من قبل المشتركين الجدد والقدامى على حدٍّ سواء لتلبية طلباتهم المتنامية أبداً. يلجأ المشرفون تبعاً لذلك إلى التجربة والخطأ بينما يسعى النظريون إلى نموذج شامل يغطي كلّ تفاصيل الشبكة. هكذا تتوسّع الفجوة بين النظريين والمشرفين العمليّين بشكل مطّرد. يجري التحكم بالإرسال عبر شبكة الإنترنت الحالية بواسطة منظومة برمجية معقّدة تُخزَّن في كلّ الحواسب المرتبطة بالشبكة وبما يسهّل عمل الحاسب كمصدر للمعلومات وكمستقبل لها. تعرف هذه المنظومة اختصاراً بالأجنبية وفق الأحرف TCP وهي اختزال لاسم المنظومة البرمجية بالأجنبية: بروتوكول التحكم بالإرسال لشبكة الإنترنت. عندما تبلغ المستقبل رسائل تزيد عن إمكانياته في الاستيعاب تضيع رزمة معلوماتية أو أكثر وسرعان ما ينبِّه المستقبلُ المرسلَ إلى حالة التخمة التي انتهى إليها. تُبطئ المنظومة TCP إيقاعات عملها إذ ذاك ثم لا تلبث أن تعود إلى سرعتها المعهودة إلى أن تقع حالة تخمة تالية. تسهم حالتا التسارع والتباطؤ بالكشف عن كلّ الأقنية المعلوماتية التي يمكن أن تتحمّل بعض الرسائل بما يخفف حالات التخمة. يقول العلماء إن هذا الاستنتاج ليس صحيحًا على الدوام.

على أيّة حال، يرتبط اقتسام مجموعة من الأقنية المعلوماتية الرزم المرسلة بمفهومين أساسيين يُعتبران كعاملين تجريبيين لا بد من أخذهما بعين الاعتبار لضمان عمل منتظم لشبكة الإنترنت. المفهوم الأول هو مفهوم استقرار عمل الشبكة. صنف المفهوم منذ البدء باعتباره من العوامل الهندسية الأساسية والذي يرتكز على تحليل عميق للعشوائية والتغذية الراجعة في فترات زمنية قصيرة نسبياً. إذا شئنا تبسيط المسألة نعرّف استقرار عمل الشبكة بعدم حدوث حالة تخمة في أي حاسب مربوط بالشبكة. أما التعريف الرياضي الدقيق فيأتي في سياق صياغة مسألة أمثلة شاملة يوفر تابع التشغيل الرياضي الضمني للشبكة بموجبها تابعاً يدعوه الرياضيون تابع ليابانوف للمنظومة الديناميكية التي تحددها خوارزمية التحكم بمعدلات الإرسال. يبدو التعريف الرياضي معقداً وهو بالفعل كذلك.

تتميز الحالة الأمثلية للشبكة بمعيار عدالة مناسب. إن العدالة هي المفهوم الثاني بعد مفهوم الاستقرار. ينظر العلماء إلى مفهوم العدالة على أنه مفهوم اقتصادي في مضمونه. ربما أن لهم بعض الحق في ذلك، إذ ينطوي المفهوم على إمكانية مقارنة أشكال المنفعة المختلفة من الشبكة على أساس سكوني. يعني ما تقدّم أن تجري المقارنة بعيدا عن الحقيقة الفعّالة النشطة للشبكة. يسعى العلماء إلى تقليص المسافة بين مفهومي العدالة والاستقرار بإضافة مقاطع إلى منظومة الـ TCP مصمّمة على أساس الذكاء الاصطناعي والتي تعمل على ترجمة متطلبات المستخدم الإنساني وعكس رغباته لكن بسرعة فائقة. مازال هذا المشروع في عداد المشاريع المستقبلية. أما عن احتمال ألاّ تسهم الأقنية المعلوماتية الإضافية بإزالة التخمة فيطرح العلماء مثالاً بسيطاً يُختزل بإرسال المعلومات من المصدر إلى المستقبل عبر محطتين انتقاليتين. نفرض أن حالة من التخمة قد حدثت لدى المستقبل وأنه أبلغ المصدر بذلك عبر أقنية لا علاقة لها بشبكة الإنترنت يتم وصل المحطتين الانتقاليتين بقناة إضافية.

تكون هذه القناة جزءاً من شبكة الإنترنت بالطبع. يصعب علينا عند هذه المرحلة تبسيط المسألة وعرضها في جمل مقتضبة. لكن المعالجة الرياضية الدقيقة تشير في هذه الحالة إلى انخفاض الأداء بصورة عامة في القناتين اللتين تصلان المحطتين الانتقاليتين بالمستقبل. تعتبر هذه الحقيقة من المفارقات الأساسية في شبكة الإنترنت وقد اشتقّت أصلاً من دراسات المرور على الطرق. يخطر على البال للوهلة الأولى أن وصل القناة الإضافية يخلق نوعاً من الموازنة بين القناتين لكن النتيجة تخالف هذا الاستنتاج المباشر.

ماذا عن تطبيق القواعد الإحصائية في الفيزياء على شبكة الإنترنت؟ إن هناك تشابهاً بين منظومة الإنترنت كتكوين شمولي وبين النتائج المترتبة على الفيزياء الإحصائية. يوصف سلوك الغاز على المستوى الصغائري بدلالة موقع وسرعة كل جزيء من جزيئات الغاز على حدة. تبرز سرعة الجزيء عند هذا المستوى باعتبارها ظاهرة عشوائية، هذا على الرغم من أن التوزيع الإحصائي الكلي يبقى مستقراً وفق ما أثبت ماكسويل. إننا لا نتعامل مع الغازات إلاّ على المستوى الجهاري وهنا تظهر الحاجة الملحّة لمعايير إجمالية نميز بواسطتها الحالات المختلفة للغازات. من هذه المعايير درجة الحرارة والضغط. هنا نواجه مفارقة ذلك أن السمة المقررة للحالات الجهارية للغازات تتسق تماماً مع التظاهرات العشوائية لجزيئات الغازات في المستوى الصغائري. يتحدث العلماء عن أحوال مشابهة في قطاعات أخرى من الفيزياء. فحركة الالكترونات في الدارات الكهربائية تُدرس على أساس التجوال العشوائي في المستوى الصغائري. لكن هذا التناول البسيط على المستوى الصغائري ينجلي عن سلوك بالغ التعقيد في المستوى الجهاري إذ إن أنماط الكمون عند المقاومات المتصلة في شبكة كهربائية تتحدد بما يؤدي إلى تخفيض الضيياعات الحرارية إلى أدنى حد ممكن من أجل سوية معينة لدفق التيار .

يعقد بعض الباحثين مماثلة بين شبكة المقاومات الموصوفة وبين شبكة الانترنت، ذلك أن العشوائية على المستوى الصغائري تنتهي إلى حالة أمثلية على المستوى الجهاري. إن هذا هو ما يطلبه الدارسون في حالة شبكة الانترنت تبدو هذه المماثلة وغيرها مثيرة. لكن الرياضيات الخاصة بشبكات الاتصالات الكبيرة كشبكة الانترنت أو شبكة الهواتف العالمية تختلف عن الرياضيات الموظفة في النماذج التي أتينا على ذكرها. مثلاً إذا عرّفنا المستوى الصغائري في شبكة الانترنت بالتعليمات المدرجة في المنظومات البرمجية نجد أننا في مثل هذه الحالة نعرف الكثير عن المستوى الصغائري لكننا لا نتوقع ما الذي قد يترتب على فعل الأحكام الخاصة بهذا المستوى. إن بمقدورنا أن نختار الأحكام المشار إليها. يوفر لنا ذلك فرصة لتوقع شيء ما عن النتائج. لا بد من أن نؤكد أن هناك أكثر من نموذج للانترنت وأن لكل نموذج مزايا إيجابية وأخرى سلبية على صعيد بعض المعايير كسرعة دفق رزم المعلومات والنفعية التي يجنيها كل مستخدم من مستخدمي الشبكة وسوية التفاصيل التي يفترض بالمستخدم أن يعرفها عن بنية الشبكة.

وإذا كنا نتحدث عن نمذجة الانترنت فلا بد من أن نتطرق إلى دور الرياضيات في عصر المعلوماتية، ذلك أن النمذجة عملية رياضية في الأصل. يسود أوساط غير المتخصصين رأي يفيد بان دور الرياضيات آخذ بالتقلص بينما تتوسع التقنيات المعلوماتية لتغطي التقلص المفترض المذكور. يتحمل بعض الرياضيين مسؤولية بروز مثل هذا الرأي. إنهم يرون أن الرياضيات البحتة وحدها هي الأداة التي يجب أن توظف لحل المشاكل المختلفة في الفيزياء وبقية العلوم. شاع هذا الاتجاه بشكل خاص في القرن التاسع عشر. نعلم اليوم أن الحوسبة والمعلوماتية هما الأداتان الناجعتان في حل المشاكل التي أشرنا إليها. لم تأتِ الحوسبة والمعلوماتية من فراغ، فالحوسبة والمعلوماتية هما النتاج الصعب لتطور مديد في الرياضيات والفيزياء وعدد من العلوم الأخرى. هذا إلى أن المعلوماتية المعاصرة هي بالتعريف الرياضيات التجريبية. عرفت الرياضيات لقرون طويلة بفرعيها الرئيسيين والوحيدين الرياضيات البحتة والرياضيات التطبيقية. أما الرياضيات التجريبية فهي فرع جديد إضافي للرياضيات تكامل وظهر ليغدو المعلوماتية كما نعرفها اليوم. لا يمكن للعلم أن يستمر بدون هذه الفروع الثلاثة للرياضيات فلكل فرع دور أساسي في ارتقاء العلم. إن التداخل البنّاء لهذه الفروع هو المسألة المطروحة على بساط البحث اليوم. لا يعني هذا التداخل أن يعمد الدارس إلى استخدام كل الفروع في حل أية مسألة إذ قد يكفي فرع واحد أو فرعان.

يذهب الباحثون في التربية وعلم النفس إلى أن أفضل الطلاب هم الذين يتمكنون من تحليل البراهين الرياضية المجردة ومن فهمها بل ويستطيعون استظهارها في مرحلة تالية. يتميز هؤلاء الطلاب بمواهب ومقدرات خاصة. إن المواهب والمقدرات المذكورة هي التي تدفع أصحابها إلى استلهام حلول مستحدثة للمشاكل. لا يصنف معظم ا لطلاب في نفس سوية أصحاب المواهب والمقدرات الخاصة. لذا ينصح المربون أغلبية الطلاب باستخدام الحاسب كأداة لتجريب الرياضيات. إن اختبار البرامج والخوارزميات ليس هو الهدف الوحيد من استخدام الحاسب. على العكس إن التجريب العشوائي وغير المنظم في بعض الأحيان باستخدام الحاسب قد يدفع فكرة جديدة في ذهن أحد الطلاب إلى السطح ويطرحها كعامل مساعد أو أساسي في حل مشكلة معينة. بكلمات أخرى، يحول عصر المعلوماتية على نحو مطرد التجربة اليدوية المُلهمة إلى تجربة رياضية حاسبية تحث الدماغ على إبداع وجهة نظر غير مألوفة. ليست الآراء التي نوردها نهائية. إنها مجرد رؤى للاستئناس تشكل مع غيرها قاعدة ومرتكز لتوليد أفكار مغايرة. نذكر مثلاُ أن نظرية فيرما الأخيرة التي بقيت معلقة لثلاثة قرون تم حلها على يد رياضي لم يستخدم الحاسب ولم يتعلم تقنياته. إنه يصنف نفسه في عداد مريدي الرياضيات البحتة الذي يؤمنون بالبرهان الرياضي الصلد المتماسك ولا يأبهون لعلميات الاستقراء والتجريب التي توفرها الحوسبة والمعلوماتية. مكّنت الحوسبة والمعلوماتية من صياغة مخمنات جديدة وضعت كتحدّ للرياضيين التجريديين وأُدرجت في قائمة المسائل التي يتوجب عليهم حلها. إننا في عصر جديد. سجل تاريخ البشرية أن كل عصر جديد ينطوي على عمليات انتقالية لم تكن متوقعة على الإطلاق.

دراسة مقارنة لمشروعيهما النقديَين

... أركون والجابري في اختلافهما حول التراث والمنهج
موريس أبو ناضر الحياة - 19/10/08//

يتفق أكثر المفكرين العرب المعاصرين على أن الشعوب العربية واقعة منذ فجر النهضة تحت وطأة «التقليد»: تقليد القدماء الذين أنتجوا التراث العربي الإسلامي وتقليد الغرب الذي أنتج الثورة العلمية والصناعية والمعرفية.
إن تقليد القدماء، وتقليد الغرب وجهان لعملة واحدة تثبت على ما يزعم هؤلاء أن هذه الشعوب تفتقد الى حد بعيد الى العقلانية النقدية التي تساعد في تجاوز التقليد من جهة، والتحضير لولوج الحداثة من جهة أخرى. من هنا كان اهتمام عدد كبير من المفكرين المعاصرين الذين انخرطوا في مشاريع نقدية طاولت التقليد كما تجلّى ذلك من خلال الكلام عن العقل العربي،والعقل العربي الإسلامي، نذكر منهم على سبيل المثال نصر حامد أبو زيد في تأويله للخطاب الديني وعبدالله العروي في مقاربته للأيديولوجيا العربية المعاصرة، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون في مؤلفاتهما المتعددة حول نقد الفكر المعرفي والديني.
تقدم الباحثة اللبنانية نايلة أبي نادر في كتابها «التراث والمنهج بين أركون والجابري، الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت، عملاً جاداً تبرز فيه ما يجمع المفكرين المغربيين وما يفرقهما، معتبرة بداية أن أركون، لم يضع حداً يؤطر حقل عمله داخل التراث، إذ اعتبر أن كل ما قد أنتجه العقل العربي الإسلامي شفهياً أو كتابياً، فلسفياً أو دينياً يجب التوقف عنده، والبحث في أسسه مع الانتباه الى المسكوت عنه، واللامفكر فيه. وأن الجابري قد حصر عمله بالثقافة العالمة، وحصر إطار بحثه بالعقل العربي وحده، وبما أنتجه في إطار البيان والعرفان والبرهان، مبعداً بذلك نفسه عن العقل اللاهوتي الذي له أربابه.
هذا على صعيد تناول التراث، أما على صعيد عمل المنهج، فإن الأداة التي استخدمها كل منهما لإنجاز مشروعه فهي مختلفة أيضاً. سلّط أركون منجزات مناهج علوم الإنسان والمجتمع واللغة على التراث العربي الإسلامي، وسمح لعقله أن يطرق باب المقدس، والمستحيل التفكير فيه، مستعيناً بالألسنية، والسيميائية، والأنتروبولوجيا الإسلامية، مشرّعاً الأبواب أمام طرح الأسئلة الشائكة التي تستفز الفكر وتحثه على رفض التقوقع. أما الجابري فقد أعلن منذ بداية مشروعه عن تبنيه للأبستمولوجيا، واعتماده النقد الأبستمولوجي بغية التمكن من تفكيك بُنى العقل العربي والكشف عن مكوناتها. لذلك كان من الضروري بالنسبة إليه أخذ اللغة العربية كأداة معرفة تحمل تصوراً للعالم خاصاً بها، وأخذ البيان كفرع من فروع اللغة والأدب، «أساساً منهجياً للاستدلال» لا تنحصر مهماته في إطار اللغة وحدها، وإنما تمتد الى مختلف العلوم العربية والإسلامية كالفقه وعلم الكلام.
لم يَنْهمّ الجابري بالظاهرة الدينية، ولا بتجليات الوحي، ولا بالدور الذي قام به الرمز والخيال، والعجيب المدهش في النص الديني كما فعل أركون، لكنه في المقابل كان يشتغل على نصوص تراثية تدخل في صلب ما أنتجه العقل الإسلامي الذي أضفى عليه طابعاً خاصاً. كذلك نجد أركون قد اهتم بالعقل الإسلامي، إضافة الى العقل العربي الذي اهتم به الجابري، من ذلك توقفه في مقارباته النقدية للنصوص على بعض التجارب التي تتناول الإسلام في تركيا وإيران وأندونيسيا، كما نجد أركون قد عمد الى الفصل بين العقل العربي والعقل العربي الإسلامي، والفصل بين الفارسي والعربي، كما بين المشرقي العربي والمغربي العربي. وهو يرى في هذه التقسيمات الاتنولوجية أسساً لتمايزات فكرية وعقيدية. فلقد جعل العرب أفضل من الفرس الذين هم في رأيه أصل معظم «التلوث» أو»التشويه» اللذين أصابا الفكر العربي. ويكفي للتأكد من ذلك مراجعة النقد الذي وجهه لـ «أيديولوجيا السلطانية» التي سوّقها ابن المقفع في مجال العقل السياسي العربي، أو لمبدأ «أخلاق الطاعة» الذي كان له دور في تأسيس نظام القيم في العقل الأخلاقي العربي.
إن أبرز ما يفصل مشروع أركون عن مشروع الجابري هو التصنيف الثلاثي للعقل العربي (البيان، العرفان، البرهان) الذي توقف عنده هذا الأخير، انطلاقاً من زاوية بحثه الابستمولوجية، التي أظهرت أن النظام البياني يستند الى العلاقة اللغوية والقياس غير البرهاني، وأن النظام العرفاني هو تعبير عن كشف الحقيقة انطلاقاً من روابط لا عقلانية، وأن النظام البرهاني قائم على القياس الأرسطي الذي يفيد اليقين.
لم يقم أركون كالجابري بتقسيم أنظمة العقل أو إجراء تفضيل في ما بينها، ولم يهتم بناحية على حساب أخرى، لكنه حاول أن يخضع العقل الإسلامي بمجمله لمشروعه النقدي، من دون أن يهدف الى إضعاف هذا العقل، إنما الى إخراجه من السياج الذي انغلق داخله، إضافة الى أن أركون لم يعط الأولوية للهاجس الابستمولوجي في عمله. ان اعتماده على شبكة من المناهج أسهم في تنوع المقاربات التي قام بها، فلم يحصر اهتمامه بالمعرفة وآلية اكتسابها فقط على حساب ما هُمّش واعتبر غير ذي شأن. بكلام آخر لم ينشغل أركون بالمفكر فيه وحسب، وإنما حاول البحث في ما لم يتم التفكير فيه، أو كان مستحيلاً على التفكير فيه في حقبة محددة.
موضوع آخر يميز نظرة أركون عن الجابري، هو التصوّف، ففيما يرى الجابري أن التصوّف الإسلامي غرق في بحر الهرمسية، بخاصة عندما ادعى المتصوفة أن مشاهداتهم هي بمثابة الحقيقة في مقابل الشريعة، أو الباطن في مقابل الظاهر. يظهر أركون بنظرة مغايرة تماماً يقرأ من خلالها التجربة الصوفية والخطاب الذي نتج عنها، مشيراً الى غنى التجربة الصوفية المبنية على رحلة نحو اكتشاف المعنى، وبالتالي الوجود، يغذّيها هذا التوق الدائم نحو المطلق، ويُعبر عنها بلغة سيميائية متميزة لها مفرداتها وأساليبها الخاصة.
تجدر الإشارة في سياق المقارنة بين مشروعي نقد العقل العربي الإسلامي الى مفهوم القطيعة المعرفية، والمفاضلة التي أقامها الجابري بين المغرب والمشرق. فالقراءة التي قام بها الجابري للتراث العربي الإسلامي تميزت بتوقفه عند نقطة مفصلية تكمن في ضرورة إبراز الاختلاف بين التجربة الفكرية التي عرفها المشرق العربي والتي وصلت في النهاية الى ما سماه «العقل المستقيل»، وبين التجربة الفكرية كما تجلت في المغرب العربي، وأدت الى تأسيس النظام البرهاني وجعله ركيزة لا بد منها. فقد اعتبر الجابري أن ابن سينا المشرقي هو ممثل الانحطاط الفكري والتخلّف عن قواعد العقلانية، في مقابل ابن رشد المغربي الأرسطي النزعة والعقلاني الهوى. لذلك فكل محاولة للقيام والنهوض في الحضارة العربية الإسلامية المعاصرة يجب أن ترتكز على أنموذج مستمد من التراث، ليس بغريب عنها ينحصر في ابن رشد في ما يتعلق بالفلسفة، وفي ابن حزم والشاطبي في ما يخص علم أصول الفقه والتشريع الإسلامي. إن الفلسفة في الأندلس في نظر الجابري ليست استمراراً للفلسفة في المشرق، هناك قطيعة على صعيد الإشكالية والمنهج وعلى صعيد المفاهيم والرؤية.
لم ينحُ أركون في حديثه عن القطيعة نحو الجابري، وإنما وسع من دائرة استخدام هذا المصطلح لمزيد من الاستفادة، وتسليط الضوء على الطبقات التاريخية المتراكمة. فهو لا يرى أية قطيعة بين المغرب والمشرق، أو بين ابن رشد وابن سينا، أو بين البرهان من جهة والبيان والعرفان من جهة أخرى. كذلك لم ير أركون من قطيعة حقيقية بين الفكر السنّي والفكر الشيعي على الصعيد المعرفي، أو على صعيد آلية اشتغال العقل. المهم بالنسبة الى أركون كيف استوعب العقل العربي الإسلامي الفكر اليوناني، وتفاعل معه، من خلال المناظرات والمناقشات الخصبة، والإنتاج الفكري القيم الذي وصل إلينا. المهم هو المناخ العقلي المنفتح على ما هو جديد، على الحوار وعلى النقاش، بالمقارنة مع الانغلاق والقطيعة التي ستحدث في المرحلة التالية للعصر الإسلامي الكلاسيكي المبدع، مرحلة الاجترار والتكرار التي ما زالت تسود لغاية اليوم الخطاب الأصولي، بعد أن سيطرت على الخطاب الإصلاحي أو السلفي إبّان القرن التاسع عشر. في النتيجة يشير أركون الى استمرارية وليس قطيعة ابستمولوجية بين تبلور لصيغة الإسلام في القرون الهجرية الأولى وبين الصيغة التي يتخذها الخطاب الإسلاموي السائد حالياً في آخر القرن العشرين. ذلك أن أنماط التصوّر والإدراك والمحاججة والتأويل ورؤية العالم لا تزال هي إياها.
تقدّم نايلة أبي نادر في كتابها عن مشروعي أركون والجابري صورة عن مدى تمكنها من ممارسة الاستقصاء والبحث عن كتابات مفكرين، ما زالا يشـغــلان مركزاً مهماً على الساحة الفكرية العربية، وتسجل في الآن نفسه عملها في أرشيف الدراسات المهمة والمقنعة

 

ابن الريوندي : ما أحوجنا اليه اليوم



شاكر فريد حسن


يعتبر أبو حسين أحمد بن يحيى الريوندي من الشخصيات الفذة في تاريخ الحركات الفكرية الثورية في الاسلام. كان بحق، مدرسة في الاستنارة والتفكير والعقلانية، وأستاذ القرن الثالث بلا منازع، وأبرز مفكريه المستنيرين وأكثرهم عظمة وشموخاً في بناء العقلية العلمية في تفسير الحياة والدين من وجهة نظر انسانية وعلمية.
عاش ابن الريوندي وازدهر في بغداد الرشيد في النصف الأول من القرن الثالث الهجري ، التي كانت تعج بالاتجاهات والمذاهب الفكرية والحضارية وملتقى الأفكار والفلسفات المختلفة. عاصر المعتزلة والشيعة والحنابلة والفلاسفة فتأثر وأثر في مناهجهم وتفكيرهم، وتقلب مع التيارات الفكرية فكان معتزلاً ثم شيعياً فسياسياً معارضاًَ للسلطة الحاكمة فمستنيراً حاول أن يؤسس لمدرسة عقلية معاصرة ودفع الحراك الاجتماعي وتسريع دينامية التقدم والتطور والترقي، والتصدي للعقل الديني المغلق ومناهضة كل الأوضاع التي يقرها العقل والحس البشري ولا تقرها الأديان والشرائع السماوية، وتمكن من تفكيك المقدس ونزع الرداء عنه ليغدو من أهم قادة الفكر الحر المتنوّر في تاريخ الثقافة العربية الاسلامية.
وقد أستفزت أفكار الريوندي وعقلانيته هستيريا دار الجهل والتجهيل ممن لا علاقة لهم بالثقافة ولا بالفكر، كما أثارت حفيظة كل الأوساط في المجتمع العربي الأسلامي، وأتهم بالزندقة والكفر والالحاد وتبرأت منه الجماعة الاسلامية لجرأته وشجاعته المنقطعة النظيرفي طرح أرائه وأفكاره، وفي الجدل والسجال الفكري النقدي، وهناك من تعرض لنقده والهجوم عليه والتشهير به والكذب عليه وتزوير أقواله وأفكاره ونقلت عنه أخبار ومزاعم هدفها التخريب في الظاهر.
شغل أبن الريوندي حيزّاً كبيراً في كتب التراث العربي والاسلامي، وكان شبحاً يقض مضاجع شيوخ المعتزلة الذين عرف أسرار مجالسهم ومذاهبهم ودرس عليهم في بداية حياته الفكرية، وتصدى لنقض عقائدهم وبسط المتناقضات في أفكارهم، باحثاً ودارساً لاراء رجالاتهم : النظام والمرداد والمعتمر والمبشر والاسكافي وابن سليمان وأبي الزمر والجاحظ وغيرهم.
أبن الريوندي وصل العقل بالعلم، والعلم بالعقل لأن كمال الانسان بهما، وكتب في الفلسفة والاجتماع والجدل والنقد والدين والسياسة والفكر، وله من الكتب: "فضيحة المعتزلة، قضيب الذهب، كتاب اللامع، كتاب الزمرد وغير ذلك.
ومن النصوص والشذرات التي وصلت الى أيدي الباحثين والدارسين العرب ووردت في كتب التراث عن ملامح فكر ومنهج وأسلوب الريوندي ونشاطه الاجتماعي والسياسي والفكري يتبدى لنا الريوندي شخصية مسلحة بثقافة واسعة وعقل منفتح ومنهج نقدي وبصيرة ثاقبة وأفق رحب، وحسن استخدام للمنطق الصوري، ومفكراً عقلانياً مؤمناً بقيم عقلية وفكرية كونية، معلياً من شأن العقل والفكر النقدي الحر المضيء، غاضباً على واقع الأمة القهري والاضطهادي، متحيزاً للشرق المتمرد الناقد المتحرر والمتنور دون الشرق الخاضع الراضي بالاستبداد وصنوة الاظلام ومنافقة الروحانية، رافضاً التعصب والانغلاق والتزمت الديني والخيال الاستبدادي ، متصدياً لأفكار الحركات الغوغائية والظلامية التي تعمل على طمس التوير والنقد، وتقودنا كقطيع غافل الى مستقبل مظلم من الاستبداد والقهر، ومكافحاً في سبيل العلم والتنوير والوعي والانتقال الى مستقبل أفضل، مستقبل يتوسل العدالة والحكمة والاستنارة والعقل، دليلاً ومعيناً له.
أبن الريوندي ً استاذ العقل في الاسلام سعى لانقاذ المجتمع من مأسسة الدين وتحوله الى قوة ارهاب ضد العقل والعلم والوعي الانساني ، كما سعى الى تحرير العقل الشعبي من أوهام الدين السلطوي القائم على توظيف الدين في خدمة السلطان وماربه.
أبن الريوندي لم يتوقف عن حواراته السجالية النقدية المعرفية مع المقدس وطرح الأسئلة واثارة الشكوك التي تفتح على مزيد من الجدل الفكري والسياسي والثقافي، مؤسساً لخط التنوير الاسلامي الذي توّجه أبو العلاء المعري وأبن رشد، والمنتهي في عصر انيته الجديدة ممثلاً بطه حسين، مثيراً قضايا خلافية واشكالية كثيرة، محرضاً وداعياً الى اعادة التفكير ودخوله معمعة النقاش بالفكر الجذري العقلاني المختلف كرؤية للحياة، وهو كبقية المثقفين والمفكرين الأحرار المستنيرين في تاريخ الفكر الحر على مر العصور والدهور فقد حورب وطورد وألصقت به شتى التهم الى أن وافته المنية في منفاه في رحبة مالك بن طوق.
غني عن القول، أن ابن الريوندي شكل وثيقة من وثائق الدفاع عن حرية الفكر والاجتهاد، هذه الحرية التي لا تزال مفقودة في أوطاننا العربية حتى أيامنا هذه ، وما أحوج العالم العربي الاسلامي في هذه المرحلة الحالكة والقاتمة الى حداثة العقل والعلم والتقدم والثورة ، واستعادة قيم التنوير والعقلانية والعلمنة والدمقراطية التي انبرى في الدفاع عنها والدعوة لها وتأصيلها في المجتمع العربي الاسلامي ، مجتمع يثرب. 

 

عالم من دون رياضيات هوعالم من دون منطق

 

 

جورج اسبر
("الشرق" الأسترالية - 8 أيلول 1999)


عندما كنت طالبا في دار المعلمين خالجني سؤال عن سبب تدريس الرياضيات. وقد اقض مضجعي زمنا، ولكنني أحجمت عن طرحه على أستاذ تلك المادة لأسباب متنوعة، أولها علاقتي المتوترة ببعض الأساتذة الآخرين، وخصوصا في مادتي التاريخ وعلم الاجتماع التي كانت مفاهيمي لهما تختلف مع مفاهيم مدرسيهما إلى حد التناقض، وثانيا العلاقة المتوترة مع الإدارة نفسها بسبب نشري مقالات "غير شرعية" في ملحق النهار آنذاك. فطلاب دار المعلمين كانوا يعتبرون بمثابة موظفين، وبالتالي كانوا يخضعون لقانون الموظفين الذي يمنع نشر مقالات موقعة من دون موافقة الرئيس المباشر عليها.
وسبب إحجامي كان خشيتي أن يظن مدرس تلك المادة أنني أطعن في الرياضيات نفسها، وبالتالي في تدريسها، مع أن رغبتي كانت في الواقع هي مجرد الحصول على رد علمي على السؤال. وفي أحد الأيام قررت أن أطرح السؤال مهما كانت النتائج معتبرا أن هذه القشة لن تقصم ظهر العلاقات المتوترة أساسا.
ولدهشتي رحب الأستاذ بالسؤال قائلا انه كان ينتظر أن يطرحه أحد الطلاب، وخصوصا في دار المعلمين، إذ يفترض أن يعرفوا، وبعضهم سيدرّس الرياضيات حتما، ما الغاية من تدريس هذه المادة. وأضاف قائلا: ثمة هدف واحد ووحيد لتدريس الرياضيات لسائر الطلاب في المراحل التعليمية قبل الجامعية وهو تنمية "المنطق" لديهم، والمنطق هو من أهم القوى العقلية التي يتمتع بها الإنسان، لأنه القوة التي تربط عمل سائر القوى العقلية من تحليل واستنتاج وحفظ وخلق الخ. . .، وعلى الربط الصحيح بينها تتوقف درجة النمو العقلي.
وتابع: من أهم ميزات المنهج التربوي الفرنسي انه يشدد على هذه الناحية لا في مادة الرياضيات وحدها وهي المؤلفة من حساب وجبر وهندسة بل في مواد الفيزياء والكيمياء. وحل المعادلات الفيزيائية والكيميائية هو عمل رياضي بالدرجة الأولى. ثم أضاف قائلا إن اللغة لها دور في هذا المجال أيضا، وأعطى مثالا على ذلك اللغة الألمانية التي تبلغ نسبة "التقعيد" فيها، أي اعتماد القاعدة من دون شواذ لها، نسبة تفوق ال 99 بالمئة، مؤكدا أن لهذه اللغة دورا أساسيا في ما يعرف عن الشعب الألماني من الذكاء والتفوق في كافة مجالات العلوم والفنون والفلسفة وعلم الأخلاق.
وأنهى حديثه بالقول إن الرياضيات هي أساس كل شيء تقريبا من الشعر إلى الموسيقى إلى الرسم إلى الفلسفة والأدب، مؤكدا أن البارع في الرياضيات لا بد أن يبرع في مجال آخر أو أكثر. أما الفاشل في الرياضيات فيندر أن يحالفه النجاح في أي شأن آخر.
نتذكر كلام أستاذنا العزيز كلما سمعنا خبرا تربويا من نوع أن بعض الطلاب في الولايات المتحدة واستراليا ينهون مرحلة التعليم الثانوي ويـبقون شبه أميين، أو كلما تناهى إلينا إحصاء على شاكلة أن عشرة بالمئة فقط من الطلاب ( على المستوى الوطني) قد اجتازوا بنجاح امتحانا بسيطا في الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء، وأولا وأخيرا كلما شاهدنا عملا سلوكيا لواحد أو واحدة من نتاج هذا المنهج التربوي الأنكلوساكسوني الذي نزل بالتربية إلى أدنى الدركات والذي لا يصح أن يستمر كما هو خلال القرن الحادي والعشرين.
إضافة إلى الترفيع الآلي الذي تحدثنا عن مساوئه أكثر من مرة، استغنى هذا المنهج التربوي عن معظم خدمات الرياضيات والفيزياء والكيمياء، بحجج مختلفة، ولكنها ذات مصدر واحد: التقليل من المواد النظرية وزيادة المواد التطبيقية. والسبب هو طبعا أن المواد النظرية لا فائدة لها. وساعد على ذلك التطور الإلكتروني الذي أدى إلى انتشار الآلات الحاسبة والكومبيوترات فصار بإمكان الطلاب الحصول على جواب المسألة دون المرور بمراحل حلها خطوة خطوة.
والواقع أن هذه الحجج هي أسخف من أن يصرف الإنسان وقتا في مناقشتها. ولكنها أخطر من أن تترك من دون معالجة. فتبسيط مسألة "التطبيق" إلى مجرد العمل اليدوي، وبالتالي اعتبار العمل العقلي شأنا نظريا وحسب هو مغالطة فادحة وفاضحة.
إن العمل اليدوي التطبيقي مطلوب ومرغوب في كل مجالات التعليم التي تتطلب مهارة يدوية، أي في سائر المهن، من الحدادة إلى النجارة إلى الطهي إلى آخره، ولكن العمل اليدوي نفسه يتم نتيجة أوامر يوجهها الدماغ إلى أعضاء الجسم كافة، بما فيها اليدان، ومن هنا ضرورة تنمية القوى العقلية، وفي مقدمتها المنطق، لكي تأتي أوامر الدماغ على أفضل ما يرام. وهذه المهمة لا تستطيع أن تقوم بها بفعالية وسرعة نسبية سوى الرياضيات، أي الحساب والجبر والهندسة، التي يؤدي اختلافها وتكاملها في آن إلى تنمية معظم القوى العقلية التي يتمتع بها الإنسان، وهي أكثر من أن تحصى بكاملها في هذه العجالة، ولكننا سنذكر ما يحضرنا منها الآن: المنطق، التحليل، الاستنتاج، الربط، الترتيب، التنظيم، التوقيت، الفهم، الخلق، الاستيعاب، التركيز، التنسيق، الافتراض، الحفظ، الخ. ومن هنا القول إن الشخص البارع في الرياضيات سيكون بارعا في أي شان آخر، لأن قواه العقلية تكون قد نمت بالشكل السوي المتكامل، وعلى رأسها المنطق الذي هو بمثابة الرابط بينها كلها..
من المحزن أن يرى الإنسان سلوك الشباب والشابات الذين ينتجهم النظام التربوي الانكلوسكسوني في أميركا واستراليا وبريطانيا، وسواها من البلدان التي سارت أو هي سائرة على الطريق نفسها. فإضافة إلى النتائج التي يحصّلونها في نهاية الدراسة الثانوية، وهي دون المستوى المعقول بما لا يقاس، فان سلوكهم نفسه يؤكد أن ثمة شيئا أساسيا ينقصهم وهو ببساطة المنطق.
أجل!!
أين المنطق فيما يلبسون، وفي تسريحات شعرهم، وفي الموسيقى والأغاني التي إليها يستمعون. بل أين المنطق فيما يقومون به إذا حضروا حفلة لواحد من مغنيهم المفضلين، وما علاقة الصراخ وشد الشعر بالاستمتاع بالموسيقى والغناء؟
انظر إليهم كيف يقودون سياراتهم، وكيف يسيرون في الشوارع. أنظر إليهم في مباراة رياضية، حتى ولو لم تنته بعدد من القتلى والجرحى.
والأخطر من ذلك كله هو عدد الجرائم والاعتداءات التي تحصل والتي لا يعتقد أحد أن القائمين بها أناس أتوا من المريخ.
أما العلاقات العائلية والاجتماعية فإلى تفسخ مريع، وصفات من نوع قبول الآخر وروح الوفاق والمصالحة والتفهم والتفاهم أمور باتت أثرية. وسمة العصر هي الخلاف لأتفه الأسباب، والتضحية بالعائلة والأطفال أي الطلاق اسهل بكثير من الزواج والإنفاق على حفلات أشبه بمهرجانات لا معنى لها.
و . . . و . . . إلى آخر ما هناك .
الخلاصة، إن بلدانا مثل الولايات المتحدة واستراليا وبريطانيا وكل الناطقين بالإنكليزية هم آخر من يجب أن يلغوا دور الرياضيات من مدارسهم. لو فعل الألمان ذلك لكان لهم بعض العذر، لأن تعلم لغتهم، بقواعدها الصارمة التي لا جوازات فيها، يكفي إلى حد ما لتنمية الصفات والقوى العقلية. ولكن اللغة الإنكليزية التي لا يتجاوز عدد قواعدها عدد أصابع اليد، والتي ارتأى معدو المناهج التربوية الانكلوساكسونية أن لا حاجة إلى تدريس شيء اسمه قواعد اللغة (grammar) ، وبالتالي فان كل ما يقوله الناطقون بها (تقريبا)هو صحيح، هذه اللغة لا يمكن أن تلعب أي دور في تنمية القوى العقلية ، فإذا أضيف إلى ذلك تبسيط مادة الرياضيات والاستغناء عن معظمها، كانت المصيبة الكبرى . وان ما تعيشه هذه البلدان هو مصيبة بالفعل.

 

 

علوم صورية

Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 2240790 :: Aujourd'hui : 261 :: En ligne : 1